بيلا حديد.. حين تصبح الهوية الفلسطينية مخاطرة في عالم الموضة
10 أغسطس 2026
وجدت شركة "ألو يوغا" نفسها في قلب سجال سياسي، مطلع آب/أغسطس الجاري، بعد إعلانها اختيار العارضة الأميركية الفلسطينية بيلا حديد وجهًا لحملتها الجديدة لموسم ما قبل الخريف.
وتزامن إطلاق الحملة مع إعلان الممثلة الإسرائيلية غال غادوت انضمامها إلى قائمة سفيرات العلامة، ما دفع وسائل إعلام إسرائيلية إلى تقديم الخطوتين بوصفهما جمعًا بين نجمتين تمثلان موقفين متعارضين من الحرب على غزة.
لكن الاهتمام الأكبر انصب على حديد. فبعد ساعات من نشر صور الحملة، دعت منظمة "StopAntisemitism" ومجموعات مؤيدة لإسرائيل إلى مقاطعة الشركة، واتهمتها بمنح مساحة لشخصية لها "تاريخ طويل من معاداة السامية". وهو اتهام لا تدعمه تصريحات موثقة لحديد تستهدف اليهود بصفتهم الدينية أو العرقية، إذ تركزت مواقفها المعلنة على انتقاد الحكومة الإسرائيلية، والدفاع عن حقوق الفلسطينيين، والمطالبة بوقف الحرب على غزة.
الحملة التي صورها الثنائي ميرت ألاس وماركوس بيغوت في لوس أنجلوس لا تحمل مضمونًا سياسيًا. وتظهر حديد فيها مرتدية ملابس رياضية، ضمن خطاب تسويقي يركز على العافية واستعادة التوازن. وقالت في البيان المرافق إن تقدمها في العمر جعلها تدرك أهمية خلق مساحة لنفسها، سواء عبر إبطاء إيقاع الحياة أو الحركة أو أخذ وقت لاستعادة الاتصال بذاتها.
وبحسب مجلة "إيل"، فإن حديد تستخدم منتجات الشركة منذ سنوات، ما جعل التعاون متوافقًا مع صورتها الحالية ونمط حياتها.
غير أن بيلا حديد، المولودة باسم إيزابيلا خير حديد في واشنطن عام 1996، لم تعد مجرد عارضة يمكن فصل صورتها التجارية عن هويتها. فقد أصبحت فلسطين، خلال العقد الأخير، جزءًا أساسيًا من حضورها العام، لا بوصفها قضية سياسية اختارت الانحياز إليها فحسب، بل بوصفها امتدادًا لسيرة عائلية بدأت مع النكبة.
لم تعد هويتها تفصيلًا شخصيًا يمكن لصناعة الموضة تجاهله، بل أصبحت كل حملة تشارك فيها اختبارًا لمدى استعداد هذه الصناعة لقبول فلسطينية لا تكتفي بالاحتفاء بأصلها، وإنما تستخدم شهرتها للدفاع عنه
والدها، محمد حديد، وُلد في الناصرة عام 1948 لعائلة فلسطينية مسلمة غادرت فلسطين خلال الحرب، وعاشت لاحقًا في سوريا قبل انتقالها إلى الولايات المتحدة. وتصف بيلا نفسها بأنها ابنة أحد الناجين من النكبة وحفيدة لعائلة عرفت الاقتلاع واللجوء.
نشأت حديد مع والدتها الهولندية يولاندا في كاليفورنيا، بعيدًا عن أسرة والدها وثقافتها. وفي مقابلة مع مجلة "جي كيو" عام 2022، تحدثت عن شعورها بأنها حُرمت من فرصة النمو داخل ثقافة فلسطينية وإسلامية، وعن إحساسها بالعزلة بوصفها فتاة عربية في المدرسة.
بدأ هذا الحضور السياسي يظهر علنًا عام 2017، عندما شاركت مع شقيقتها جيجي في احتجاج بنيويورك ضد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب حظر دخول مواطني عدد من الدول ذات الغالبية المسلمة. وفي نهاية العام نفسه شاركت في تظاهرة بلندن ضد اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وفي أيار/مايو 2021، ظهرت حديد في مسيرة مؤيدة لفلسطين في حي باي ريدج بنيويورك، خلال العدوان الإسرائيلي على غزة وأحداث حي الشيخ جراح. يومها اتهمها الحساب الرسمي لإسرائيل بالدعوة إلى إزالة الدولة. وردت حديد لاحقًا بأن موقفها موجه ضد منظومة حكومية تقمع الفلسطينيين، وليس ضد اليهودية. وقالت في مقابلة مع مجلة "فوغ" إنها تحترم الدين اليهودي، لكنها تعتقد أن الفلسطينيين يستحقون أيضًا مكانًا يشعرون فيه بأنه وطنهم.
بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تأخرت حديد نحو ثلاثة أسابيع قبل إصدار موقف مطول، موضحة أنها وأسرتها تلقوا تهديدات بالقتل، وأن رقم هاتفها سُرّب. وفي بيانها أدانت استهداف المدنيين الإسرائيليين، وقالت إن إيذاء اليهود لا يخدم حركة تحرير فلسطين، بالتوازي مع حديثها عن الصدمة المتوارثة لدى الفلسطينيين ودعوتها إلى حماية المدنيين وإدخال المساعدات إلى غزة.

ولم يقتصر دعمها على البيانات وحسب، ففي أيار/مايو 2024 تبرعت بيلا وشقيقتها جيجي بمليون دولار، وُزّع على "الأونروا"، وصندوق إغاثة أطفال فلسطين، ومنظمة "HEAL Palestine"، والمطبخ المركزي العالمي، وفق صحيفة "هوليوود ريبورتر".
وفي الشهر نفسه، ارتدت خلال مهرجان كان فستانًا مصنوعًا من كوفيات فلسطينية حمراء وبيضاء، وحولت ظهورها في واحد من أبرز محافل الموضة إلى إعلان عن هويتها. وكتبت مفسرة دلالات نقوش الكوفية: أوراق الزيتون وشباك الصيد وخطوط التجارة، وختمت منشورها بعبارة "فلسطين حرة إلى الأبد".
لكن هذا الحضور حمل أثمانًا مهنية كبيرة، ففي تموز/يوليو 2024 سحبت شركة "أديداس" صورها من حملة لحذاء "SL72"، بعد اعتراضات إسرائيلية ربطت سنة إنتاج التصميم الأصلية بهجوم ميونيخ عام 1972. واعتذرت الشركة لاحقًا لحديد، مؤكدة أن الربط لم يكن مقصودًا. وقالت العارضة إنها لم تكن تعرف الصلة التاريخية، وأدانت معاداة السامية، لكنها رفضت في الوقت نفسه "الخلط بين الهوية الفلسطينية والإرهاب".
تعيد حملة "ألو يوغا" إنتاج المعضلة ذاتها، لكون العلامة اختارت واحدة من أشهر عارضات العالم لحملة عن الرياضة والعافية، لكن معارضي حديد أعادوا فلسطين فورًا إلى الصورة. وهكذا لم تعد هويتها تفصيلًا شخصيًا يمكن لصناعة الموضة تجاهله، بل أصبحت كل حملة تشارك فيها اختبارًا لمدى استعداد هذه الصناعة لقبول فلسطينية لا تكتفي بالاحتفاء بأصلها، وإنما تستخدم شهرتها للدفاع عنه.








