بيروت مدينة من؟

بيروت مدينة من؟

تصوير زكريا جابر

تعالوا نقرب وجهات النظر. جميع الأطراف السياسية اللبنانية وللمرّة الأولى في تاريخ السياسة اللبنانية تتقرب من بعضها البعض لنثبت للمواطنين اللبنانيين، الذين يعانون من حكم السلطة الطائفية والمصنفة الأكثر فسادًا في العالم العربي بأنها سلطة باقية وتتمدد، طالما تبقى انتخاباتٍ ديمقراطية يتم السطو عليها بتسجيل أكثر من 500 مخالفة، خلال أقل من عشر ساعات عمل انتخابي.

"بيروت مدينتي" حملة انتخابية مستقلة، مدعومة من معظم أطراف المجتمع المدني في بيروت

لائحة "البيارتة" التي يقودها رئيسها جمال عيتاني، المدير العام لشركة "سوليدير" التي تتحكم بوسط بيروت بمشاريعها "الكوزموبوليتانية". بالطبع إن عيتاني بمثابة المرشح الرسمي لصاحب الشعبية "السنية البيروتية"، أي تيار المستقبل وسعد الحريري، الوريث لتلك الشعبية السياسية عن والده الرئيس الراحل رفيق الحريري. وبالطبع بعد تقديم الدعم المادي والجماهيري والإعلامي من قبل الحريري للائحة جمعت المنظمين والمندوبين والناخبين عبر الوعود المتكررة والمبالغ المالية الموهوبة من قبل الحملة لكسب أصواتهم في بيروت. وذكر أحد المتطوعين في حملة "لائحة البيارتة" الذي زل لسانه خلال حديثه لـ"الترا صوت" بأنه: "غاضب لأنه انتخب لائحة البيارتة بدون أن يتلقى بونًا ماليًا يجمعه من المكاتب الخاصة بتيار المستقبل".

اقرأ/ي أيضًا: التونسيات.. لا جدران مع الفضاء العام

أما في المواجهة "#بيروت_مدينتي" وهي الحملة الانتخابية المستقلة عن أي طرفٍ حزبي أو سياسي لبناني، وإجمالًا مدعومة من معظم أطراف المجتمع المدني من مؤسساتٍ مدنية ترعى حقوق الإنسان، أو من الفنانين اللبنانيين أو من الناشطين السياسيين المستقلين الذين يُعارض معظمهم المجلس النيابي الحالي الممدد لنفسه، بدون شرعية منذ انتهاء ولايته في حزيران 2013 حتى اليوم، ومعظمهم من الذين شاركوا في الحراك المدني اللبناني في صيف 2015. وتلك المجموعة قامت على أسس برنامجها الانتخابي التطويري الحديث المنظم، غير التابع للأجندات السياسية المتعفنة في لبنان. والتعفن ليس مرادفًا هجائيًا بل هو تعبير عن التخلف السياسي والتنظيمي في معظم الأحزاب اللبنانية.

المجموعتان تنتميان إلى المنطقة نفسها، الوسط. فسعد الحريري وبكامل أناقته لم يرض إلا أن يسكن في وسط بيروت، وأن يسمي قصره "بيت الوسط". وبالمقابل المعتصمون الذين انهالت عليهم القنابل المسيّلة للدموع والرصاص المطاطي من أجل التوحد في الوسط لم يرضوا بيتًا لهم ولتمردهم على الدولة الفاسدة إلا الوسط.

