بيرغمان كوبريك كابرا: العيد كمرآة للطفولة والمدينة والذات
22 ديسمبر 2025
في كل عام، تطرق الأعياد بوابات الزمن كما لو أنها أبواب قلعة مغلقة، وكأننا ننسى أننا، في كل عام، نعود لنفعل الشيء ذاته؛ نفشل في الإجابة عن الأسئلة نفسها، وأننا، كما في كل عام، نتفقد الحب، ويقلقنا الحنين، ونشتاق إلى آبائنا، ونلوم أمهاتنا، ونتذكر الهدايا التي لم نتلقَّها، والكلمات التي لم نستطع البوح بها.
التقطت السينما باكرًا "زمن العيد" بوصفه مفهومًا مضغوطًا شعوريًا ومكانيًا وروائيًا أيضًا. فأخذته مرة نحو السنتمنتالية، نحو الفرح والتآخي والغفران والبدايات الجديدة، بينما ذهبت السينما الأكثر واقعية نحو الدراما. وقد لا يأتي العيد بزمن جديد، بل يعيدنا إلى زمن دائري، زمن يعاود المرور على الجرح نفسه.
ما بين آداء الفن والكنيسة: سقوط للدفء العائلي
في "فاني وألكسندر" (Fanny and Alexander)، يستخدم إنغمار بيرغمان اللحظة المكثفة لعيد الميلاد بوصفها عتبةً كاشفة تُختبر فيها الطفولة في مواجهة السلطة. إنها لحظة لا تحمل وعدًا بدفء مخبوء، بل تكشف التناقض بين ما يُعلَن من طمأنينة وما يُمارَس من قمع. وداخل هذا الزمن المكرَّر، واللحظة المستعادة، تعود الذاكرة إلى أصلها، وتتحول الطفولة إلى مساحة هشّة، ويغدو البيت، لا العالم الخارجي، مصدر الخوف الحقيقي.
تدور الرواية/الفيلم حول فاني وألكسندر إيكدال، طفلين ينتميان إلى عائلة مسرحية برجوازية في السويد مطلع القرن العشرين. في أجواء عيد ميلاد صاخبة ودافئة وشبه أسطورية، يموت الأب فجأة، وتتزوج الأم من أسقف متزمت. ومن عالم منفلت، بلا سلطة، يحضر فيه المسرح والخيال، ينتقل الطفلان إلى بيت ديني صارم، حيث تتجسّد السلطة في العقاب، وتأصيل الخوف، واستبدال الأمان بالطاعة، والخيال بالذنب.
أنجز بيرغمان الفيلم عام 1982، وكتبه وأخرجه بنفسه، واضعًا خلاصة تجربته الفنية والفكرية على الطاولة بلا مواربة، إذ يقدّم فيلمًا لا عن معاناة عائلة فحسب، بل عن زمن كامل؛ عن طفولة تُختبر تحت ثقل السلطة، وعن عيد ميلاد يتحول من وعد بالبدايات النقية إلى إعلان مبكر عن فقدان البراءة.
قاربت السينما، في الأفلام الثلاثة، العيد كما لو أنه جرح طفولة صعب الالتئام، ثم، عند النضج، بوصفه خلفية استعارية للفراغ: بين آدم وحواء، بين عاشق وعاشقة، بين رجل وامرأة. فراغ يؤسّس لسوء تفاهم أزلي بين الأفراد والسلطة، أو بين السلطة المتداولة بين الجنسين، أو بين الفرد وذاته
الزينة كقناع للعزلة: "أعين مغلقة لآخرها"
على العكس من فاني وألكسندر، يمثّل العيد في فيلم ستانلي كوبريك "أعين مغلقة لآخرها "(Eyes Wide Shut) نقيضًا حداثيًا: فراغًا مدينيًا "لا شخصيًا"، كأنه ديكور مستعار هجرتْه التقاليد والذكريات. لا عائلة، لا أطفال، ولا مركزية للبيوت بوصفها رحمًا أول. داخل الفيلم، لا مكان للتجمعات الكبيرة، ولا لعدد أفراد العائلات التي تعانق مفهوم "الخصوبة" الروحية والاحتضان. العيد هنا لا يجمع، بل يتجاور فيه الأفراد؛ يتركهم يتحركون داخل مدينة مضاءة، تتحول فيها زينة الميلاد إلى قناع بارد يحاكي العزلة والاغتراب. قد يحرّض العيد عند كوبريك لحظة ذاكرة أو عودة عابرة إلى الطفولة، لكن ما يجيد فعله حقًا هو إلقاء فكرة العيد في تيه أخلاقي، حيث تتفكك الروابط بدل أن تتماسك.
