ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

بين الرياض وأبو ظبي.. كيف تدير القاهرة بوصلة التوازنات؟

10 يناير 2026
وزير الخارجية السعودي في القاهرة
الرئيس المصري خلال استقباله لوزير الخارجية السعودي (KSAMOFA)
عماد عنان عماد عنان

أثارت زيارة وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، للقاهرة، الأسبوع الماضي، اهتمامًا واسعًا في الأوساط الإعلامية والدبلوماسية، لما حملته من دلالات سياسية مهمة، علاوة على عنصر المفاجأة التي حوته، إذ لم تكن مدرجة ضمن جدول الزيارات الروتيني بين البلدين.

وقد تعززت التكهنات حول دوافع الزيارة غير البروتوكولية بعد الإعلان عن توافق المواقف الرسمية بين الدولتين، لا سيما بشأن الدفع نحو تسويات سلمية للأزمات الإقليمية، بما يضمن وحدة الدول وسيادتها وسلامة أراضيها، مع التركيز على السودان واليمن والصومال وقطاع غزة، في خطوة تعكس حرص القاهرة والرياض على التنسيق الاستراتيجي لمواجهة التحديات المتصاعدة في المنطقة.

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال الوزير السعودي أهمية تعزيز التعاون والتنسيق المصري–السعودي في مختلف الملفات الإقليمية، مشيدًا بمبادرة المملكة لعقد مؤتمر شامل يضم المكونات الجنوبية اليمنية لإطلاق حوار متكامل حول القضية الجنوبية.

وجاءت هذه المخرجات في توقيت حساس يتزامن مع تصاعد التوتر بين الرياض وأبوظبي حول الملف اليمني، ما يطرح علامات استفهام حول استراتيجية القاهرة في التعامل مع هذه المعادلة الإقليمية المعقدة، وحدود دورها في تحقيق التوازن بين مختلف الأطراف الفاعلة، مؤكدة في الوقت ذاته أهمية التنسيق مع حلفائها لمواجهة التحديات المتشابكة في الإقليم.

تفكيك المشهد لفهم السياق

لا يمكن النظر إلى زيارة وزير الخارجية السعودي للقاهرة في إطارها البروتوكولي التقليدي، فهي تأتي في توقيت بالغ الحساسية تتسم فيه البيئة الإقليمية بدرجات مرتفعة من التوتر واحتمالات الصدام، ما يمنحها دلالات سياسية واستراتيجية تتجاوز الطابع الشكلي وتمنحها أهمية استثنائية.

يتقاطع هذا التوقيت مع سلسلة من التطورات المفصلية التي تعيد تشكيل المشهد الإقليمي، بدءًا من الأزمة اليمنية، حيث أظهر المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا نزعة انفصالية وسيطرته على محافظات الجنوب، ما دفع السعودية للتدخل المباشر والمطالبة بسحب القوات الإماراتية من بعض المناطق، وهو تصعيد غير مسبوق منذ انطلاق عمليات التحالف العربي، ويعكس عمق الخلاف حول مستقبل الدولة اليمنية ووحدتها.

لا يمكن النظر إلى زيارة وزير الخارجية السعودي للقاهرة في إطارها البروتوكولي التقليدي، فهي تأتي في توقيت بالغ الحساسية تتسم فيه البيئة الإقليمية بدرجات مرتفعة من التوتر واحتمالات الصدام، ما يمنحها دلالات سياسية واستراتيجية

في الوقت نفسه، شهدت منطقة القرن الأفريقي تحولات لافتة، أبرزها إعلان إسرائيل اعترافها بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة، ما يخلط الأوراق في المنطقة ويعيد ترتيب الحسابات الجيوسياسية في ممرات حيوية، في حين تتصاعد التوترات بين إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي مع امتدادات غير مباشرة تشمل الصومال وجنوب السودان، بما يضع أمن البحر الأحمر بأكمله أمام تهديدات محتملة تمس الأمن القومي العربي.

ويزداد المشهد تعقيدًا مع تزامن الزيارة مع تحركات إقليمية موازية، أبرزها الاتصال الهاتفي بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية وتنسيق المواقف بشأن ملفات اليمن والصومال، في مؤشر واضح على إعادة ترتيب التفاعلات الإقليمية ومحاولة القوى المؤثرة التنسيق لمواجهة التحديات المشتركة.

