بين التطبيع والتطبيل تضيع القضيّة

بين التطبيع والتطبيل تضيع القضيّة

صابر الرباعي على جسر اللنبي مع ظابط إسرائيلي

شهدت الفترة الماضية مسيرة لتطبيع العلاقات بشكل كامل بين تركيا وإسرائيل، حتّى أن نصّ اتّفاق المصالحة قد أرسل إلى البرلمان التركيّ للتصديق عليه على رؤوس الأشهاد. هذا الاتّفاق الذي رفضته بداية الأمر بعض هيئات المجتمع المدنيّ التركيّة، ومنها هيئة الإغاثة الإنسانيّة التركية (İHH) والتي كانت الجهة التي نظّمت وحشدت لإطلاق أسطول الحريّة لكسر الحصار عن قطاع غزة عام 2010. هذه المؤسّسة نفسها تعرّضت بعد انتقادها لاتفاق المصالحة مع الكيان الإسرائيلي لهجوم عنيف من قبل رجب طيب أردوغان شخصيًا، وعلنًا، واتّهمها بأنّها لم تنسّق مع الحكومة التركيّة ولم تستشرها وقت إرسال السفينة، يا للعجب. وتحت ضغوطٍ ما وظروف داخلية حسّاسة تراجعت إدارة الهيئة عن موقفها الناقد للاتفاق بصيغته التي جاءت مهينة للشهداء الذين قضوا في الاعتداء الإسرائيلي على متن السفينة.

جاء الانقلاب الفاشل في الخامس عشر من تموز/يوليو الماضي ليبهت أي صوت معارضٍ ومخالف لما يجري في كواليس الدبلوماسيّة التركيّة من محاولات لإصلاح العلاقات المتدهورة مع دول أخرى. فما كان من أردوغان الذي استأسد وقت إسقاط الطائرة الروسيّة في تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي إلا أنّ قدّم اعتذاره لبوتين، والتقى به شخصيًا لطيّ صفحة أزمة دبلوماسية كلفت تركيا الكثير على المستويات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنيّة. ثم جاء إتمام المصالحة مع الكيان الإسرائيلي الذي تجاهل تمامًا أي إشارة للحصار المفروض على القطاع ولم يشتمل، بخلاف ما روّجت وسائل إعلام تركيّة وعربيّة محبّة لأردوغان، على أي تفاهمٍ حتّى مع دولة الكيان على تخفيف الحصار عن القطاع بأي شكل كان.

اقرأ/أيضًا: صابر الرباعي في صورة مع ضابط إسرائيلي

الملفت في هذا السياق هو جوقة المطبّلين من "نجوم" النشيد الإسلاميّ التي تصّر منذ الأسبوع الأوّل من فشل الانقلاب العسكريّ في تركيا وحتى الأمس القريب على التغنّي بمنجزات الآخرين، والصدح بمديح زعيم سياسيّ تركيّ بشكلٍ لم يفكّر في قوله حتّى أشدّ محبّي الرجل من الأتراك أنفسهم. وسأحاول هنا الحديث باختصار عن بعض هذه النماذج ممّا لا يمكن وصفه سوى بأنّه تلوّث سمعيّ وغثاء فنّي وإسفاف غير مسبوق في ظاهرة "البوب الأخضر" عربيًا.

جاء الانقلاب الفاشل في الخامس عشر من تموز/يوليو الماضي ليبهت أي صوت معارضٍ ومخالف لما يجري في كواليس الدبلوماسيّة التركيّة من محاولات لإصلاح العلاقات المتدهورة مع دول أخرى

فرقة الغرباء الإسلامية (نابلس) خرجت بأنشودة عاجلة بعنوان "نصرك هزّ الكون"، ولا داعي لتوضيح من تعود إليه الكاف هنا، ذلك لأنّ "أحرار العالم تهتفْ لك: رجب طيّب أردوغان". "نصَرتْ تركيا وخاب الأمريكان". كل ما في هذه "النشيدة" -ومؤسف حقًا أن تصاب هذه الكلمة بالتشوّه هي الأخرى بسبب ارتباطها قسرًا بأعمال كهذه على مدار السنوات الماضية- لا يعود أن يكون ابتسارات لفظيّة ممجوجة بنغمات حرقت استهلاكًا ولا تنمّ عن أي حسّ لغويّ ولا فنّي محترف.

ارتبط الإنشاد في ذهني منذ فترة مبكّرة بنوعٍ من الفنّ الذي ينمّ عن ذوق سليم وفهم عميق للموسيقى والإيقاع والمقامات والشعر واللغة، ولذا من الظلم حقًا أن أقول عن شابّ يتفوّه بألفاظ مع شيء من الموسيقى أنّه "منشد"؛ لأن في ذلك إهانة لا تغتفر لهذا الفنّ وأهله، لذا سأضطر إلى استخدام علامات التنصيص هذه مع كلمتي نشيد ومنشد في هذه المقالة.

الخيبة المضحكة الأخرى جاءت بعنوان "لا تلعب مع الزعيم". بدايةً تخيّلت مشهدًا ما من مسلسل باب الحارة، ولكن تبيّن أنّ الزعيم هنا هو أردوغان. "المنشد" الشاب عبد الرحمن القريوتي الذي يبحث ربّما عن بوابة ما للولوج إلى نجوميّة الشيوخ "الكيوت" يحذرنا بكل صفاقة من اللعب مع الزعيم "أحسنْ ما يلعب عليك" ويتابع ويقول بكلّ سوقيّة "الشعب التركي على راسك". لأنّه "طلع على الدبابات" وما كانوا "مثل الأنذال اللي شفناهم يا أصحابي" في إشارة إلى ما حدث في مصر.

