ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

بين الانحياز والبرغماتية.. معضلة القاهرة في مواجهة شبح تقسيم السودان

5 سبتمبر 2025
لاجئين سودانيين
لاجئون سودانيون في محطة رمسيس بالقاهرة (Getty)
عماد عنان عماد عنان

مع بداية حرب الجنرالات في السودان نيسان/ أبريل 2023 أسرت قوات الدعم السريع نحو 117 جنديًا مصريًا كانوا متمركزين بقاعدة "مروي" الجوية (شمال السودان)، قبل أن يتم الإفراج عنهم لاحقًا بعد وساطات دبلوماسية مكثفة، وقد شكّلت تلك الواقعة وقتها رسالة واضحة للقاهرة بأنها لا يمكن أن تكون بمنأى عن الأزمة السودانية وأن خيار الحياد بات مستبعدًا.

ويومًا تلو الآخر وجدت مصر نفسها أمام مأزق إقليمي بأبعاد متشعبة، اختلط فيه الأمني بالسياسي بالاقتصادي بالاجتماعي، ومع ذلك، التزمت بمقاربات الحياد، أو على الأقل الدبلوماسية الصامتة، حتى مساء السبت 30 آب / أغسطس 2025 حين فاجأ قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الجميع بتأديته اليمين الدستورية كرئيس لما عرف بالمجلس الرئاسي لحكومة تحالف السودان الجديد "تأسيس"، في مدينة نيالا بإقليم دارفور، معلنًا عن تشكيل حكومة موازية تحت مسمى "حكومة السلام والوحدة" تضم 15 عضوًا.

في تلك الأثناء استشعرت القاهرة ولأول مرة أنها انتقلت عمليًا من خانة الوساطة والحياد والرقص على كافة الأحبال، إلى طرف أصيل ومباشر في تلك المعركة، فالأمر تجاوز فكرة الصراع على كعكة السلطة إلى خطر التقسيم الذي يداعب حديقتها الخلفية، ذلك الكابوس الذي يؤرق المصريين ويضع أمنهم المائي والعسكري والسياسي في مرمى التهديد.

بالنسبة لمصر فالسودان ليس مجرد جار جغرافي، بل عمق استراتيجي لا غنى عنه، وأي انقسام فيه سيترك جروحًا عميقة في خاصرتها الجنوبية، ومن هنا تبدو الدولة المصرية مطالبة بالتحرك وفق مقاربة شاملة تجمع بين الضغط الدبلوماسي، والاستعداد الأمني، وإدارة التداعيات الإنسانية، حفاظًا على وحدة السودان وصونًا لأمنها القومي في آن واحد.

وجدت مصر نفسها أمام مأزق إقليمي بأبعاد متشعبة، اختلط فيه الأمني بالسياسي بالاقتصادي بالاجتماعي، ومع ذلك، التزمت بمقاربات الحياد، أو على الأقل الدبلوماسية الصامتة

الحكومة الموازية وشبح الانقسام

منذ اندلاع الحرب في السودان يلوح في الأفق سيناريو التقسيم والتفكك، على غرار ما شهدته دول جوار عدة مثل الصومال واليمن وليبيا، ما أثار مخاوف الداخل السوداني ودول الإقليم المرتبطة به جيوسياسيًا، خاصة وأن تلك المشهدية ليست بالغريبة على البلد الأفريقي صاحب الثروات التعدينية والحيوانية والزراعية الهائلة.

فقد عرف السودان الانفصال عام 2011 بخروج الجنوب بعد حرب طويلة، فيما لا تزال الصراعات العرقية والقبلية في دارفور وكردفان تغذي احتمالات التشظي، وعليه تتصاعد نسب احتمالات التقسيم نظرًا للعديد من العوامل الداخلية على رأسها الانقسام العسكري والسياسي بين البرهان وحميدتي، حيث يتنازع كل طرف الشرعية بدعم خارجي ورعاة إقليميين.

كذلك الأزمة الاقتصادية والإنسانية الخانقة، خاصة في الأطراف المهمشة البعيدة عن العاصمة، ما يجعلها بيئة خصبة للفوضى، ثم جاء إعلان حكومة موازية بقيادة حميدتي، ليرسخ واقعًا جديدًا، يكرّس فيه سلطة ثنائية ويدفع السودان نحو مزيد من الانقسام.

