بينما تمطر بلا توقّف

بينما تمطر بلا توقّف

من معرض لرسومات الأطفال في دار النمر، بيروت

السماء الماطرة بغزارة ألجأتِ الناس إلى المظلات، وإلى الاحتماء بسقوف الأبنية ومداخلها. المياه تدفقت في الأقنية والمزاريب، والسيارات أشعلت مصابيحها العالية. لم يبق على الطريق سواي، أنقل الخطى في شارع الجنرال غورو، وأتأمل صرح الجامعة اليسوعية في المتحف.

على جدرانها طبعت عبارات منددة بفرنسا "الحرية لجورج عبد الله، هذه ديمقراطية فرنسا المزيفة". مشيت الهوينى بدون مظلة، مطأطئًا رأسي المغطى بمنديلك الملون، وأتلمس الدفء من رائحتك التي تعبق في ثناياه. لا زلت على عادتي القديمة، ففي كل مرة أقتني مظلة تبعاً لنصيحتك، لا ألبث أن أنساها في زاوية مكان ما. في فمي علكة ألوكها وأتأمل دخان أنفاسي الباردة المتصاعدة من فمي كريح جليدية. يداي ركنت داخل جيب سترتي الصوفية السوداء. أمشي وأعد الحصى على الرصيف وأركلها، وأتابع ركلها من جديد. أضرب بحذائي المدبب عبوة بلاستيك فارغة مرمية على الأرض بالقرب من مستوعب النفايات، لكأنني أريد أن أخفف وحشة المساء ووطأة ظلامه الدامس، الساكن، والثقيل على نفسي، كتلك الأحجار الجبلية التي كانت توضع على صدور العبيد أثناء تعذيبهم.

أغادر ميدان الكلية، وأصعد سلالم جسر المشاة لأنتقل إلى ضفة الشارع المقابل لأستقل باصًا إلى منزلي. أتمهل، وأقف في منتصف الجسر المرتفع، تمامًا بين الشارعين، الذهاب والإياب، إنه منظر ساحر يشبه سحر الحياة وغرابتها. العود والبدء والنهاية، نقاط الانطلاق ونقاط الوصول، اليمين واليسار، السرعة والتروي، الوقوف ومتابعة المسير مجددًا، هكذا هي الحياة. إنها طريق مستقيمة تتخللها انحناءات وتعرجات، طرق فرعية، أنفاق تحت الأرض وجسور فوق الأرض، إشارات سير ملونة ومحطات مكتظة، قطارات ترحل وطائرات تجيء وسفن تمخر عباب البحار.

لفتني ذلك الطريق الخاص بذوي الإعاقة الجسدية الذين يتنقلون بكرسي متحرك، عجبت لقدرتهم على المضي قدمًا بعزائم صلبة. بعضنا يلتزم بقوانين الحياة وبعضنا الآخر يشغفه كسرها والتمرد على شريعتها. المطر المنهمر أغرقني فسال على وجهي، تذوقته بأنفي وشفتي ولساني، وغرق المنديل بالماء والدموع، ومرت في بالي صور من ماض بعيد، شعرت معها بقليل من الدفء والحرارة تسري في أمعائي الخاوية، وأحسست أن قلبي بالونًا منتفخًا وفارغًا، شفافًا، خفيفًا ومليئًا بالهواء والصدى ليس إلا، ويكاد ينفجر إثر احتكاكه بالبرق. عضوي أيضًا يشبه بالونًا متهدلًا، خاليًا من كل غريزة. المشاعر سماوية تشبه لمسة اليد للروح.

سمعت صوتًا رقيقًا خلفي، يشبه صوت خطواتك الهادئة، استدرت سريعًا ولكنني لم أجد أي أثر لأي آدمي. أكملت طريقي إلى الناحية الأخرى ثم سمعت صوتًا يصيح بي من جديد: فراس أدخل إلى الفرن واحتمِ من المطر. إنه جاري، عصام، رجل أربعيني، كرشه مستدير، وشرايين عنقه عريضة ومنتفخة ربما بسبب مشاكل في إفرازات الغدد. في كل مرة أراه فيها أتذكر أنه الرجل الذي علمني السباحة مذ كنت في سن الخامسة عشر. إنه إنسان بسيط وساذج، أدركت ذلك قديمًا، فقد كان يناهز الثلاثين عامًا بينما كان أصدقاؤه من المراهقين في الثانية عشر من العمر، كنا نذهب سويًا إلى الشاطئ الصخري المجاني للسباحة. لا زلت أذكر جملته الشهيرة: "لقد تزوجت وأنجبت ثلاثة أطفال واشتريت سيارة، ماذا أريد أكثر من ذلك، شو فيها الحياة أكتر من هيك؟".

