بين العقوبات ومزاجية ترامب..غيمة قلق فوق طهران

بين العقوبات ومزاجية ترامب..غيمة قلق فوق طهران

تواجه إيران أزمة اقتصادية وحقوقية خانقة (Getty)

إيران على صفيح ساخن. أوروبا ممتعضة، أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فيتوعد تارة ويغرد تارة، ولا يمانع اللقاء تارة أخرى. بهذا المزاج الأمريكي المتأرجح بين دفتي جحيم، ومع التقلب الغريب للرجل الذي وصفه أحد الخبراء الإيرانيين في صحيفة واشنطن بوست بأنه سحابة شؤم على الاتفاق النووي، الذي أبرمته إدارة أوباما عام 2015، وانتزع روحاني الموافقة عليه من المحافظين في إيران، وتهاوى بمجرد وصول ترامب إلى البيت الأبيض، يراقب العالم الملف الإيراني.

 يوصف الرئيس حسن روحاني على لسان إيرانيين بأنه البطة العرجاء التي لم تستطع إدارته الوفاء بالتزاماتها أمام الشعب

واليوم يوصف الرئيس حسن روحاني على لسان إيرانيين بأنه البطة العرجاء التي لم تستطع إدارته الوفاء بالتزاماتها أمام الشعب، ليس فقط في صمود الاتفاق النووي بل في توفير أبسط وأهم الاحتياجات اليومية للناس مع اقتصاد منهار. وبينما تصل السكين إلى العظم، كما يقول المثل الإيراني، سيتم فرض مزيد من العقوبات على طهران التي تعاني من أزمة اقتصادية بالغة، من بينها وقف استيراد النفط الخام من البلاد، التي تعد خامس أكبر منتج للنفط الخام في العالم،  بحلول الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر القادم.

ترامب لإيران:  لقاء دون شروط مسبقة.. وإيران تشكك!

بدا ترامب متحمسًا، وهو يعلن أنه يقبل بلقاء مع الإيرانيين دون شروط مسبقة، فهو يعتبر أن "جرَ" الخصم إلى طاولة الحوار "إنجاز"، حتى بدون الخروج بمنجز حقيقي من الحوارات. يحب ترامب اللقاءات كما صرح من قبل أثناء لقائه مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين الشهر الماضي. ومع أن قليلين يعولون على لقاءاته، فقد ادعى أن لقاءً مع إيران سيكون مفيدًا لنا وللعالم.

اقرأ/ي أيضًا: ترامب مستعد للقاء روحاني.. هل يتكرر نموذج بيونغ يانغ مع طهران؟

وقد تناقلت وسائل الإعلام قبل فترة، تصريحات قال فيها ترامب بوضوح إنه مستعد للقاء الإيرانيين، واضعًا شرطه الوحيد ألا يكون لهم "هم" شروط مسبقة. لا تبدو إيران في أفضل أحوالها، لكن "مراوغة" ترامب لم ترق لها أيضًا، وهو من نقض الاتفاق النووي الذي سمح بدخول شيء من "الهواء" إلى الاقتصاد الإيراني، وببعض الاستثمارات الأوروبية إلى طهران، التي تعاني حرارة مرتفعة هذه الأيام ليس فقط بسبب صيفها الحار، وإنما أيضًا بسبب ارتفاع أسعار السلع والانقطاعات المستمرة للكهرباء، فضلًا عن جفاف لم تشهد له إيران مثيلًا منذ وقت طويل. وفي حين استشهد الرئيس الأمريكي بقدرته على محاورة زعيم كوريا الشمالية، وجره إلى طاولة المفاوضات، فقد رد محمود فايزي وزير الاتصالات والتكنولوجيا الإيراني بقوله: "إن إيران ليست كوريا الشمالية وإن شعب إيران ليس كشعبها". 

وعلى الرغم من أن مجمل الأصوات الرسمية الإيرانية ترفض لقاء ترامب وتشكك في نواياه، إلا أن هناك بعضها الآخر يرى أن من الحكمة التعامل مع مبادرته بعقلانية، منهم ناطق نوري الرئيس الأسبق لمكتب التفتيش لدى المرشد الأعلى، حيث رأى في تصريح نقلته وسائل الإعلام، أنه "لا يجب رفض الأمر مباشرة، ولا التصرف بانفعالية، فهذا العنوان يجب أن يبحث في مجلس الأمن القومي الأعلى".