كل ذلك يضع القاهرة أمام واقع متغير، حيث لم يعد ممكنًا الاكتفاء بدبلوماسية الوسيط المحايد، بل يُحتمل أن تجد نفسها منخرطة بشكل أعمق في المشهد، ولو بشكل غير مباشر، لحماية أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية.

محددات القاهرة

تنطلق مقاربة القاهرة تجاه الأزمة السودانية من أربع زوايا رئيسية:

البعد الأمني

تشكل الحدود الممتدة لأكثر من 1200 كيلومتر، معظمها مناطق مفتوحة، بيئة خصبة لتهريب السلاح والمخدرات ونشاط العصابات المسلحة، وهو ما يثير مخاوف مصر من تسلل هذه العناصر إلى الداخل. هذه الهواجس تتضاعف مع توتر العلاقات مع قوات الدعم السريع وتبادل الاتهامات بشأن التدخلات العسكرية، ما يزيد احتمالات المواجهة غير المباشرة.

ومن هنا كثّفت القوات المسلحة المصرية من انتشارها على المعابر الحدودية مع السودان (أرقين وقسطل) للسيطرة على تدفقات اللاجئين ومنع تهريب السلاح والمقاتلين، وهو ما كان له أثره عمليًا خلال الأشهر الماضية، وإن تصاعدت المخاوف مؤخرًا بعد الإعلان رسميًا عن حكومة موازية.

البعد السياسي

لعبت مصر دورًا سياسيًا كوسيط تهدئة، رغم إعلان دعمها المسبق للجيش، وبذلت جهودًا مكثفة للتوصل إلى اتفاق يُسدل الستار على تلك الحرب، ففي تموز/يوليو 2023 استضافت القاهرة قمة دول جوار السودان، التي سعت إلى توحيد الجهود الإقليمية ودعم وقف إطلاق النار.

كما نسّقت تحركاتها مع الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومنظمة "الإيغاد"، لتدشين أرضية مشتركة تصلح كمائدة حوار تجمع طرفي الصراع، مع حرصها على ألّا يختطف الملف من قبل منصات أخرى (مثل منصة جدة التي قادتها السعودية والولايات المتحدة).

وظل السودان لعقود شريكًا استراتيجيًا لمصر، وأي تفكك داخلي سيضع القاهرة أمام معضلة التعامل مع كيانات متصارعة أو الانحياز لطرف على حساب آخر، مع ما يحمله ذلك من تبعات، كما أن استقطاب القوى الدولية والإقليمية بين دعم الجيش أو الدعم السريع سيحوّل السودان إلى ساحة نفوذ متنازع عليها، ويجعل مصر في مواجهة مباشرة مع صراعات معقدة على حدودها الجنوبية.

من هذا المنطلق تعمل مصر على الحفاظ على دورها في الأزمة دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع أطراف خارجية لها نفوذها الواضح على قوات حميدتي، مثل الإمارات أو روسيا، وفي المقابل، تؤكد في محافلها الدولية أن الحل يجب أن يكون "سودانيًا – سودانيًا" بعيدًا عن التدخلات الخارجية، مع رفض أي سيناريو لتقسيم السودان، ويمنح مثل هذا الموقف القاهرة مرونة للتحرك دبلوماسيًا، لكنه يفرض عليها كلفة عالية في إدارة علاقاتها مع الشركاء الخليجيين والغرب.

البعد الاقتصادي والاجتماعي

أصبحت مصر الوجهة الأولى للاجئين السودانيين، إذ تجاوز عدد المسجلين لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في مصر 770 ألفًا حتى آب/ أغسطس 2025، أغلبهم من السودان، فيما تذهب تقديرات أخرى إلى العدد الفعلي للسودانيين في مصر يتجاوز 4 مليون شخص.

هذا التدفق الكبير فرض ضغوطًا اقتصادية واجتماعية على الداخل المصري، خاصة في قطاعات التعليم والصحة والإسكان، كما شكل ضغطًا على البنية التحتية والاقتصادية الهشة، فيما تخشى القاهرة أن يؤدي أي تقسيم محتمل إلى موجات نزوح جديدة، تُفاقم الأوضاع المعيشية والأمنية داخلها.

البعد المائي (سد النهضة):

 تدرك مصر جيدًا أن تفكك السودان وتقسيمه سيضعف موقفها في مواجهة إثيوبيا بشأن سد النهضة، حيث ترى القاهرة أن وجود حكومة سودانية ضعيفة أو منقسمة سيجعلها أكثر عزلة في معركتها حول مياه النيل.

