بين الضربة المحدودة والحرب الشاملة: سيناريوهات المواجهة الأميركية–الإيرانية على وقع الاحتجاجات
15 يناير 2026
مع انخفاض رقعة الاحتجاجات الإيرانية التي انطلقت في بازار طهران الكبير في 28 من الشهر الماضي، تتصاعد في المقابل التهديدات العسكرية الأميركية تجاه إيران، في ظل اتهامات أميركية لطهران باستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين. ويتزامن هذا التصعيد مع إجراءات دبلوماسية وعسكرية غير مسبوقة، تمثلت بدعوات أطلقتها دول عدّة لسحب رعاياها من إيران، إلى جانب تخفيض أو إخلاء الموظفين الأميركيين من قواعدها في المنطقة، ونقل حاملة الطائرات لينكولن (USS) ومجموعتها الضاربة من بحر الصين إلى الشرق الأوسط، بالتوازي مع رفع مستوى الجهوزية العسكرية في إسرائيل.
وفي هذا السياق، ذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن عددًا من طائرات التزوّد بالوقود العسكرية الأميركية من طراز " KC-135" أقلعت من قاعدة "العديد" الجوية الأميركية إلى وجهة غير معلومة. كما أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال الأيام الماضية سلسلة تصريحات ذات سقف تهديدي مرتفع تجاه إيران، عكست تصعيدًا واضحًا في الخطاب السياسي والعسكري.
في المقابل، تؤكد إيران أن أي عمل عسكري يستهدفها سيُقابل برد مباشر، سواء ضد القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة أو ضد إسرائيل، معتبرة أن واشنطن وتل أبيب توظفان الاحتجاجات التي اندلعت على خلفية مطالب اقتصادية كذريعة للتدخل في شؤونها الداخلية. وتشير التصريحات الإيرانية إلى أن هذه التحركات جرى الاستثمار فيها وتحويل جزء منها إلى أعمال شغب.
ويطرح هذا التصعيد الأميركي جملة تساؤلات حول طبيعة أي عملية عسكرية محتملة، وحدودها، وأهدافها، إضافة إلى شكل وحجم الرد الإيراني في حال وقوع ضربة عسكرية.
منذ احتلال العراق عام 2003، اتجهت الولايات المتحدة إلى تبنّي عمليات عسكرية نوعية وسريعة، تقوم على الضربات الدقيقة والاغتيالات وتغيير الأنظمة، بدل الانخراط في حروب شاملة
استراتيجية أميركا بعد احتلال العراق
خلال العقدين الأخيرين، ارتكزت الاستراتيجية الأميركية على تجنّب الدخول في حروب مع دول أخرى، نظرًا للكلفة البشرية والمالية العالية التي تكبّدتها الولايات المتحدة، خصوصًا في العراق وأفغانستان وفيتنام. ورغم نجاح واشنطن في بعض هذه الحروب من حيث تحقيق الهدف السياسي، كما جرى في العراق بإسقاط نظام صدام حسين، فإنها فشلت في أخرى، كما في فيتنام وأفغانستان.
ومنذ احتلال العراق عام 2003، وبفعل الخسائر الكبيرة، اتجهت الولايات المتحدة إلى سياسة عسكرية مختلفة تقوم على تنفيذ عمليات نوعية وسريعة، من دون الانخراط في حروب شاملة. وتمثلت هذه السياسة في عمليات اغتيال محددة، أو ضربات عسكرية دقيقة، أو العمل على تغيير أنظمة حكم من دون خوض مواجهات مباشرة واسعة.
ومن أبرز هذه الإجراءات، عملية اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس في بغداد، إضافة إلى تنفيذ ضربات عسكرية محدودة، كاستهداف منشآت نووية إيرانية خلال حرب الأيام الاثني عشر، من دون الانخراط في مواجهة مباشرة، أو دعم مسارات سياسية أدّت إلى تغيير أنظمة حكم، كما جرى في أوكرانيا عام 2014، حين أُطيح بالرئيس الموالي لروسيا فيكتور يانوكوفيتش، ووصول سلطة موالية للغرب، وفق الرواية الروسية. كما يُدرج في هذا السياق أيضًا ما جرى مؤخرًا من عملية خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
وبناءً على هذا المسار، يُستبعد أن تقدم الولايات المتحدة على حرب كبرى ضد إيران، وفقًا لمنطق الاستراتيجية الأميركية الحالية، وهو ما لا تريده أيضًا حركة "ماغا" التي دعمت ترامب في وصوله إلى الحكم، تحت شعار "أميركا أولًا". وعليه، يُرجّح أن تلجأ واشنطن إلى ضربة عسكرية محدودة، وهو سيناريو ينسجم مع ما نقلته " NBC News" "إن الرئيس دونالد ترامب أبلغ فريقه للأمن القومي أنه يريد أن يوجه ضربة سريعة وحاسمة للنظام، وألا يشعل حربًا مستمرة تمتد لأسابيع أو شهور".
