"بير غويط".. هل اقترب الفرج؟

ميدان التحرير 2011

أجد اللهجة المصرية على بساطة مفرداتها ومصطلحاتها المخترعة، الممزوجة بحس الدعابة، بليغة في التعبير عن الحالة.

من الشعارات الشهيرة للثورة المصرية في ميدان التحرير: ارحل بالهيروغليفي، مبارك يتحدى الملل

تجذبني بسحرها، تجرني من نواصي حواسي إليها، أيًا كان المشهد الذي يمر أمامي على الشاشة الفضية، التي هجرناها لنغرق في بحر الأزرق الافتراضي ونغرّد مع من يغرد، ولا يهم إذا كانت الأصوات تشدو أو تنعق، الكل يغني على ليلاه.

اقرأ/ي أيضًا: معضلات النُخب.. مداخل للتحليل

وللأزرق الافتراضي "فيسبوك" الفضل على شباب الربيع العربي، في التواصل ومعرفة الخبر لحظة حدوثه، كما يُرجع ثوار مصر سبب خلع مبارك للفيسبوك، في تعليقاتهم وتقفيشاتهم: "فيسبوك على ظالم".

انتشرت شعارات ثوار ميدان التحرير في ساحات الربيع، وتداولها شباب الجوار:

ارحل بالهيروغليفي.

مبارك يتحدى الملل.

ارجع يا ريس إحنا بنهزر معاك.

جملة قصيرة، ذكية، فيها موقف سياسي مصحوب بخفة الدم. أما الشعار والهدف العام لشباب التحرير: "عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية" فماذا تحقق منه؟؟

سقط نظام مبارك، جاء بعده مرسي ومن بعده السيسي، وبقي الفساد، الفقر، الغلاء، الجوع، وكل أسباب الثورة ما زالت لا بل وتفاقمت، وسقطت أحلام الشباب بالعيش والحرية في "بير غويط". 

الفقر والفقر المدقع، الفقر والمجاعات التي تجتاح عالمنا، الفقر الذي قد يكون سببًا في انتفاضة أو احتجاج، أو قد يكون سببًا للصمت حد الموت. في كلتا الحالتين لا أعرف جوابًا على سؤالي: - لماذا يخجل الفقراء من فقرهم؟

هم يعلمون يقينًا، بأن صاحب رأس المال أو السيد أو المالك أو الغني أو... لا يهم ما يطلق عليه من أسماء، قد جمع دنانيره من سرقة دماء عماله، وأحلامهم الصغيرة، لكنهم يخافون المواجهة، لدرجة أن هذا الخوف تضخم وتحول لخجل وهروب.

كلما تكدست الأموال على قلب السيد المالك الغني، اتسعت الهوة بين الأكثرية الفقيرة والأقلية الثرية، لتصبح بئرًا عميقًة تتراكم فيها الكراهية المجبولة بالخوف.

الخوف من الجوع الذي يدمي عيون أطفالهم قهرًا.

الجوع يمتص حليب الأمهات اليابسات على جذع الانتظار.

انتظار ماذا؟

انتظار الفرج القادم من الغيب.

 لم يعتد الفقير أن تنصفه الآلهة التي يتضرع لها في كل وقت، ويقدم لها قرابينه، يؤمن بها لترزقه وتنصره في حربه على الغول الذي يأكل لحمه كل يوم، لكنها لا تفعل وهو لا يمل الانتظار.

في مصر- ميدان التحرير 2011 شاهد العالم كيف صنع الفقير من إصراره على نيل استحقاق الحياة بيده، لا بيد المناصرة المتوهمة.

في سوريا 2011 كانت الصورة تدعو للتفاؤل في البداية، صرخ الفقير في وجه من سرق رغيفه، لكن الغول تكاثر في غفلة عن حناجر الفقراء، توالد في الساحات، وضرب خاصرة البلاد وقلبها.

كلما تكدست الأموال على قلب السيد المالك الغني، اتسعت الهوة بين الأكثرية الفقيرة والأقلية الثرية

في ليبيا، في اليمن، في العراق، في المغرب، في أماكن شتى تحولت لآبار عميقة ابتلعت ماء الأحلام، ودفنت فيها صرخات الفقراء.

اقرأ/ي أيضًا: ميلانخوليا عولمية النيوليبرالية وانعزاليتها

هل سيتحرر الفقير من مخاوفه وينهض مجددًا؟

ساقية الدم التي طافت على طول البلاد وعرضها، لم تجف بعد، وما زال الرغيف يلوح في الأفق، حلمًا بعيد المنال.

لا الصراخ يجدي نفعًا، ولا الاحتجاج، ولا الصمت أيضًا.

قد يكون مجتمع النمل مثالًا، ينفع حين لا تنفع الصرخة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المهمشون والثورة.. قراءة جذرية للمشهد المصري

سامر المصري يتوسّل وطنًا لا رجاء فيه