بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري: تعرّف على الحروب الأميركية
23 مارس 2026
في قراءة لمسار التدخلات العسكرية الأميركية خلال العقود الماضية، يتكرّر نمط لافت: إدارات جمهورية تقود قرارات الانخراط العسكري والتصعيد، في مقابل محاولات ديمقراطية لاحقة لاحتواء هذه الحروب أو إنهائها أو تجنّب توسّعها. ورغم أن هذا النمط ليس قاعدة مطلقة، إلا أن تتبّع أبرز الحروب يكشف عن خيط سياسي واضح في كيفية اتخاذ القرار العسكري الأميركي.
التصعيد مع إيران: من الاتفاق النووي إلى الحرب
بدأ المسار مع إيران في عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما، الذي وقّع الاتفاق النووي عام 2015، في خطوة هدفت إلى احتواء البرنامج النووي الإيراني عبر الدبلوماسية بدل المواجهة العسكرية. إلا أن هذا المسار لم يدم طويلًا، إذ أعلن الرئيس الجمهوري دونالد ترامب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018، ليبدأ بعدها مسار تصعيدي قائم على العقوبات والضغط الأقصى.
بلغ هذا التصعيد ذروته في مرحلتين عسكريتين بارزتين. الأولى في 13 من حزيران/يونيو 2025، حين دعمت واشنطن الهجوم الإسرائيلي على إيران، بعدما منح الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضوء الأخضر لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قبل أن يتطوّر المشهد إلى تدخل مباشر عبر قصف منشآت نووية في نهاية العدوان.
أما المرحلة الثانية، فهي الحرب الجارية التي اندلعت في 28 من شباط/فبراير 2026، في عملية مشتركة بين واشنطن وتل أبيب، تحت الذريعة نفسها: منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
ورغم تأكيد طهران مرارًا أنها لا تسعى لامتلاك سلاح نووي، فإن مسار التفاوض كان قد وصل إلى مراحل متقدمة، وفق ما أشار إليه وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، الذي أكد أن اتفاقًا كان ممكنًا مع عروض مطروحة على الطاولة. إلا أن التطورات الميدانية دفعت نحو خيار الحرب، وسط تقديرات بأن إسرائيل لعبت دورًا حاسمًا في جرّ الولايات المتحدة إلى المواجهة.
أسفرت هذه الحرب حتى الآن عن مقتل 11 جنديًا أميركيًا وإصابة أكثر من 200، رغم غياب المواجهة البرية، مع حديث متزايد عن احتمال توسّعها إلى حرب برية. كما تجاوزت كلفتها 27 مليار دولار خلال أقل من شهر.
اشتدّت المعارك في عهد الرئيس الأميركي الجمهوري ريتشارد نيكسون عام 1968، الذي اعتمد مبدأ السلام بالقوة، وهو المصطلح ذاته الذي يستحضره اليوم الرئيس الأميركي دونالد ترامب
غزو العراق 2003: الحرب التي قادها الجمهوريون وأنهاها الديمقراطيون
يُعدّ غزو العراق عام 2003 أحد أبرز الأمثلة على هذا النمط. فقد قاد الرئيس الجمهوري جورج بوش الابن الحرب تحت ذريعة امتلاك بغداد أسلحة دمار شامل، وهي الادعاءات التي تبيّن لاحقًا عدم صحتها، بعدما لم يتم العثور على أي من هذه الأسلحة.
في المقابل، جاء الرئيس الديمقراطي باراك أوباما إلى السلطة مستفيدًا من تراجع شعبية إدارة بوش، متعهّدًا بإنهاء الحرب، وهو ما تحقق بإعلان انسحاب القوات الأميركية من العراق عام 2011، واصفًا تلك اللحظة بالتاريخية. ورغم الانتقادات الجمهورية التي اعتبرت القرار متسرعًا ومرتبطًا بحسابات انتخابية، إلا أنه شكّل نقطة تحول في الوجود العسكري الأميركي.
خلال هذه الحرب، قُتل نحو 4500 جندي أميركي، إضافة إلى أكثر من 60 ألف عراقي، فضلًا عن مئات الآلاف من الجرحى، فيما تجاوزت كلفتها تريليون دولار، ما جعلها واحدة من أكثر الحروب كلفة في التاريخ الأميركي الحديث.
لاحقًا، واصل الرئيس الديمقراطي جو بايدن هذا النهج، معلنًا في تموز/يوليو 2021 عن إنهاء المهام القتالية للقوات الأميركية في العراق، وتحويل دورها إلى مهام تدريبية واستشارية لدعم الجيش العراقي في مواجهة تنظيم "داعش".