علبة الدخان لا تفارقه، يحمل سيجارة بيده ويضع الأخرى فوق أذنه. لا يحمل ولاعة، فهو ليس بحاجة إليها إلا لمرة واحدة في اليوم، ويكمل باقي يومه بإشعال سيجارته التالية من سابقتها قبل أن تنطفئ. الخميرة تملأ ثيابه ونثرات العجين تتغلغل في أظافره، ينفض الطحين عن بنطلونه بلذة، بشرته سمراء ولكنها تحولت إلى بيضاء بفعل البودرة. يسعل ويكح كموتور سيارة ينقصه التشحيم والتزييت ثم يبصق على الأرض النواة الخارجة من رئتيه، ويمسح فمه بأكمامه ويديه بالورق. إنه أشبه ببرميل مخلل يرتدي بنطلونًا.

جاري عصام يعمل ليلًا، أو كما يقولون "من الفجر للنجر" ليؤمن قوت عائلته. كنت أسمع زوجته توبخه، تتهمه بالجبن والبرودة وعدم الدفاع عنها في كل مرة تفتعل عراكًا مع جيرانها من الرجال والنساء. سمعتها مرة تقول "لو عندي رجال كنت فرجيتكن قيمتكن بس الله بلاني بزلمي معتر لا بهش ولا بنش". كانت تلقبه بـ"أبو بدر" الخنثى، أو "قورني" تشبيهًا له بالخروف ذي القرنين، وما لبث أن أصبح الجميع في الحي ينادونه بهذا اللقب. الغرابة أنه كان يضحك، فلا يعير أي اهتمام لمناداته بهذا اللقب أو يصدر أي ردة فعل غاضبة. كان أشبه بمعجون تقولبه الحياة كيفما تريد.

أصبحت تروقني، في الآونة الاخيرة، الشخصيات التي طُبعت على البلادة والبلاهة. لكن من يملك الحق في تصنيف البشر! أليس من الممكن أن أكون المغفل الذي يظن نفسه نبيهًا؟ وأن يكون عصام الرجل الذي تجسّدت الحكمة فيه في مدرسة الحياة، مدرسة الألغاز والأسرار! إن العقل مسؤولية متعبة، وقد حكم عليَ بصحو الفكر أبد الحياة، أو هكذا أظن نفسي، رجلًا ذا إشكالية حضارية مثقلة بالفكر.

قرأت ملخص دراسة تقول:" إن أكثر ثلاث كلمات مستخدمة في محركات البحث في عالمنا العربي هي بالتراتب: الجنس والله والحب. السكس في المرتبة الأولى بنسبة 20% من الإحصاءات". إنها لسخرية أن يتحدث شعب ما عن الحرية والديمقراطية والعلمانية والمفاهيم الضخمة التي صدرها الغرب لنا، في الوقت الذي يعاني العربي من جوع للجنس وقلق في العقيدة، وإلى الافتقار إلى معنى واضح وممارسة سليمة وصحية للحب.

إن الحب الذي لا يلهم القلوب والعقول لا يعول عليه، لذلك بالتحديد لا أجد سبيلًا للهرب منك. إنك على قدر عال من الذكاء والوعي يصعب معهما أن تنقادي لمشيئتي أو أن تسلسي قيودك لي، وهذه السمة بالذات هي ما يغريني بك، ويجعلك تمتلكين مفاتيح أغلالي وانعتاقي في آن. إن حجم الألم الذي يصيبني به التساوي في الحب قد أقض مضجعي. تتملكني نزعتان إحداهما رجعية والأخرى تقدمية، إنني أعيش حالة من الصراع بين ماضوية تختبئ في جلدي وبين حداثوية نشأت بفعل التثاقف، ولم تكوني أنت سوى الدملة التي انفقأت وأخرجت هذا التخبط النفسي إلى حيز الوجود. لذلك قلت لك إننا شخصيتان متشابهتان، تضمران إشكاليات حضارية معقدة التركيب، وللسبب ذاته بت أحن إلى البلادة والبلاهة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الخبر اليقين

الشِّعر في زمن الكوليرا

:دلالات