بين الاستقلالية وجس نبض الشارع.. جدل حول لجنة صياغة الدستور في سوريا
3 مارس 2025
كما هو الحال مع القرارات السابقة، أثار الإعلان عن تشكيل لجنة لصياغة مسودة الإعلان الدستوري في سوريا جدلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي. ورغم أن هذه الخطوة جاءت استنادًا إلى مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، إلا أن تشكيل اللجنة والتسريبات التي رافقت الإعلان عن بعض مواد الإعلان الدستوري، كانا من بين مجموعة تساؤلات أخرى، دفعت بالكثير من السوريين إلى التشكيك في مدى استقلالية اللجنة وقدرتها على صياغة رؤية دستورية ترسم ملامح المرحلة الانتقالية في سوريا.
وكان البيان الختامي لمؤتمر الحوار الوطني قد حدد الخطوط العريضة لخارطة الطريق للمرحلة الجديدة في سوريا، حيث ركّز على قضايا رئيسية فرضتها تطورات الأشهر الماضية. وأكد البيان الصادر في وقت سابق من الشهر الماضي على وجوب الانسحاب الفوري لإسرائيل من الأراضي السورية، بالإضافة إلى التأكيد على وحدة الأراضي السورية، وضبط السلاح، وقضايا العدالة الانتقالية، والإصلاح الدستوري، والتنمية الاقتصادية.
جدل واسع بين السوريين حول البيان الختامي لمؤتمر الحوار الوطني، رغم تأكيده على وحدة الأراضي وإصلاح المؤسسات والتنمية الاقتصادية.
— Ultra Sawt ألترا صوت (@UltraSawt) February 26, 2025
اقرأ أكثر: https://t.co/MsQ7bce52c pic.twitter.com/nOYOO7RPx3
"تتولى مهمة صياغة مسودة الإعلان الدستوري"
بحسب بيان رئاسة الجمهورية العربية السورية، فإن الإعلان عن تشكيل لجنة لصياغة الإعلان الدستوري، يأتي "انطلاقًا من تطلعات الشعب السوري في بناء دولته على أساس سيادة القانون، وبناءً على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني السوري، وبهدف إعداد الإطار القانوني الناظم للمرحلة الانتقالية".
ووفقًا لبيان الرئاسة السورية، ضمّت لجنة صياغة مسودة الإعلان الدستوري كلًا من:
- الدكتور عبد الحميد العواك، أستاذ القانون الدستوري في جامعة ماردين آرتوكلو التركية.
- الدكتور ياسر الحويش، أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية، وعميد كلية الحقوق في جامعة دمشق.
- الدكتور إسماعيل الخلفان، أستاذ القانون الدولي، وعميد كلية الحقوق في جامعة حلب.
- الدكتورة ريعان كحيلان، رئيسة قسم القانون العام في كلية الحقوق بجامعة دمشق.
- الدكتور محمد رضى جلخي، عميد كلية العلوم السياسية بدمشق، وعضو اللجنة المكلفة بتسيير أعمال الجامعة.
- الدكتور أحمد قربي، أستاذ القانون العام، ومدير وحدة التوافق والهوية المشتركة في مركز الحوار السوري.
- الدكتورة بهية مارديني، إعلامية حاصلة على الدكتوراه في القانون وماجستير في القانون الدولي من جامعة نورثامبتون في بريطانيا.
وأوضح بيان الرئاسة السورية أن اللجنة "تتولى مهمة صياغة مسودة الإعلان الدستوري الذي ينظم المرحلة الانتقالية في الجمهورية العربية السورية"، على أن "ترفع اللجنة مقترحها إلى رئيس الجمهورية".
"لا توجد نصوص جاهزة للحديث عنها"
في حديثه لـ"التلفزيون العربي"، أشار عضو اللجنة، أحمد قربي، إلى أن المبادئ التي ستعتمدها اللجنة تتلخص في: "دعم استعادة الأمن والاستقرار، فتح الفضاء العام، حفظ الحقوق والحريات، والبعد الخدماتي"، مشيرًا إلى أنها تُعتبر "المحددات الأساسية". وأضاف مؤكدًا: "لا توجد نصوص جاهزة للحديث عنها".
وكانت صفحات مختلفة على منصات التواصل الاجتماعي قد تناقلت تسريبات متعلقة بمواد الإعلان الدستوري، والتي تتلخص أبرزها في أن "رئيس الجمهورية هو القائد العام للجيش والقوات المسلحة، ويجب أن يكون مسلمًا، كما سيتم تعيين مجلس الشعب المكون من 100 عضو خلال 60 يومًا".
وردًا على هذه التسريبات، استبعد قربي صحتها مكتفيًا بالقول: "لا أعتقد ذلك"، لكنه أضاف: "هناك أفكار كثيرة، واللجنة معنية (وفقًا لنص القرار) بتقديم مقترحات"، مشيرًا إلى أن نص القرار يوضح أن اللجنة "مكلفة بصياغة مسودة إعلان دستوري"، ومؤكدًا في الوقت نفسه أن الحديث هنا "ليس عن إعلان دستوري كامل، وإنما عن مقترحات للإعلان الدستوري، على أن يُترك الأمر لرئاسة الجمهورية".