في أعين مغلقة لآخرها، آخر أفلام ستانلي كوبريك، يتابع الفيلم طبيبًا نيويوركيًا وزوجته خلال أيام قليلة من التفكك الصامت لعلاقتهما، حيث تقود الغيرة رحلة ليلية من المكاشفات داخل مدينة مضاءة بزينة خالية من أي دفء. ويقدّم كوبريك هنا نقيض بيرغمان، لا في الشكل فحسب، بل في جوهر الزمن نفسه: من عيد يُنتج الخوف داخل البيت، إلى عيد يُنتج الفراغ داخل المدينة.
ليلة الميلاد وسؤال الوجود الفردي
في "إنها حياة رائعة!" (It’s a Wonderful Life)، تقود ليلة الميلاد جورج بايلي إلى حافة الانتحار، بعدما يشعر أن حياته لم تكن سوى سلسلة من الفشل والتنازلات بلا معنى. يستند فرانك كابرا في فيلمه إلى مرجعيات فكرية ونفسية تتجاوز بكثير تصنيفه كـ"فيلم عيد ميلاد". وتكمن مرجعيته الأولى في مساءلته للأخلاق الإنسانية الليبرالية في صورتها الأميركية التقليدية، حيث تُقاس قيمة الفرد بالنجاح أو المال، فيما يبحث الفيلم عن المعنى، عن الأثر غير المرئي الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين. هذه الفكرة "البسيطة" في ظاهرها، لكنها جوهرية، تُصاغ هنا كتجربة ذهنية قاسية تطرح سؤال الوجود ذاته: ماذا لو؟
ينتمي الفيلم إلى طقس "احتفالي" بتداعيات السؤال الوجودي أكثر مما ينتمي إلى الحكايات المطمئنة. فجورج بايلي يعجز عن أن يكون بطلًا سعيدًا، ويظهر بدلًا من ذلك رجلًا مثقلًا بالاكتئاب التراكمي، الناتج عن مشاعر الذنب وفقدان المعنى، وعن التفكير في الانتحار كحلّ أخير. تعمل لحظة الميلاد هنا كعتبة زمنية تعيد ترتيب الماضي والحاضر معًا؛ لذلك لا يعالج كابرا العيد بوصفه طقسًا دينيًا أو عائليًا فحسب، بل كلحظة محاكمة للذات.
قاربت السينما، في الأفلام الثلاثة، العيد كما لو أنه جرح طفولة صعب الالتئام، ثم، عند النضج، بوصفه خلفية استعارية للفراغ: بين آدم وحواء، بين عاشق وعاشقة، بين رجل وامرأة. فراغ يؤسّس لسوء تفاهم أزلي بين الأفراد والسلطة، أو بين السلطة المتداولة بين الجنسين، أو بين الفرد وذاته. كثّفت هذه الأفلام تنويعات حول تجلّيات الأعياد في الأرواح المتعبة التي نحملها، حيث يبحث الجميع عمّا يمنحه الطمأنينة، لنعود ونسأل: ماذا نفعل بكل الأسئلة التي لم تجد إجاباتها، وبكل ما لم يُحلّ بعد من عقد في "كبكوبة الخيطان" التي لا اسم لها سوى الحياة؟
في السينما الجادّة، تلك التي لا تأتي لإرضائنا أو لمداواة قلقنا، تتكثّف لحظتا الميلاد وبدايات السنة كلحظتين كاشفتين، تتعرّى فيهما العائلة، والمدينة، والذات.
هكذا، كلٌّ بطريقته، حكى الكبار: بيرغمان، وكوبريك، وكابرا، عن العيد، عن جوهره الذي يبقى واحدًا، زمنٌ يُجبرنا على النظر في عمق دواخلنا، إن امتلكنا الجرأة على ذلك.







