بيلا تار.. سينما الرماد بالأبيض والأسود
9 يناير 2026
أتى بيلا تار إلى السينما من الغضب، ومن الثأر، ومن الموقف السياسي الناضج والمكتمل ضد الظلم، والعسف، والإنسانية التائهة بعيدًا عن ذاتها. ومع ذاك المجيء القصدي إلى السينما، اضطرّ النقاد أن يأتوا لأجله، لأجل أفلامه وسينماه، بلغة ملائمة وإحاطية بعالمه الشاسع، كما كاميراه التي لا تتوقف عن الخروج إلى الفراغ، غير هيّابة من أن يضيع منها المعنى.
انتبه النقاد والمشاهدون معًا إلى أفلامه، كما فعلوا مع سينما تاركوفسكي وأنطونيوني، حيث التصقت مفردات كالأسلوبية، والتأملية، وعمارة الصمت، والوجودية، بشكل عضوي بتجربته التي لم تخجل من كسر كل ما هو متعارف عليه في تاريخ السينما الاعتيادية، المريحة، والمتداولة في الصناعة.
لم تقلق أفلام بيلا تار إن تعاملت مع الوقت بصفته زمنًا، ومع المكان باعتباره وطنًا وجغرافيا أولى، ومع التاريخ بكونه أزلًا لا ينفكّ عن الجثوم فوق أجساد شخصياته ليطحنها.
وُلد بيلا تار في المجر، ذلك البلد المدمّى بضربات الشيوعية المختلّة عبر سنوات لم تترك فيه إلا آثار الدمار وعدم الاتساق، لا أخلاقيًا ولا جماليًا، بما يتناسب مع طرحها "الأخوي" غير المتسق.
كل ذلك الحس الكابوسي لم يترك لبيلا تار غير عوالم من الأبيض والأسود، عوالم الرماد، والبرد، والريح، والفقر، والتكرار الدوراني لأيام تعيد ذاتها بالبلادة نفسها، والقسوة ذاتها، واللاجدوى.
مات بيلا تار عن عمر يناهز السبعين، أمضاها في حكي السينما كثائر لا يهدأ، إلى أن وصل قتاله سلامه، فأصبح ناسكًا؛ ذاك الذي يسأل الوجود، والله، والقيم، عمّا يفعله البشر بها اليوم، بتلك الصور الخارجة من الزمن، كما لو أنها آتية من البدء ذاته.
عندما صوّر بيلا تار الثورة، لم يصوّرها بذاتها، بأحداثها وواقعيتها، بل انشغل بما تركت من أثر. انتبه لما تلاها، وحكى عن أولئك البشر الذين رُموا، معطّلين، مشلولين، وعاجزين عن الفعل، بلا لغةٍ مطوّرة وقوّة مفردات، لغةٍ قادرة على الاحتجاج
2026 .. عام الخسارة الكبرى
تنعي السينما العالمية اليوم بيلا تار، الذي وُلد عام 1955 في بلدٍ كان على وشك أن يختبر واحدة من أكثر لحظاته قسوة: ثورة عام 1956، التي سُحقت بالدبابات السوفييتية، فدخل العالم على تخوم أملٍ قصير أعقبه صمتٌ مديد. شكّلت تلك الانتفاضة إحدى الذكريات الحارّة المتجذّرة، شديدة الحضور والوقع في الوعي المجري، حضرت كما لو أنها جرحٌ مؤسِّس في العقل الجمعي، علّم المجتمع المجري كيف يعيش تحت ثقل الرقابة، بحيث استطاع، كما فعل البشر منذ البداية، تحويل الخضوع والانكسار والقبول إلى عادة.
التاريخ المجري الذي اصطدم به بيلا تار لم يأته دفعة واحدة، أو عبر حادثة كبيرة فحسب، بل حضر عبر تراكمٍ متواتر من الخيبات؛ تاريخٌ ألقى بثقله كما لو أنه كتلة واحدة، لكن للعين الخبيرة المفكِّكة التي امتلكها تار، كُسِّرت تلك الكتلة إلى مادتها الأولية من أحداثٍ منفصلة، كما لو أنها زمنٌ مقيم، طويل، ومتّصل.