إنها معركة "كوزموبوليتينية" عن من سيحتل الوسط. وبين الكلام عن الاحتلال والاسترجاع والمقاومة والضغط، نسأل نفسنا بيروت مدينة من؟ هل هي لمن يعارض؟ هل هي لمن يموّل؟ هل هي ذكر أو أنثى؟ هل هي لليسار اللبناني؟ هل هي للثامن أو للرابع عشر من آذار؟ لطالما كان هذا الوسط هو المكان للتلاقي في جميع الدول في العالم. ليس وسط بيروت، بل فكرة أن يكون وسط العاصمة هو الأكثر شعبيةً بين جميع الطبقات الاجتماعية. أما في بيروت، فتتلاقى الفئات البشرية من مواطنين لبنانيين انقسموا بين المحاور السياسية من جهة وبين المجموعات والتيارات والحراكات الشعبية اللبنانية التي هي في حالة معارضة دائمة لواقع عيشها تحت غطاء دولة فاسدة وحسب قول معظم سائقي التاكسي في لبنان "بلد بيسوى فرنك".

تبدو بيروت وحيدة تتنقل بين أفواه من يسكنون شوارعها. تسأل نفسها أنا لمن ومن ينتمي إلي؟

وفي الوسط، مبنى كان مستهدفًا من قبل الاعتصامات خلال صيف 2015، وأولها الاعتصام الأول الذي نفذته حملة "طلعت ريحتكم". مبنى بلدية بيروت حيث حكم بلال حمد الرئيس السابق لبلدية بيروت بين عامي 2009 و2016. وكان يُعرف حمد بأنه من أكبر الرؤوس تحكمًا بصلاحيات بلدية بيروت من أجل مصالح أعماله ومشاريعه الخاصة. أي أنه كان يستعمل أموال الضرائب والبلدية لتمويل مشاريعه. وقد كان يُعرف بأنه الصديق الصدوق والصادق لآل الحريري ولذلك، وبعد استلامه منصبه البلدي، بدأت تظهر ملامح التطوير في المنطقة البحرية من وسط بيروت المعروفة بـ"Zeytuna Bay" وهي منطقة "كوزموبوليتانية" لا يمكن لأكثر من 80% من الشعب اللبناني أن يرتادها بسبب غلائها وخدماتها المكلفة.

اقرأ/ي أيضًا: البلاليع".. مهد الطاعون ومقبرة الطغاة"

لا شيء مميز في الوسط. وبيروت تدخل في قوقعتها وحالة نفسية من اليأس. تبدو بيروت وحيدة تتنقل بين أفواه من يسكنون شوارعها. تسأل نفسها أنا لمن ومن ينتمي إلي؟ هل هم البيارتة؟ هل هم السنّة؟ هل هم من احتلوها أو من عمروها أو من سرقوها أو من يحبونها؟ 

على سبيل المثال فلنأخذ كاتب هذا النصّ المدعو زكريا جابر الذي وُلد صدفةً في بيروت، وعاش في أزقة بيروت، وبين مجتمعات بيروت المصغرة، ودفع ضرائبه في بيروت، وأكل، شرب، لعب، سهر، وهو مازال يلهو ويلعب في بيروت، ويدفع إيجار الاستوديو السكني الخاص به في بيروت، ولا يحق له الاقتراع في بيروت. ببساطة لأنه وُلد في ظل التسجيل الطائفي والمناطقي الرجعي اللبناني، وكانت نفوسه من مدينة صور الجنوبية التي تدعيه كل ست سنوات للوصول إلى صناديق اقتراعها ليسقط الورقة البيضاء بين حليفين يتصارعان من أجل مسرحية الديمقراطية. وبالطبع فتنهال تهديداتهم وشتائمهم على كل من يترشح مستقلًا أمام السلطة اللبنانية.

وبين كل هذا الكلام عن من يحب ويكره بيروت، فما لم يُحكَ عن بيروت لن يُروى إلا على ألسنة وفي كتب وروايات من يموتون في بيروت أسخف الموت. من يسكنها ويكتبها ويحضنها. واختفت كل تلك الشخصيات بعد أن رُفع شعار "لتعود بيروت لأهلها".

اقرأ/ي أيضًا:

اعتذارفلسطيني عاجل إلى الشعب السوري

العلويون.. أبناء الخوف أم رعاته؟!