وتعتبر الخرطوم حليفًا أساسيًا للقاهرة في ملف مياه النيل، غير أن انقسامها بين سلطتين متناحرتين سيضعف هذا الدعم، ويمنح أديس أبابا فرصة لتوسيع نفوذها داخل السودان عبر علاقاتها مع قوات الدعم السريع، ما يضر بموقف القاهرة التفاوضي ويهدد أمنها المائي.

 تدرك مصر جيدًا أن تفكك السودان وتقسيمه سيضعف موقفها في مواجهة إثيوبيا بشأن سد النهضة

القاهرة أمام معضلة معقدة

إعلان حكومة موازية في السودان يضع القاهرة أمام معضلة معقّدة، ويدفعها نحو إعادة ترتيب المشهد من جذوره، ويكبل مسارات التحرك أمامها، ويختصرها في ثلاثة سيناريوهات رئيسية، لكل منها إيجابياته وسلبياته.

السيناريو الأول: التزام الحياد الحذر مع الاستمرار في الوساطة بين طرفي النزاع في السودان، ويتطلب هذا السيناريو الامتناع عن الاعتراف بأي من الحكومتين رسميًا، البرهان وحميدتي، مع تكثيف القاهرة لأدواتها الدبلوماسية مثل مؤتمرات دول الجوار أو الجامعة العربية.

مع ممارسة الضغط الدبلوماسي عبر الشركاء الخليجيين، لحثهما على استخدام نفوذهما للتأثير على الطرفين، مع مواصلة الجهود مع المجتمع الدولي من أجل بناء تحالف عالمي داعم للوحدة السودانية، عبر التنسيق مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لإيجاد سياق من التفاهمات تمنع تفكك السودان، مع توظيف أوراق الضغط المتوفرة، واللعب على ثنائية الترهيب والترغيب.

السيناريو الثاني: الانحياز شكلًا ومضمونًا للجيش السوداني في مواجهة الدعم السريع، مع إعلان الدعم السياسي والعسكري للبرهان وجيشه باعتباره المؤسسة الوطنية الشرعية، وتقديم مساعدات لوجستية وأمنية غير مباشرة، وينسجم هذا السيناريو نسبيًا مع مواقف تاريخية لمصر في دعم الجيوش الوطنية.

إلا أن لجوء القاهرة لهذا السيناريو قد يكون له كلفة باهظة، حيث يعرضها لعداء مباشر من قوات الدعم السريع وداعميها، روسيا والإمارات، مما يزيد من مخاطر الهجمات الانتقامية أو زعزعة الأمن على الحدود، وهو ما كان هدد به حميدتي ضمنيًا في أكثر من مقطع مصور له.

السيناريو الثالث: البرغماتية السياسية ومسك العصا من المنتصف، والتعامل مع الحكومتين باستراتيجية متزنة، دعم الجيش من جانب وفتح قنوات اتصال ونوافذ دبلوماسية مع الدعم، سرًا أو عبر وسطاء، من جانب آخر، مع التركيز على تحريك الملفات الإنسانية والأمنية المشتركة مثل ملف الحدود واللاجئين.

ويمنح هذا السيناريو – إذا ما أُحسن استخدامه – القاهرة المرونة الكافية والقدرة على إحداث التأثير في مختلف القوى والتيارات السياسية الداخلية في السودان، كذلك الإبقاء على حلقة وصل مفتوحة مع شركاء الطرفين من القوى الخارجية، مما يقلل من مخاطر العزلة إذا ما ترسخ الانقسام وبات أمرًا واقعًا.

إلا أن اعتماد هذا الخيار قد يُسقط الدولة المصرية في فخ ازدواجية المواقف، وهو ما سيشوه صورتها كوسيط له ثقله وحضوره، مما يفقدها رصيدها الدبلوماسي ويحولها إلى لاعب غير مؤثر في المشهد، ما قد ينطوي عليه تهديدات مستقبلية تضع الأمن القومي المصري في مرمى الاستهداف.

ويمثل المسار الأمني العامل المشترك الأكثر حضورًا مع السيناريوهات الثلاثة، حيث تكثيف التواجد العسكري المصري على الحدود الجنوبية بطول الشريط الحدودي مع السودان، لمنع تسلل السلاح والمقاتلين، وربما إنشاء مناطق عازلة مؤقتة إذا استدعى الأمر، وهو التواجد الاستباقي الأقرب للردعي لكل من العصابات المسلحة.