دوافع التقارب الحالي

لا يمكن وصف التقارب في الرؤى بين القاهرة والرياض بشأن ملفات اليمن والصومال والسودان على أنه اصطفاف ضمن محاور إقليمية، بل هو انعكاس لحسابات مصالح استراتيجية وبراغماتية خالصة، تركز على الأمن القومي وتوازنات النفوذ الإقليمي.

ومن هنا يمكن النظر لهذا التقارب بوصفه التقاء محسوب للمصالح، يأتي أحيانًا على حساب مصالح بعض القوى الإقليمية الفاعلة، لكنه يعكس فهمًا مشتركًا بأن استقرار الدول ووحدتها هو الأساس لحماية مصالحهما الحيوية في المنطقة.

على الساحة اليمنية، يتوافق الموقفان المصري والسعودي على أولوية الحفاظ على الدولة الوطنية الموحدة ورفض مشاريع التقسيم التي ترتكز على هيمنة فصائل مسلحة أو كيانات موازية للدولة.

وينسحب نفس الإطار على الصومال والسودان، حيث تشترك القاهرة والرياض في الحساسية تجاه أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ودعم الحكومة الفيدرالية الصومالية لكبح المسارات التي قد تضعف الدولة المركزية، أما في السودان، فالأولوية تنصب على إنهاء الصراع عبر تسوية سياسية شاملة تعيد بناء مؤسسات الدولة وتمنع الانزلاق نحو تفكك شبيه بالنماذج الليبية أو الصومالية.

مقاربات الرياض

تكشف التطورات الأخيرة التحديات الكبيرة التي تواجه المملكة، وسعيها الحثيث لتشكيل تحالف إقليمي يدعم موقفها في مواجهة التوترات المتصاعدة في حديقتها الجنوبية حيث اليمن، عبر استقطاب قوى إقليمية فاعلة، وعلى رأسها مصر، لما تتمتع به من ثقل جيوسياسي ومكانة مؤثرة في المنطقة، فضلاً عن قدراتها العسكرية ودورها المحوري في معادلات الأمن الإقليمي.

هذا التوجه البرغماتي يعكس فهم الرياض لأهمية وجود شركاء استراتيجيين قادرين على تعزيز موقفها وتأمين مصالحها الحيوية في ظل بيئة إقليمية معقدة ومتغيرة.

وفي هذا الإطار، يشير انتقال الصراع في اليمن إلى مستويات أكثر تعقيدًا إلى أن الحياد النسبي الذي التزمت به القاهرة منذ اندلاع العمليات العسكرية لم يعد خيارًا عمليًا أو استراتيجيًا مريحًا بالنسبة للسعودية، في ظل تزايد التحديات التي تمس الأمن القومي لجميع الأطراف المعنية.

وفي سياق متصل تدرك الرياض متانة العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تربط القاهرة بأبوظبي، ما يجعل إعادة تشكيل هذه التوازنات الإقليمية هدفًا رئيسيًا، سواء من خلال الانخراط المباشر أو عبر ممارسة ضغوط على الحليف الإماراتي لإعادة تقييم حساباته، بما يخدم أولويات المملكة الاستراتيجية ويعزز نفوذها في المنطقة.

ماذا عن القاهرة؟​

على مدار السنوات الماضية، حرصت القاهرة على تجنب المواجهة المباشرة مع الحليف الإماراتي، رغم ما رأت فيه دوائر مصرية من تهديدات متزايدة لأمنها القومي في عدة ساحات إقليمية، في السودان واليمن والقرن الأفريقي والملاحة في البحر الأحمر وأمن مصر المائي.

ورغم هذا التداخل، تبنت القاهرة سياسة ضبط النفس وغض الطرف النسبي، انطلاقًا من حرصها على الحفاظ على طبيعة العلاقة الاستراتيجية مع أبوظبي، التي تعتبر شريكًا رئيسيًا في المنطقة، وذات دور داعم للسلطة المصرية منذ عام 2013، ما جعل تكلفة المواجهة المباشرة مرتفعة سياسيًا واستراتيجيًا.

