بين السواد والبياض

بين السواد والبياض

زيغمونت زاراكوفتش/ بولندا

أستيقظ على صوت المنبه الذي عادة ما يوقظني في الخامسة والنصف كل صباح. الغرفة مظلمة، لم يتسلل وميض الفجر من خلف الستارة عبر النافذة بعد، وما كان باستطاعتي رؤية شيء سوى تلك الظلمة الحالكة. تحسست هاتفي حسب ما اعتدت كي أغلق صوت المنبه، لكني لم أعثر عليه، أسمع صوته ولا أراه، أفتح عينيّ بكل اتساعهما، ربما أعثر على نقطة ضوء، أو أي شيء يقودني إليه، لكن كل شيء في الغرفة ملتحف بالسواد، كل شيء حتى يديّ لا أكاد أراهما، الشراشف والوسائد، الجدران، كل شيء غارق في السواد، ومتّشح به حتى أنا.

يصمت المنبه من تلقاء نفسه أو كأنّ يدًا أخرسته، وبصمته يصمت كل شيء. ينتابني الفزع، تتسارع دقّات قلبي، تخذلني قدماي، أسقط وكأني أهوي في نفق أسود، أضيع بين العتمة والصمت، ينتابني شعور أني أطير في فراغ معتم، أتحسس الفراغ، ألمس حافة السرير كي أستطيع إنزال قدمي بسلام على أرض الغرفة الباردة، أسير بخطوة عمياء، أبحث عن جهاز التحكم بالمكيف كي أستطيع إغلاقه لكني لا أعرف أين وضعته بالأمس. كل شيء بالنسبة لي مشكوك فيه بدءًا بذاكرتي التي بدأت تخونني في الفترة الأخيرة، وانتهاء بالعمر الذي بدأ يتسرب من بين ثواني الوقت ودقائقه. أتحسس الطاولة، السرير، المقعد الخشبي الهزاز، أشعر بخفة يدي على الأشياء الثقيلة، ينتابني الشك في كل شيء، في المكان والزمان، قد يكون الوقت خاطئًا. لعل العتمة وهم أو حلم، أبحث عن موطئ لقدمي كي لا أتعثر بشيء من الكتب المتناثرة على أرضية الغرفة، أستجدي ذاكرتي كي تتذكر، أرجوها ألا تخون، لكنها لا تستجيب لي، فلا أتذكر سوى تلك الصورة الأخيرة لي، أني نمت بعد أن أصبت بإعياء شديد وبعد قراءة كتاب يتحدث كاتبه عن سارتر، أشعر بشيء من الفرح. لقد كان سارتر معي بالأمس، أراه واقفًا أمامي بين الوجود والعدم، يعيد لي ذاكرتي وهو يحدثني عن ماو. كنت أصرخ في وجهه وأحدثه عن الخديعة، لم يعد الرفاق هنا يا سارتر، لقد خُدعنا جميعًا، خانوا القضية، وأنت أول من خان. أسمعه يردد:

-إنها الحقيقة، إنه الوجود.

وأسمعُني أردد خلفه بصوت كان يخبو شيئًا فشيئًا:

-إنه العدم يا سارتر.. إنه العدم.

 يغيب سارتر، أتلمس طريقي في العتمة محاولة تذكّر المساحات الفارغة في الغرفة كي لا أصطدم بشيء، لكن لا شيء يُرى. ترعبني العتمة التي أغرق فيها إلى درجة عدم القدرة على التنفس، المكان بارد جدًا، أشعر أن البرد يتسلل إلى عظامي، ترتجف أطراف جسدي، أضم بعضي على بعضي كي أتدفأ بتلك الحرارة المنبعثة من أطرافي، لا ضوء ولا نور ولا نار.

من غياهب العتمة يحضر جدي، بهيًا مهابًا أبيضَ، يأخذني من يدي في صحراء واسعة بليلة مظلمة، نجتاز السياج الحديدي في تلك المساحة الواسعة من الصحراء المظلمة، يرفع جدي تلك الأسلاك الحديدية بكلتا يديه، يأمرني بالزحف من تحتها، لقد كان جسدي ضعيفًا وضئيلًا لدرجة أني استطعت العبور دون أن أصاب بأذى. أرفع السياج كي يزحف جدي. يستطيع جدي العبور أيضًا. أرى قطرات الدم المتساقطة من جسده وهو يسير أمامي في تلك الصحراء الواسعة في تلك الليلة المظلمة، أسير خلفه دون أن أسأله أين نحن ذاهبان، أسير خلفه، فأتبع قطرات الدم التي يخلفها أثناء سيره رغم العتمة

*

 

