بيروت بقلبٍ كبير

بيروت بقلبٍ كبير

عاشقان في ساحة رياض الصلح (بلال جاويش/الأناضول/Getty)

كانت بيروت اليوم جواباً لسؤالٍ كبير "كيف ننجو؟"

لا شيء كان كبيروت في 29 آب/أغسطس. كانت مفتوحة مثل قلب. جاءها الناس على اختلاف بيئاتهم وخلفياتهم وأفكارهم، وعلى اختلاف وشوم أجسادهم، إن كانت دينية كسيف الإمام علي أو صليب المسيح، أو ثقافية مثل "رورو" الحبيبة أو بيت شعر من قصيدةٍ لمحمود درويش، جمجمة أو حنظلة. جاءتها فتيات بالتشادور أيضًا، تمهلن قبل السير مع الناس. كنّ خجلات يقفن على الرصيف خلف الشِّباك قبل أن ينضممن إلى الجموع بعد ذلك. وجاءتها صبايا غير ملتزمات دينيًا أيضًا، كانت بيروت هي الصبية التي يحتفي الجميع بها. جاءها من كان غارقًا في وحدته يُحصي خيبات مساعيه، ووجد فيها يدًا ممتدّة إلى فجوته الموجعة. جاء الجميع.

كانت سابقة تاريخية أن يجتمع من تفرّقوا لزمن بعيد على كل شيء

كان كلما وقع نظر بعضهم على الآخر سرت إلى وجهه غرابة واضحة. تلك التي جمعتهم في مكان واحد، وجعلت بينهم صوتاً مشتركًا وجميلًا، إنه الحقّ. لم تكن هذه المرة الأولى التي ينزل فيها الناس إلى الشوارع، لكنها كانت سابقة تاريخية أن يجتمع من تفرّقوا لزمن بعيد على كل شيء. هذه المرة يجتمعون بدعوةٍ من بعضهم البعض، يتظاهرون لأجل أنفسهم، وليس ضدّ بعضهم البعض.

هذه التظاهرة التي راهن كثيرون عليها بالفشل، عبرت إلى هدفها الأول، الاجتماع من أجل الحقوق أولاً، مع صون الثوابت. هذه الثوابت المنسحبة من قناعات المشاركين الفرديّة وخلفيّاتهم الفكرية. كثيرون نزلوا رافضين بعض شعارات حملة "طلعت ريحتكم" الداعية للتظاهرة، لكنهم جاؤوا استنادًا إلى أن الكرامة لا تُجزّأ.

نزل المتظاهرون إلى بيروت والأسى اللاحق بتاريخها أمامهم، في أعينهم، وخلف الأصوات الجاثمة في رؤوسهم. أصوات القذائف، وجوه الزعماء، خطابات الغد الهزيل، البطالة، وهدير الطائرة في المطار قبل الهجرة. كانت هذه الأشياء ساكنة تلمع كالنجوم في أعينهم. جاؤوا لكسر بلادة الماضي وهيبة المسؤولين. جاؤوا ليصارعوا اليأس خارج غرفهم وخلف الشاشات. جاؤوا ليَطمئنّ سائق الأجرة الذي كان ينتظر المتظاهرين ليقلّهم إلى بيوتهم، وهو يصرخ بالناس بأن ما يفعلونه لا يُجدي، "لا يُجدي يا أولادي"، قالها وهو يمسح العرق عن جبينه، ويحلف بحياة أمّه بأنه جرب مع أبناء جيله هذه التظاهرات مرات ومرات ولم تُجدِ نفعاً. جاؤوا ليرتاحَ رأسه. 

كانت بيروت في ذلك اليوم مفتوحة مثل قلب كبير، ويجب ألا يغلق بعد اليوم.


عن بيروت إذ خلعت رداء الطوائف انقر/ي هنا، أما للبقاء على اتصال مع ما يصلنا من ناس بيروت ومحبيها فيمكن الاستفادة من هذا الرابط.