بينما تستمر القطة البيضاء في تنظيف نفسها

بينما تستمر القطة البيضاء في تنظيف نفسها

غرافيتي في باريس

القطة البيضاء تنظف نفسها باسترخاء، وفي الغرفة شاب يكلم صديقته فيخرج صوتها غامرًا الغرفة من قلب كمبيوتر أسود صغير، على يمين الشاب نافذة جيدة الارتفاع، تطل على الشارع الفارغ إلا من الأبنية المصمتة. خلف الأبنية المصمتة حديقة اصطناعية كبيرة، فيها تلة اصطناعية أيضًا، ترتفع قليلًا عن المحيط بها وتطل على باقي الحي البسيط. 

في الحي البسيط عدد لا يحصى من المطاعم الحلال، بينما يتفرد كنيس يهودي برصيف ومجموعة جنود لحراسته. بين الحين والآخر تمر سيارة وترفع صوت النشيد الديني الذي يصدح مهددًا اليهود والنصارى والكفار. تقف السيارة أمام الكنيس فيهز صاحب مطعم تركي حلال مواجه الكنيس رأسه باستهجان. أمام المطعم يجلس شابان أفريقيان تفوح من مكان جلوسهما رائحة حشيش خشنة، يساعدان امرأة عجوزًا على حمل حقيبة تسوق تحاول جرها بصعوبة.

المرأة العجوز البيضاء الفرنسية كانت تشتري لحومًا من الملحمة الفرنسية الوحيدة المتبقية في الحي البسيط، والتي يملكها رجل في ستيناته بشعر شديد البياض وابتسامة يعرفها سكان الحي الذين يمرون يوميًا أمام محله المواجه لمحطة الباص، حيث تجد سائق الباص يحيي بانتظام اللحام القديم. بمواجه اللحام القديم يوجد فرن خبز تعاقب عليه المدراء والخبازون حتى استقر الحال على خباز تونسي دمث، يجامل سكان الحي من السوريين ويقدم لهم أنواع الحلويات والخبز مجانًا، بينما يلعن بشار الأسد والعلويين الذين خربوا البلد. إحدى السوريات من جارات المخبز سورية علوية، زوجها دمشقي مسلم، جيرانها في المبنى الذي تقتطنه يتنوعون بين الإسلام والمسيحية وجميعهم سوريون. 

كل الجيران يشترون خبزهم من الخباز التونسي الذي يصر على أحقية داعش بالسيطرة لولا أنها لا تطبق الإسلام الصحيح، وبينما يقوم بوضع الحلويات في كرتونة ويقدمها هدية لزبائنه السوريين، يقوم هؤلاء بإطعام الجنود المساكين الذين يحرسون الكنيس غير البعيد مطلقًا عن محل الخباز. 

في نفس اللحظة التي تمر فيها السيارة بأناشيدها الدينية وتقف أمام الكنيس مهددة، وفي نفس اللحظة اللي يهز صاحب مطعم الحلال رأسه مستنكرًا، في حين يساعد شابان أفريقيان تفوح منهما رائحة الحشيش سيدة عجوز فرنسية بحمل حقيبة مشترياتها بعد أن اشترت بعض اللحم المقدد من الملحمة الفرنسية التي لم يتبق غيرها في الحي، حين يمر سائق الباص ويرمى التحية على صاحبها الستيني بشعره الأبيض، ويطلق زموره الصاخب ليبعد السيارة من أمام الكنيس وتفتح له الطريق. 

تكمل السيارة طريقها بينما تصدح الأناشيد الدينية متوعدة اليهود بعذاب أليم، وتتجه باتجاه الحديقة الكبيرة ثم تعبر أمام البنايات المصمتة تحت النافذة المرتفعة، فتطغى على صوت الصبية الخارج من الكمبيوتر الأسود الصغير، وتمحو صوت صديقها الجالس في الغرفة المعتمة، بينما تستمر القطة البيضاء في تنظيف نفسها بوقار تحت النافذة التي تطل على البنايات المصمتة ومن خلفها الحديقة بتلتها الاصطناعية التي تطل على المطاعم الحلال والكنيس اليهودي بجنوده المساكين، والفران المسلم والشابان الأفريقيان ورائحة الحشيش والسيدة العجوز واللحام الفرنسي وسائق الباص والسيارة التي تصدح أناشيد دينية والحديقة الاصطناعية والأبنية المصمتة والنافذة المرتفعة والشاب وصديقته والقطة البيضاء التي تنظف نفسها باسترخاء.

اقرأ/ي أيضًا:

حبيبتي تستيقظ من كابوس قناص

مثل شال من الحرير على كتفي امرأة