يغشاني السواد، يفارقني البياض الذي كان حتى الأمس معي. أعشق البياض وكل شيء بحياتي كان أبيض، غرفتي، سريري، ملابسي، ملاءات السرير، فلماذا يخونني النور والنور أبيض، أمشي وقدمي تكاد لا تلامس الأرض، أسمع مواء قطة، أستطيع الحدس أنها استيقظت ووقفت على قدميها فهي قد بدت تمسح بجسدها ورأسها على ساقي. إنها تتبعني وأنا أتبع الفراغ في سواد هذه العتمة، هذا المشهد يصلح ليكون نصًّا سرديًّا. هكذا ستكون البداية؛ امرأة وقطة تسيران في غرفة مظلمة. أسمع صوت السارد الذي لا يسمِّي قطتي باسمها بل يسميها مشمش. أخبره أنّ اسمها لولي ولكنه لا يسمع ما أقول. إنها مشمش التي كانت معي في سنوات طفولتي، أراني في المشهد المرسوم بنص الحكاية، أجلس بجانب جسد قطتي الميتة وأنا أبكي، كان الجسد يتحلل، وأنا ما زلت أجلس في نفس المكان حتى أصبحت عظامًا. كان شوقي لمشمش كبيرًا وحنيني إليها مؤلمًا. إنها هي، تتبعني في هذه العتمة، تسير بجانبي، أشتاق للشمس، أصرخ لها "آه عانقيني" لقد اشتقت لعناق النور، فيسرقني، أصطدم ببرودة زجاج النافذة، أمرّر يدي الباردة كقطعة ثلج على زجاجها. شيء ما ينهش أعماقي، أكاد أستسلم لهذا المارد الأسود الذي ينهش كل جزء مني، أستنجد بالفراغ، أنادي النور والشمس لكني بكماء، أتحسس عينيّ، علّ النور يسكن مقلتي المتعبتين، لكني عمياء، عيناي تنفصلان عني، تبحثان عن الشارع والبيوت والشجرة الكبيرة المزروعة أمام بيتي مقابل النافذة. وحيدة في الظلمة سوى من وجود قطتي التي ما زلت أشعر بالتصاقها وأسمع مواءها المتلاحق، أغرس أصابعي غير المرئية في فروها الناعم، تقرب رأسها مني، أسمع صوت أنفاسها، لا أدري كم من الوقت مضى وأنا على هذه الحال. في العتمة نفقد الزمان والمكان والجاذبية، أشعر أني أسقط في قعر جُبّ، أغرق، ثم أطفو، أحاول التنفس بصعوبة، أبحث عن يد تأخذني من قعر هذا الجُب.

*

 

تحاصرني أشباح الظلام وأجدني معها نخرج من المزرعة، نقطع الشارع، نسير باتجاه المقبرة، أسير خلفها في ذلك الطريق الضيق بين المقابر، تأمرني بالسلام عليها لكن صوتي يختنق فلا أستطيع النطق. تمسك بسعفة جافة، تهش بها الدرب وكما تقول: "هجس في الظلام"، تردد المعوذات بصوت خفيض أشبه بالوشوشه. أكاد لا أسمع سوى الحرف الأخير من كل آية ترددها، لكني سمعتها بوضوح وهي تردد: "ارجعي إلى ربك راضية مرضية". يتساقط الماء من بين يديها ولا أعلم كيف تنفجر ينابيع الماء من أصابعها تلك وهي تمررها على جسدي في شعور لا يقارب اللمس المعتاد.

أصرخ.. أمي، أمي، أمي.. تمتد يد إلي، أعرف هذه اليد جيدًا، أعرف هذه الرائحة، ترفعني اليد من ذراعي، تسند جذعي الخفيف جدًا، لا وزن لي، أخرج من بين يديها، أطفو كريشة على سطح ماء، أطفو ومع الطفو كنت أعلو، أراني أحلّق، أتجاوز الجدران والأبواب المغلقة، أخرج من ليل العتمة. تفقد الأشياء خواصها وألوانها، يبهرني الضوء، يعانقني، يتلبسني، يخرجني من العتمة، كما تُخرج الشعرة من العجين دون أن تنقطع، أتحول إلى طائر من نور، أخرج من محيط غرفتي وبيتي إلى البياض، البياض باهر، البياض يفقد كل شيء فيه خواصه من شكل أو لون، تفقد الأرض جاذبيتها، لا شيء يشدني إليها، أرفرف، وبين الرفرفة والسقوط وبين البياض والسواد ما زلت أسمع مواء قطتي الجائعة وطنين أصوات مختلطة تتناهى إلى مسمعي كطنين بعوضة مزعجة، أسمع صوت بكاء أمي، أراها تحتضن الجسد المسجّى وتبكي، أراهم جميعًا هنا يتحلّقون حول جسد كان بالأمس لي ولم يعد كذلك، يعانقون الجسد، وروحي تهفو إلى عناقهم جميعًا، أعلو وأصبح بيضاء كبياض قطنه، أطير بخفة ريشة، أرتفع، أعلو، أتماهى مع لجة البياض.

 

اقرأ/ي أيضًا:

إلى غودو

يوميّات ناقصة