حرب أفغانستان 2001: أطول الحروب الأميركية
يتكرّر المشهد نفسه في أفغانستان. فقد أطلق الرئيس الجمهوري جورج بوش الابن الحرب عام 2001، عقب هجمات 11 أيلول/سبتمبر، تحت شعار "الحرب على الإرهاب" وإسقاط نظام طالبان.
استمرت الحرب لعقدين، لتصبح أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن إدارات متعاقبة تعاملت مع الملف، فإن القرار النهائي بالانسحاب جاء في عهد ديمقراطي، حيث أعلن الرئيس جو بايدن عام 2021 إنهاء الوجود العسكري الأميركي، في خطوة أنهت رسميًا الحرب، رغم الجدل الكبير الذي رافق طريقة الانسحاب وسرعته.
وقد كلّفت هذه الحرب الولايات المتحدة آلاف القتلى من الجنود، وعشرات آلاف الجرحى، إلى جانب كلفة مالية ضخمة قُدّرت بتريليونات الدولارات، فضلًا عن تداعيات سياسية وأمنية معقدة في المنطقة.
فيتنام: جذور جمهورية وتصعيد ديمقراطي
وإذا عدنا إلى الوراء أكثر، تظهر حرب فيتنام نموذجًا أكثر تعقيدًا. فرغم أن الحرب الشاملة ارتبطت باسم الرئيس الديمقراطي ليندون جونسون، الذي بدأ التدخل العسكري المباشر عام 1963،
فإن جذور الانخراط الأميركي تعود إلى عهد الرئيس الجمهوري دوايت أيزنهاور في خمسينيات القرن الماضي، حين دعمت واشنطن حكومة فيتنام الجنوبية وأرسلت مستشارين عسكريين، في إطار سياسة احتواء الشيوعية خلال الحرب الباردة. ومع الوقت، تحوّل هذا الدعم المحدود إلى تدخل عسكري واسع النطاق.
واشتدّت المعارك في عهد الرئيس الأميركي الجمهوري ريتشارد نيكسون عام 1968، الذي اعتمد مبدأ "السلام بالقوة"، عبر تكثيف القصف الجوي باستخدام قاذفات "بي-52"، وهو المصطلح ذاته الذي يستحضره اليوم الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
واضطرّ نيكسون عام 1973 إلى إنهاء الحرب، تحت وطأة الخسائر غير المسبوقة، بعدما قُتل نحو مليوني فيتنامي، وخسرت الولايات المتحدة قرابة 60 ألف قتيل، و150 ألف جريحًا، ونحو 600 أسير بين مدنيين وعسكريين، فيما بلغت كلفة الحرب نحو 120 مليار دولار، أي ما يقارب 700 مليار دولار وفق حسابات عام 2026.
الفرق بين الجمهوريين والديمقراطيين في خيارات الحرب
يمكن قراءة هذا المسار ضمن مقاربة أوسع للسياسة الأميركية، حيث يميل الحزب الجمهوري إلى اعتماد القوة العسكرية بوصفها أداة رئيسية لفرض الردع، انطلاقًا من عقيدة "السلام عبر القوة".
غير أن تتبّع نتائج هذه المقاربة في حالات مثل العراق وأفغانستان وإيران وفيتنام، يكشف أن اللجوء المتكرر إلى الخيار العسكري لم يؤدِّ إلى تحقيق الاستقرار، بل أسهم في إطالة أمد النزاعات وتوسيع كلفتها البشرية والاقتصادية، وفتح مسارات معقّدة من الفوضى الإقليمية والتداعيات غير المحسوبة.
في المقابل، يميل الحزب الديمقراطي إلى إعطاء الأولوية للأدوات الدبلوماسية والسياسية في إدارة الصراعات، مع التركيز على الاتفاقيات الدولية وبناء التحالفات متعددة الأطراف.
وتُظهر التجارب أن الإدارات الديمقراطية غالبًا ما تسعى إلى احتواء الحروب أو إنهائها، خصوصًا في ظل ضغط داخلي من قواعدها السياسية التي تُبدي حساسية أعلى تجاه الكلفة البشرية والاقتصادية للتدخلات العسكرية.
وبناءً على ذلك، يُنظر إلى القوة العسكرية لدى الديمقراطيين بوصفها خيارًا أخيرًا يُلجأ إليه عند الضرورة، لا أداةً أولى، ما يفسّر ميلهم إلى تقليص الانخراط العسكري أو إعادة تعريفه ضمن أطر أقل تصعيدًا، خلافًا للجمهوريين.
تقرؤون المزيد في: ترامب يهاجم الديمقراطيين ويكرّس الاستقطاب في خطاب حالة الاتحاد