غير أن تصاعد التحديات وتعقيدها، مع التحولات الأخيرة في المشهد الإقليمي، وخصوصًا التحرك السعودي الأخير في اليمن، دفع القاهرة وحفزها إلى إعادة تقييم حساباتها، لكن ليس من خلال مسار مواجهة الإمارات، بل عبر تبني رؤية أكثر وضوحًا وحسمًا في الدفاع عن محددات الأمن القومي، بما يعكسه التقارب وتطابق الرؤى مع الرياض كاستجابة براغماتية لإعادة ترتيب الأولويات والتحالفات في الإقليم.

تحالف ثلاثي

لم يكن تزامن الزيارة مع الاتصالات المكثفة بين القيادة السعودية والتركية صدفة، إذ يبدو أن هناك جهودًا جدية هذه المرة لتأسيس تحالف ثلاثي يضم مصر والسعودية وتركيا لمواجهة المستجدات الإقليمية والدولية.

فالتطورات الأخيرة، مثل اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال الانفصالي، ومحاولة المجلس الانتقالي الجنوبي السيطرة على حضرموت والمهرة، إضافة إلى محاولات الانفصال المحتملة، تؤكد حجم التحديات التي تواجه الأمن والاستقرار الإقليمي.

وفي الوقت نفسه، تشكل التحركات الإسرائيلية وتحالفاتها في البحر المتوسط وأفريقيا، سواء بشكل مباشر أو عبر وكلاء إقليميين، تهديدًا مباشرًا لسوريا ومصر وتركيا وليبيا وتونس، وتزيد من تعقيد المشهد السياسي والأمني، خاصة مع اتفاقيات التعاون العسكري بين إسرائيل واليونان وقبرص التي تحد من حرية الدول الأخرى في البحر المتوسط.

في ظل هذا السياق المعقد، تبرز الحاجة الماسة لتشكيل تحالفات إقليمية جديدة تعزز القدرة على مواجهة النفوذ الإسرائيلي وحماية مصالح الدول، عبر شراكات استراتيجية تشمل السعودية ومصر وتركيا وربما قطر، لتقليص الفراغ الأمني والسياسي الذي تستغله القوى الأجنبية.

ويبدو أن التحالف بين هذه الدول أصبح ضرورة استراتيجية، فهو لا يحد من الخسائر الجيوسياسية فحسب، بل يتيح حماية مصالحها وتعزيز استقرار شعوبها، كما قد يشجع دولًا أخرى مثل إيران على الانخراط في حوار إيجابي.

وفي ظل التنافس الدولي والإقليمي والفوضى المتصاعدة، من الضروري أن تحصن الدول نفسها وتبني تحالفات قوية لمواجهة التحديات القادمة وتأمين مصالحها الحيوية في السنوات المقبلة.

تبرز الحاجة الماسة لتشكيل تحالفات إقليمية جديدة تعزز القدرة على مواجهة النفوذ الإسرائيلي وحماية مصالح الدول، عبر شراكات استراتيجية تشمل السعودية ومصر وتركيا وربما قطر، لتقليص الفراغ الأمني والسياسي الذي تستغله القوى الأجنبية

هل يكون على حساب الإمارات؟

يرى بعض المراقبين أن التقارب المصري–السعودي، وتطابق الرؤى بين البلدين في ملفات تُعد الإمارات لاعبًا رئيسيًا فيها، قد ينعكس على طبيعة العلاقات المصرية–الإماراتية، غير أن هذا التصور يتجاهل الاستراتيجية المتأنية التي تتبعها القاهرة في إدارة توازناتها الإقليمية المعقدة.

فالنظام المصري لا يعتمد على محاور صلبة أو انحياز كامل، بل يسير وفق مقاربة مرنة تقوم على الشراكة الاستراتيجية مع أبوظبي، إلى جانب إدارة الخلافات بشكل يضمن عدم المساس بجوهر هذه الشراكة، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن السياسة الإقليمية لا تعرف شراكات مطلقة أو صدامات مفتوحة.