عندما صوّر بيلا تار الثورة، لم يصوّرها بذاتها، بأحداثها وواقعيتها، بل انشغل بما تركت من أثر. انتبه لما تلاها، وحكى عن أولئك البشر الذين رُموا، معطّلين، مشلولين، وعاجزين عن الفعل، بلا لغةٍ مطوّرة وقوّة مفردات، لغةٍ قادرة على الاحتجاج. بشرٌ يَعون أنهم يعيشون داخل نظام لم يعد بحاجة إلى عنفٍ مباشر، لأن الطاعة التي زُرعت في بنية الجسد المجري ذاته، وفي حدقات عيون المجريين، قد استقرّت في داخل أرواحهم.
بيلا تار وحرب مع الشيوعية والرأسمالية في آن
لا يمكن فصل سينما بيلا تار عن الظرف السياسي الذي نشأ تحت ظله، إذ نشأ في خيالات وهلوسات نظام اشتراكيةٍ متأخرة، لم تُنتجها معسكراتٌ ممزّقة بين شرقٍ وغرب، ولم تنتج عنها مجازر مخزية، لكنها أيضًا لم تملك تجربةً ناضجة تحفظ الكرامة ككيانٍ حقيقي متماسك، ولا حسّ عدالةٍ كافٍ، ولا حتى أملًا بالأفضل، أو انتظارًا لأفق. فالنظام السياسي الطاحن عجز عن إنتاج أبطال أو شهداء ليُطرحوا كمثلٍ أعلى يُحتذى.
حضرت شخصيات بيلا تار كأجسادٍ محطّمة، أفقدها التعب واليأس كل بريق. بشرٌ يسكنون قرى منهكة، يمارسون حياةً معلّقة داخل زمنٍ متوقّف، أو ضمن حالةٍ من انتظارٍ لا اسم لها سوى انتظار الموت.
حين انهار هذا النظام الشيوعي المؤدلج في أواخر الثمانينيات، لم يستطع بيلا تار أن يرى في الانتقال إلى الرأسمالية خلاصًا، بل وعى بعقله وثقافته وحسّه الإنساني الرفيع أن ذلك الانتقال التعسّفي الإكراهي ليس سوى خيبةٍ أخرى: فوضى، وفقرًا، وعريًا أخلاقيًا. في سينماه المتأخرة لا يظهر فرحٌ أو غبطة التحرّر من قيد الشيوعية، بل يحضر التيه كما لو أنه حقيقةٌ مطلقة، تحمل استخلاصاتها وفلسفتها شخصياتٌ تبحث عن نظامٍ بديل، عن معنى، عن سلطةٍ جديدة، فتقع في الوهم، أو تنتظر منقذًا لا يأتي.
هكذا يتبدّل التاريخ عند تار من ملاحقةٍ للتوصيف السياسي المباشر، المملّ واللافنّي، إلى حالةٍ وجودية، حلقةٍ مغلقة تتغيّر فيها الأنظمة، بينما يُترك الإنسان وحيدًا في العراء، مثقلًا بزمنٍ فقد إيمانه بالتغيّر، وبالمستقبل، وبالقدرة على القفز فوق سؤال الوجود المقيت، فلم يعد يملك سوى الاستمرار.
الحقيقة كما يرويها الصمت
في أفلام مثل " رقصة الشيطان " (Sátántangó)، و"تناغمات فيركمايستر" (Werckmeister Harmonies)، و"حصان تورينو"(The Turin Horse )، يحضر التكرار كما لو أنه اللبنة الأساسية في معمار الكون، وكأنه بنيةٌ مؤسِّسة للعالم. الأيام تتشابه، والكاميرا لا تكلّ عن تكريس هذا التشابه، والتكرار الدوراني المدوّخ، لأن التاريخ في أفلام تار لا يتقدّم؛ فهو عالق في وحل المآسي.
الحركات، خلع الملابس، مقاومة الريح، تناول الوجبات المتقشّفة، لكنها الحارّة، التي تحرق ملتهمها كما تفعل البطاطا المسلوقة في ماءٍ مغلي. كلّه يُعاد، لأن لا جديد يمكن ابتداعه. فكل ما تفعله سينما بيلا تار هو تكريس الخراب، تأكيده، إعلانه، وترك المتلقي ليتعامل مع حقيقة الحكاية لديه كما لو أنها الحقيقة الأولى والأخيرة.