لكن نوري وقلة معه يعزفون على وتر "الحكمة" وحيدين، حيث شكك روحاني في جدية دعوات ترامب، معتبرًا أنه لا يمكن التعويل عليها، واضعًا أملًا أكبر على ما يبدو في أيدي الأوروبيين الذين لا يزالون يرون إمكانية لإنعاش الاتفاق بطريقة ما. أما حكمت فلاحت بيشه، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسات الخارجية في البرلمان الإيراني، فقد اعتبر أن القبول بالتفاوض مع الولايات المتحدة يجب أن يمر من باب المصالح القومية الإيرانية العليا، ولكنه أضاف أيضًا: "الدبلوماسية بالمعنى الأمريكي الراهن لا تحقق مصالح طهران، وواشنطن تريد الدخول في الحوار لمجرد الحوار، ودليل ذلك أن عرض ترامب بمفاوضات غير مشروطة، لحقه تصريحات على لسان وزير خارجيته (مايك بومبيو)، تؤكد أن الولايات المتحدة تريد جرّ الآخرين إلى الطاولة، وتصنّف ذلك إنجازًا".

الاقتصاد الإيراني: الخبز والماء أهم!

يعيش الإيرانيون جوًا من الغليان، في ظل انهيار عملتهم أمام الدولار. فالدولار الذي كان يساوي 70 ريالًا إيرانيًا في عام 1979، يباع  اليوم بما يقارب 75 ألف ريال في وسط طهران العاصمة. هذا فضلًا عن أجواء اقتصادية كارثية يعيشها الإيرانيون، من ارتفاع جنوني للأسعار، وانقطاع للتيار الكهربائي بشكل يعطل المصالح، في ظل درجة حرارة تتجاوز الـ40 درجة مئوية.

 تناقلت وسائل الإعلام قبل فترة، تصريحات قال فيها ترامب بوضوح إنه مستعد للقاء الإيرانيين

وقد اندلعت الاحتجاجات على سوء الأوضاع الاقتصادية في إيران منذ العام الماضي، رافعة شعار "لا للغلاء" على الرغم من تردد شعارات سياسية أخرى، إلا أن ارتفاع نسبة البطالة، ورفع الدعم الحكومي عن كثير من فئات الشعب، وارتفاع معدلات التضخم في البلاد، إلى جانب تضييق الخناق على الحريات، هو ما أدى إلى احتقان الشارع الإيراني كما يرى مراقبون، ليصب جام غضبه على حكومة روحاني ويتهمها بالعجز عن مواجهة مصاعب البلاد.

اقرأ/ي أيضًا: إيران.. قمع ما بعد الاتفاق النووي

أدت الاحتجاجات إلى حدوث مواجهات بين المتظاهرين والشرطة، أودت بعدد من القتلى والمعتقلين، كما أدت إلى أضرار بالممتلكات العامة في الشوارع.

على الرغم من ذلك يرى محللون سياسيون أن العقوبات المفروضة على إيران ليست أكثر خنقًا من تلك التي كانت سارية قبل التوصل إلى اتفاق نووي. وبينما قد يستجيب الشركاء الأوروبيون على مضض للضغط من البيت الأبيض، فإن المستوردين الرئيسيين للطاقة الإيرانية، بما فيهم الهند والصين، قد لايتخلون عن إيران بهذه السهولة. كما أعلنت الصين أنها ستواصل على الأرجح استيراد النفط من إيران حتى بعد أن تتحرك الولايات المتحدة لخفض مبيعات النفط الإيراني إلى الصفر بحلول تشرين الثاني/ نوفمبر، وتبدو بكين مستعدة أيضًا لتوسيع تعاونها مع إيران من خلال مشروعها العالمي للبنية التحتية الطموح، والمعروف باسم مبادرة "الحزام الواحد، الطريق الواحد"، فضلًا عن الاستثمارات في قطاع الطاقة النووية الإيراني. وعلى الأرجح، فإن المشكلة الإيرانية أكبر من ترامب ومن العقوبات التي سيفرضها، حيث إنها لا تشكل سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المشكلات التي تعاني منها إيران بالفعل.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

احتجاجات إيران.. موجة غضب لا تستثني أحدًا حتى خامنئي!

انسحاب ترامب الأحادي من الاتفاق النووي الإيراني.. نتنياهو مصفقًا لنفسه