وتعتبر القاهرة علاقتها بالإمارات ركيزة أساسية في سياستها الخارجية، تقوم على استثمارات اقتصادية ضخمة وتنسيق أمني واضح في عدد من الملفات الإقليمية، حتى في ظل وجود خلافات مرحلية بين الطرفين.

ومن هذا المنطلق، من المتوقع أن تنتهج مصر سياسة توازن دقيقة مع الحليفين الخليجيين، تعمل من خلالها على إعادة ضبط تحالفاتها وفق مقاربة براغماتية تركز على حماية مصالحها العليا وتوازن العلاقات الإقليمية، دون الانجرار إلى تصعيد مباشر أو الانحياز الصريح إلى جانب السعودية في اليمن أو السودان.

وتسعى القاهرة في هذا الإطار إلى تقديم دعم محسوب وبأساليب غير صدامية، تضمن الحفاظ على استقرار علاقاتها مع أبوظبي، مدركة أن أي انحياز حاد سيحمل تكلفة سياسية واستراتيجية مرتفعة، كما تدرك أن التوتر الحالي بين الحليفين الإقليميين مؤقت، وأن المقاربة المتزنة التي تتبعها تمنحها القدرة على حماية مصالحها، وفي الوقت نفسه الحفاظ على دورها المحوري كقوة متوازنة في المشهد الإقليمي.

كلمات مفتاحية
 مجتبى خامنئي

خطاب مجتبى خامنئي الأول: أولوية عسكرية لمضيق هرمز وتشديد على الداخل الإيراني

الرسالة الأولى للمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، التي قُرِئت على التلفزيون الإيراني، وسط أنباء عن إصابته في قصف إسرائيلي استهدف مقر إقامة المرشد

رئيس الوزراء البريطاني السابق يدعو إلى إنشاء محكمة جنائية دولية للجرائم المرتكبة ضد الأطفال

رئيس الوزراء البريطاني السابق يدعو إلى إنشاء محكمة جنائية دولية للجرائم المرتكبة ضد الأطفال

يطالب براون دول الأمم المتحدة بتنفيذ آلية الرصد والإبلاغ الخاصة بالمنظمة فيما يتعلق بالأطفال المتورطين في النزاعات المسلحة

الأهداف الغامضة والحرب على إيران: لا أحد يعرف ما يريده ترامب

الأهداف الغامضة والحرب على إيران: لا أحد يعرف ما يريده ترامب

في تعقيبه على تقلبات ترامب، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بعد مكالمة فيديو مع قادة مجموعة السبع، ما كان آخرون ينقلونه سرًا: "لا أحد يستطيع أن يعرف بوضوح ما يريده ترامب من هذه الحرب".

النفط
أعمال

تجاوز سعر البرميل 100 دولار.. ترامب يحتفي بارتفاع أسعار النفط

قال دونالد ترامب إن الولايات المتحدة "تجني الكثير من المال" من ارتفاع أسعار النفط الناتج عن الحرب مع إيران

 مجتبى خامنئي
سياق متصل

خطاب مجتبى خامنئي الأول: أولوية عسكرية لمضيق هرمز وتشديد على الداخل الإيراني

الرسالة الأولى للمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، التي قُرِئت على التلفزيون الإيراني، وسط أنباء عن إصابته في قصف إسرائيلي استهدف مقر إقامة المرشد

رئيس الوزراء البريطاني السابق يدعو إلى إنشاء محكمة جنائية دولية للجرائم المرتكبة ضد الأطفال
سياق متصل

رئيس الوزراء البريطاني السابق يدعو إلى إنشاء محكمة جنائية دولية للجرائم المرتكبة ضد الأطفال

يطالب براون دول الأمم المتحدة بتنفيذ آلية الرصد والإبلاغ الخاصة بالمنظمة فيما يتعلق بالأطفال المتورطين في النزاعات المسلحة

الأهداف الغامضة والحرب على إيران: لا أحد يعرف ما يريده ترامب
سياق متصل

الأهداف الغامضة والحرب على إيران: لا أحد يعرف ما يريده ترامب

في تعقيبه على تقلبات ترامب، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بعد مكالمة فيديو مع قادة مجموعة السبع، ما كان آخرون ينقلونه سرًا: "لا أحد يستطيع أن يعرف بوضوح ما يريده ترامب من هذه الحرب".