خيارات القاهرة بين الحياد والانحياز

في الأخير، تجد القاهرة نفسها اليوم أمام معضلة حقيقية في التعامل مع المشهد السوداني، الذي ازداد تعقيدًا بعد إعلان حكومة موازية بقيادة حميدتي، إذ لم يعد الحياد ممكنًا ولا الوساطة كافية، فالمسألة لم تعد مجرد صراع بين جنرالين على السلطة، بل تحولت إلى تهديد مباشر لوحدة السودان واستقرار الإقليم، بما يحمله ذلك من انعكاسات على الأمن المصري سياسيًا واقتصاديًا ومائيًا.

إن خيارات مصر – بين الحياد الحذر، أو الانحياز لطرف بعينه، أو تبني براغماتية مزدوجة – جميعها مكلفة وتحمل مخاطر استراتيجية متفاوتة، ومع ذلك، يبدو أن القاهرة مضطرة للبحث عن صيغة متوازنة تُمكّنها من حماية حدودها الجنوبية، وضمان استمرار شراكتها التاريخية مع السودان، والحفاظ على أوراق الضغط في ملف سد النهضة.

وفي ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية في الخرطوم، يتطلب الموقف المصري مقاربة شاملة لا تقتصر على الأدوات الدبلوماسية، بل تمتد لتشمل الجاهزية الأمنية، والتنسيق مع القوى الفاعلة، والتعامل المرن مع الأطراف السودانية كافة، تجنبًا للوقوع في عزلة أو خسارة نفوذ، فالسودان بالنسبة لمصر ليس مجرد جار، بل خط دفاع استراتيجي، وأي انهيار فيه سيترك القاهرة مكشوفة في خاصرتها الجنوبية، وهو سيناريو لا يمكن لمصر تحمله.

كلمات مفتاحية
 رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني

ميلوني بين ضغط الداخل والتحالف الخارجي.. كيف أعاد اليمين الإيطالي تموضعه؟

ميلوني تعيد تموضع اليمين الإيطالي بين ضغوط الداخل وتحالفها السابق مع ترامب وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط

النبطية

مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل تحت النار.. تباين الأهداف وتعقّد المسارات

مفاوضات مباشرة في واشنطن بين لبنان وإسرائيل وسط تباين الأهداف واستمرار الغارات على الجنوب

نتنياهو

إسرائيل بين "السيطرة العملياتية" وطموح الهيمنة

في وقت تتسارع فيه وتيرة التصعيد في المنطقة، تتكشف ملامح تحوّل أعمق في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، لا يقتصر على إدارة الصراع، بل يتجه نحو إعادة تعريف دور إسرائيل إقليميًا

الاقتصاد الأميركي
مجتمع

تبعات الحرب.. ثقة المستهلك الأميركي تتراجع إلى مستويات تاريخية

في قراءة جاءت أسوأ من معظم توقعات الاقتصاديين، سجّلت ثقة المستهلكين في الولايات المتحدة تراجعًا حادًا إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق

المتحف القومي السوداني
فنون

من الركام إلى الفضاء الافتراضي.. المتحف القومي السوداني يُعاد إحياؤه

أُعيد فتح المتحف، الذي تعرّض للتخريب والنهب على يد عناصر قوات الدعم السريع خلال سيطرتهم على العاصمة الخرطوم، في صيغة افتراضية على يد علماء آثار، بهدف عرض المجموعات المسروقة والحد من الاتجار بها

الصين
أعمال

كيف حوّلت الصين أزمة الطاقة إلى فرصة في سوق السيارات؟

تسرع الحرب على إيران من وتيرة التحول نحو السيارات الكهربائية، وهو ما يمنح شركات السيارات الصينية فرصة تاريخية لتعزيز حضورها العالمي

واشنطن
قول

"وَداوِني بِالَّتي كانَت هِيَ الداءُ".. كيف حولت إيران الحصار إلى لقاح منعها من الانهيار؟

كانت العقوبات الاقتصادية بمثابة السم الذي حقنته الولايات المتحدة الأميركية في شرايين الاقتصاد الإيراني، ولأنها لم تُفرض دفعة واحدة، أدت إلى عملها كداء ودواء في الوقت نفسه