بين اتهامات الخيانة وصراع السلطة.. دفاع رياك مشار يخرج عن صمته
16 سبتمبر 2025
تشهد الساحة السياسية والأمنية في جنوب السودان تصعيدًا لافتًا بعد قرار الرئيس سلفاكير ميارديت تعليق مهام نائبه الأول رياك مشار، إثر اتهامات وجهتها وزارة العدل إليه بارتكاب "جرائم قتل وخيانة وجرائم ضد الإنسانية".
هذه التطورات تعيد إلى الواجهة المخاوف من عودة البلاد إلى أتون الحرب الأهلية التي أنهكتها بين عامي 2013 و2018، وأسفرت عن مقتل نحو 400 ألف شخص وتشريد الملايين، رغم توقيع اتفاق سلام هش عام 2018.
اتهامات ثقيلة بحق نائب الرئيس
أعلنت وزارة العدل، الخميس الماضي، أن مشار، الموجود قيد الإقامة الجبرية منذ آذار/مارس الماضي، يواجه إلى جانب سبعة آخرين، بينهم وزير النفط السابق بوت كانج تشول، تهمًا بالتآمر والإرهاب وتدمير الممتلكات العامة والعسكرية.
وأشار وزير العدل جوزيف قنق أكيش إلى أن هذه الجرائم ارتبطت بهجمات شنّتها مليشيا "الجيش الأبيض" في ولاية أعالي النيل، وأسفرت عن مقتل أكثر من 250 جنديًا بينهم قادة بارزون. كما طالت الهجمات مروحية تابعة للأمم المتحدة، ما أدى إلى مقتل أحد الطيارين.
أكد رئيس هيئة الدفاع عن النائب الأول لرئيس جمهورية جنوب السودان، ريك مشار، المحامي كور لوال، أن موكله يتمتع بظروف معيشية جيدة
المعارضة ترفض وتتهم الحكومة بالاستبداد
من جهتها، رفضت الحركة الشعبية لتحرير السودان – جناح المعارضة (SPLM-IO) بقيادة رياك مشار الاتهامات الموجهة إلى زعيمها، ووصفتها بأنها "ملفقة" وتستهدف "إبطال اتفاق السلام وتهميش الحركة وقيادتها". وأكد بيان الحركة أن الخطوة تمثل محاولة من الحكومة لفرض "سيطرة استبدادية وحكم أحادي"، محذراً من أن وضع مشار رهن الإقامة الجبرية يهدد الاستقرار الهش ويفتح الباب أمام موجة جديدة من الصراع.
"المحكمة بالنسبة لي الآن أفضل من المستشفى"
وفي تصريحات خاصة لموقع "الترا صوت"، أكد رئيس هيئة الدفاع عن النائب الأول لرئيس جمهورية جنوب السودان، ريك مشار، المحامي كور لوال، أن موكله يتمتع بظروف معيشية جيدة، مشيرًا إلى أنه التقى به يوم الجمعة 12 أيلول/سبتمبر الجاري في منزله الكبير بالعاصمة جوبا، دون أن يواجه أي معاناة تتعلق بظروف الاحتجاز.
وأوضح لوال أنه التقى يوم السبت بالمتهمين الأربعة الآخرين، وهم وزير الطاقة بووت كانج، والبرلماني قارويج لام، والمواطن كاميلو، والتاجر مام، داخل مقر جهاز الأمن والمخابرات الوطني المعروف بـ"البيت الأزرق"، حيث أبدوا بعض الشكاوى الصحية. وأضاف: "من المقرر أن ألتقي يوم الإثنين بقية المتهمين، وهناك تعاون ملحوظ من الأجهزة الأمنية التي أفسحت المجال لنا لمقابلة النائب الأول ثم زيارة مقر جهاز الأمن".

وبشأن الوضع الصحي والمعنوي للدكتور ريك مشار، قال لوال إنه سأله مباشرة عما إذا كان يعاني من ظروف خاصة تستوجب رفع طلب قانوني، فرد قائلًا "المحكمة بالنسبة لي الآن أفضل من المستشفى".