بين الاستقلالية وجس نبض الشارع
رافق بيان الرئاسة السورية حول تشكيل لجنة صياغة مسودة الإعلان الدستوري جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة في ظل التسريبات المتعلقة بمواد الإعلان، التي ظهرت بعد ساعات قليلة من صدور البيان. وقد أثارت هذه التسريبات تساؤلات عديدة حول آلية وضع هذه المواد، لا سيما قبل حتى الإعلان عن انعقاد الاجتماع الأول للجنة.
وأظهرت هذه التسريبات انقسامًا في الرأي العام حول مسار العملية الدستورية، ومدى استقلالية اللجنة في اتخاذ قراراتها بعيدًا عن الضغوط السياسية. إذ بينما اعتبر البعض أن تسريب بعض بنود الإعلان الدستوري تدل على وجود توجهات مسبقة قد تؤثر على عمل اللجنة، رأى آخرون أن هذه التسريبات قد تكون مجرد تكهنات أو محاولات لجس نبض الشارع قبل اعتماد الصيغة النهائية.
وحول هذه التسريبات، كتب الإعلامي شعبان عبود متسائلًا: "كيف تم تحديد عدد المواد التي سيتضمنها الإعلان الدستوري بعد ساعات قليلة من الإعلان عن تشكيل اللجنة؟ كيف ولم يجتمع أعضاءها ويتحاوروا بعد، كيف ولماذا 48 مادة وليس خمسين أو ستين أو ثلاثين أو …. كيف وبناء على ماذا تم تحديد عدد المواد، من سرّب هذه التفاصيل لوسائل الإعلام وهل هي دقيقة حقًا؟".
من جانبها، رأت الكاتبة سعاد جروس في منشورها أن: "الأمر يبدو محصورًا بينهم فقط (الإدارة الانتقالية)، فلا دور لنا فيه. هم يتشاورون، يقررون، ويضعون القوانين كما يشاؤون، بل وحتى يكيفون الأمور بما يناسبهم".
وأضافت: "أما الخبراء الذين أمضوا عشر سنوات في دراسة الدساتير السورية والعربية والغربية، فلا حاجة لهم في هذا السياق. وإن اضطر الأمر، وعندما تهدأ الأوضاع، قد يقيمون مأدبة أخرى للشعب لاستطلاع آرائه".
كما اعتبرت جروس في منشورها أن "بناء الدولة لا يتطلب كل هذا الضجيج، فخلال عشر سنوات، بات لكل زقاق وحارة دولة خاصة به، أليست هذه خبرة؟ بل إنها خبرة تفوق الوصف، وتوازي عشرات الأطنان من شهادات الماجستير والدكتوراه، إن شئتم الاعتراف بذلك"، في إشارة إلى مبادرات العمل المدني.
أما المحامي ميشال شماس فقد أوضح أن الإعلان الدستوري هو: "وثيقة دستورية مؤقتة تصدرها السلطة الحاكمة التي تولت إدارة الدولة في أعقاب ثورة أو انقلاب عسكري"، وأضاف أن "الهدف من هذه الوثيقة هو وضع قواعد ومبادىء أساسية لإدارة الدولة خلال المرحلة الانتقالية، دون أن يتعرض لطبيعة نظام الحكم فيها ورئاسة الدولة لأن هذه القضايا تحتاج إلى استفتاء الشعب عليها".
من جهته، رأى المحامي عارف الشعال أنه "بناء على مواصفات غالبية أعضاء اللجنة كخبراء في الصياغة التشريعية سيكون الإعلان الدستوري بتقديري موسعًا بعض الشيء وأقرب لدستور مؤقت".
كما أشار الباحث أحمد أبازيد إلى أن "الجانب السلبي" من التسريبات المرتبطة بمواد الإعلان الدستوري، تتمثل بـ"عدم وجود أي مشاركة سياسية في القرار خارج النخبة الحاكمة، وعدم الحديث عن الانتخاب والتمثيل، إن لم يكن لمنصب الرئاسة فعلى الأقل على مستوى البلديات والنقابات التي قد تفرز ممثلين بشكل هرمي بمن هو موجود الآن في سوريا دون الحاجة لانتظار سنوات أخرى".
كما تناول الكاتب عمر قدور، في منشور على منصة "فيسبوك"، ما تم تداوله في التسريبات بشأن اشتراط أن يكون "الرئيس مسلمًا"، متسائلًا: "إذا افترضنا جدلًا فتح باب الترشح لمنصب الرئاسة أمام جميع السوريات والسوريين، فبأصوات مَن يمكن، مثلًا، لامرأة مسيحية أن تفوز بالمنصب؟ ألا يتطلب ذلك حصولها على نسبة كبيرة من أصوات الأكثرية العددية السنية؟".
وأضاف: "ببساطة، حجب حرية الترشح من جهة يعني حجب حرية الانتخاب من الجهة الأخرى، أما الامتياز، فيذهب فقط إلى الذين لا يريدون الحرية أو يخشون منها".