كما يبقى اتساع نطاق المواجهة مرتبطًا بحجم وطبيعة الرد الإيراني، إذ تشير التجارب السابقة إلى أن طهران دأبت على اعتماد ردود محسوبة ومدروسة، تراعي عدم الانزلاق إلى حرب شاملة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على معادلة الردع. ففي أعقاب مقتل سليماني، اكتفت إيران باستهداف قاعدة "عين الأسد" الأميركية في العراق، في ضربة حملت رسالة سياسية وعسكرية واضحة من دون تجاوز خطوط تؤدي إلى مواجهة مفتوحة. وكذلك الحال في الرد على استهداف المنشآت النووية، حين جرى ضرب قاعدة "العديد" الأميركية، في إطار ما وصفه مراقبون آنذاك بسياسة "الرد المضبوط".
وتعكس هذه المقاربة حرص طهران على تثبيت مبدأ "عملية مقابل عملية"، من دون الذهاب إلى تصعيد واسع قد يفتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية أوسع، أو يفرض عليها كلفة عسكرية واقتصادية أكبر. غير أن هذه الحسابات تبقى مرهونة بطبيعة الضربة المحتملة وحدودها، إذ إن أي استهداف واسع للبنية العسكرية أو التحتية الإيرانية، أو اغتيال قيادات بارزة، قد يدفع طهران إلى إعادة النظر في قواعد الاشتباك المعتمدة حتى الآن.
سيناريوهات أكثر تصعيدًا
وبينما يبقى سيناريو الضربة المحدودة هو الأرجح، لا تُستبعد سيناريوهات أخرى أكثر تصعيدًا، تقوم على توجيه ضربات مزدوجة أميركية–إسرائيلية تستهدف شل القدرات العسكرية الإيرانية، والبنى التحتية، ومراكز القيادة والسيطرة، إلى جانب تنفيذ عمليات اغتيال تطال قيادات عسكرية. ورغم أن مثل هذه الضربات قد لا تؤدي إلى إسقاط النظام، فإنها من شأنها إضعاف جزء كبير من قدراته وإمكانياته، وهو ما تسعى إليه كل من واشنطن وتل أبيب، عبر إحداث إضعاف تدريجي وتراكمي لإيران مع كل ضربة أو مواجهة.
في المقابل، يبقى سيناريو الحرب الشاملة الهادفة إلى إسقاط النظام هو الأقل ترجيحًا، نظرًا للمساحة الجغرافية الواسعة لإيران، التي تبلغ نحو 1.648.000 كيلومتر مربع، وامتلاكها قوات عسكرية كبيرة ومتعددة المستويات، تشمل الجيش النظامي، والحرس الثوري، وقوات "الباسيج"، إضافة إلى امتلاكها جبهات إقليمية قادرة على التحرك، مثل الفصائل المسلحة في العراق، وحزب الله في لبنان، وأنصار الله الحوثيين في اليمن.
في المحصلة، يتجه المشهد الإقليمي نحو إدارة تصعيد محسوب لا حرب شاملة، تحكمه اعتبارات الكلفة والردع المتبادل أكثر من الرغبة في الحسم العسكري. فالولايات المتحدة، رغم استعراض القوة ورفع منسوب التهديد، لا تبدو مستعدة لخوض مواجهة مفتوحة مع إيران، فيما تحرص طهران على ردود محسوبة تمنع الانزلاق إلى صراع إقليمي واسع. وعليه، يبقى السيناريو الأرجح محصورًا في ضربات محدودة ومتبادلة، ما لم تطرأ تطورات نوعية، كاستهداف واسع للبنية الإيرانية أو عملية عسكرية شاملة، من شأنها دفع المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا.