وأشار رئيس هيئة الدفاع إلى أن "الترتيبات القانونية تسير بشكل جيد، مؤكدًا وجود تنسيق مستمر مع المتهمين والأجهزة الأمنية والادعاء العام دون أي مضايقات".
وشدد لوال على أن القضية "قضية عادية تحدث في أي دولة ويتم التعامل معها وفقًا للقانون وسيادته"، مطمئنًا الرأي العام بأن الملف سيتجه إلى القضاء، وستتضح تفاصيل الترتيبات بشكل أكبر بعد تحديد موعد الجلسة الخاصة.
وختم المحامي كور لوال تصريحاته برسالة إلى المجتمعين المحلي والدولي قائلًا: "نحن ننشد العدالة، وسنتعامل بمهنية كاملة في إطار القانون".
جذور الأزمة: سلام هش وشراكة متصدعة
منذ توقيع اتفاق 2018، دخل مشار وكير في حكومة وحدة وطنية أنهت الحرب رسميًا، لكن الشراكة بينهما ظلت مضطربة، تخللتها مواجهات متكررة بين أنصارهما من قبيلتي النوير والدنكا.
ويقول مراقبون إن الاتهامات الأخيرة ليست مجرد ملف قضائي، بل تعكس أزمة سياسية عميقة حول تقاسم السلطة ومستقبل الحكم في البلاد، في ظل اقتصاد منهار وأزمة إنسانية خانقة.
تحالف جديد يربك المشهد في جنوب السودان
وفي تطور يربك المشهد في جنوب السودان ويزيده تعقيدًا، كشفت تقارير أن جناح رياك مشار في الحركة الشعبية لتحرير السودان دخلت في تحالف مع جبهة الخلاص الوطني (NAS) التي يقودها الجنرال توماس سريلو، أبرز الفصائل الرافضة لاتفاق السلام الموقَّع عام 2018. ويُنظر إلى هذه الخطوة كإعادة تموضع لافتة لقوى المعارضة المسلحة، قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التحدي في مواجهة حكومة الرئيس سلفاكير ميارديت.
يرى مراقبون أن خطوة سلفاكير بتعليق مهام نائبه الأول تهدد اتفاق السلام الهش وتضع مستقبل الشراكة السياسية على المحك. في المقابل، يتمسك فريق الدفاع عن رياك مشار بموقفه الرافض للاتهامات
دلالات سياسية وعسكرية
هذا التحالف، الذي وُصف بالمفاجئ، يثير مخاوف من احتمال عودة دوامة العنف إلى مستويات أشد، خصوصًا أن التحالف يضع واحدة من أكثر الحركات المسلحة تشددًا (جبهة الخلاص الوطني) جنبًا إلى جنب مع أبرز خصوم حكومة سلفاكير. مراقبون يرون أن مثل هذا التموضع قد يعيد رسم خريطة الصراع، مع احتمالات تنسيق ميداني أو عسكري يزيد من صعوبة احتواء المواجهات.
المجتمع الدولي يحذر من العودة إلى الحرب
تراقب الأمم المتحدة ودول الجوار هذه التطورات بقلق، وسط دعوات إلى ضبط النفس والعودة إلى الحوار. وحذرت منظمات حقوقية من أن أي تصعيد عسكري جديد سيضاعف معاناة المدنيين الذين يواجهون بالفعل نقصًا حادًا في الغذاء والرعاية الصحية، مع أكثر من 9 ملايين شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة.
سيناريوهات مفتوحة
ويرى مراقبون أن خطوة سلفاكير بتعليق مهام نائبه الأول تهدد اتفاق السلام الهش وتضع مستقبل الشراكة السياسية على المحك. في المقابل، يتمسك فريق الدفاع عن رياك مشار بموقفه الرافض للاتهامات، معتبرًا أنها ذات طابع سياسي وتهدف إلى إضعاف موقعه داخل السلطة. وبين هذا التجاذب، تبقى البلاد أمام خيارين متناقضين: إما احتواء الأزمة بالحوار لتفادي انهيار الترتيبات القائمة، أو الانزلاق نحو جولة جديدة من الصراع قد تكون أكثر تعقيدًا وكلفة.