لست متأكّدًا تمامًا من ترتيب ظهور هذه الأعمال، ولكن مصيبة أخرى ظهرت قبل انقضاء أسبوع على ليلة الانقلاب خرج فيها "الفنّان" عبد الفتاح عوينات بشيء بالتركيّة هذه المرّة. قيل إنّ كاتب الكلمات شاعر تركيّ. وبحكم معرفتي بالتركيّة أدركت فورًا أنّ هذا محض كذب، وحاولت التأكّد من أصدقائي وطلابي الأتراك وأكّدوا لي الأمر ذاته. يبدو أنّ النصّ عربيّ بالأصل، ثم أعطي لشخص يعرف طرفًا من التركية ليترجمه إليها، فكان النتاج "مخيفًا" حسب تعبير زميلة تركيّة من الجامعة التي أعمل فيها.

اقرأ/أيضًا: عشقي في إسرائيل.. السعودية تُشهر التطبيع

اللازمة التي تتكرر في هذا العمل هي "Artık yeter Turkiye" وترجمتها المباشرة "يكفي يا تركيا!" وكأنّ تركيا اقترفت ذنبًا ما، ثم يقول في عبارة أخرى ما معناه "انتهى الصبر والثبات"! إلى أن يصل إلى مربط الفرس ويقول بما معناه في العربية: "نمشي بدون توقف وعلى رأسنا القائد أردوغان".

أمّا آخر إنتاجات "التدخّل السريع" فكان أغنية مشتركة بين موسى مصطفى، وهو صاحب صوت جميل، ومنشدٍ تركيّ آخر يدعى مصطفى جقماقجي. كانت هذه الأغنية الأفضل من ناحية الإخراج والتأثير، وربّما مقارنة بما سبقها أفضل على مستوى الكلمات، وإن أتت خِلوًا من أي قيمة شعريّة حقيقيّة، ولكنّها على الأقل ليست مسفّة تمامًا كما سبق من أعمال. وقد دعمت هذا العمل قناة الإيمان وهي قناة عربيّة ذات توجّهات إسلاميّة تعمل من إسطنبول.

لا أتخيّل أن صاحب أيّ ذوق سليم قد يثير إعجابه أيّ عمل ذي رسالة فجّة باردة كما هي الحال في هذه "الأعمال" شبه الفنّيّة التي تخلو من الإتقان على كافّة المستويات، وهذا أمر ليس بحاجة إلى دليل وتفصيل، إذ يكفي الاستماع إلى دقيقتين وحسب من كل فيديو كليب من هذه الأعمال لتقف على حجم الخفّة المهنيّة فيها.

أعتقد أنّ سقوط الانقلاب كان سيعني سقوطًا لمصالح العديدين من أصحاب الأقلام والحناجر والاستوديوهات في تركيا، ويبدو أن الاحتفاء بأردوغان بعد فشل الانقلاب هو في جزءٍ منه احتفال بسلامة هذه المصالح واحتمال نموّها. والواضح أنّ التوجّه لدى هذه الفئات العربيّة في تركيا أنّها ترنو لبعض الأشخاص في القيادة التركية، وفي مقدّمتهم أردوغان، وليس الأمر مرتبطًا بشكلٍ جذريّ استراتيجي طويل الأمد مع المؤسسات الرسميّة أو غير الرسميّة التركيّة أو حتّى مع أطياف الشعب التركيّ، وهذا ما يجعل وجودنا نحن العرب في بلد مثل تركيا وجودًا هشًا سهل التحوّل وضعيف التأثير على أرض الواقع وعلى المدى الطويل.

الحاصل هو أنّ قطاع غزّة، الورقة التي يفيد منها الجميع إلا أهله المحاصرين، قد تعرّض للقصف ليلة أمس، والحصار لمّا يزل حصارًا مرًّا مهينًا. والبرلمان التركيّ كما أسلفنا صادق على اتفاق تطبيع مشين مع الكيان الصهيونيّ، بمباركة من القيادة السياسيّة العليا في البلاد، وبصمت من الجميع تحت شرعيّة محاربة "الكيان الموازي الإرهابيّ" الذي وقف وراء الانقلاب في الخامس عشر من الشهر الماضي. أما بعض "فناني" العرب، "الملتزمين" منهم و"الخالعين"، من فرقة الغرباء وانتهاء بصابر الرباعي، يسعون لجعل الشقّة أقرب مع العدوّ، بعضهم بتسويغ التطبيع لأنّه ضرورة، والبعض بالتقاط صور رسميّة باسمةٍ مع قاتل أخيه.

البعض مع كلّ أسف لا يكتفون بتجنّب خوض حروبهم والانخراط في همّ الناس من طينته ودمه -لن نسأل موسى مصطفى ولا الرباعي عن أعمالهم عن ثورة سوريا أو تونس مثلًا- ولكن يذهبون بعيدًا ليخوضوا في حروب الآخرين الأنيقة التي تناسب رفاهة حياتهم ولمعان طلّاتهم الفنيّة.

اقرأ/أيضًا:
اللوبي الإسرائيلي في الإعلام العربي
انفوجرافيك: التطبيع الرياضي من لعب ومن رفض