بيرام ولد الدّاه والانتخابات الموريتانية.. تقلب بين خطابين

بيرام ولد الدّاه والانتخابات الموريتانية.. تقلب بين خطابين

أصبح خطاب بيرام ولد الداه أقل راديكالية منذ انخراطه في الانتخابات (فيسبوك)

برز اسم بيرامْ ولد الدّاه في العام 2012 في موريتانيا كناشط حقوقي أولًا، ثم كفاعل سياسي بعد ذلك التاريخ بسنتين، وكان صعوده مرتبطًا بقيامه في السابع والعشرين من نيسان/أبريل 2012 بحرق كتب فقهية معتمدة في موريتانيا، بدعوى تبريرها للعبودية، حيث اعتاد بيرام ولد الداه إطلاق وصف "فقه النخاسة" على التراث الفقهي الموريتاني.

تبدو حظوظ بيرام ولد الداه في الانتخابات الموريتانية ضعيفة، نظرًا لفقدانه الظهير القبلي والديني وللدعم المالي، وهذه ما تكون غالبًا مقوّمات النجاح في موريتانيا

كانت تلك العملية، التي يفضّل مناصرو بيرام تسميتها بالمحرقة، خطوةً احتجاجيةً غير مسبوقة في تاريخ حركة الحقوق المدنية الموريتانية، خاصّة منها تلك المعنية بقضايا الحراطين، الأرقّاء السابقين، في موريتانيا. كما كانت لحظةً تأسيسيةً جديدةً لنمط من الخطاب الحقوقي لم يعهده المجتمع. ولأهمّية ذلك الحدث فلقد حرصت منظّمة "مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية" المعروفة بـ"إيرا" التي يرأسها بيرام ولد الداه، على تخليد حدث المحرقة سنويًّا. وفِعلُ التخليد هذا هو فعلٌ يراد منه التأكيد على رمزية معيّنة، تتمثل في نُكران الأبوّة التاريخية، لكن الأهم من ذلك الدلالة على قطيعة تاريخية بين نمط من الاحتجاج الحقوقي سابق على 2012 ونمط آخر من الاحتجاج الحقوقي لاحق على تلك اللحظة التاريخية.

اقرأ/ي أيضًا: تحديات العام الدراسي الجديد في موريتانيا

على إثر إحراق الكتب الفقهية طالت الناشط بيرام ولد الداه تهمة التكفير، وزُجَ به في السجن مع عدد من منتسبي الحركة، حيث حوكموا بتهمة الردة والإساءة لمقدسات وقيم المجتمع، لكن موجة التضامن الدولي مع بيرامْ، أدّت إلى إطلاق سراحه بعد خمسة أشهر من اعتقاله ومُحاكمته.

تمكّنت منظّمة إيرا من الكشف عن حالات عدّة من العبودية، ونالت المنظّمة غير المرخّصة صيتًا دوليًا، واستطاعت في ظرف وجيز أن تُدوّل قضية الحراطين، وتفرض حضورها في أكثر من منصة دولية، من بينها الأمم المتحدة، التي نال بيرام ولد الداه جائزتها لحقوق الانسان سنة 2013، كما نال الجائزة السنوية التي تمنحها وزارة الخارجية الأمريكية في العام 2016، ليكون بذلك أول حقوقي موريتاني يحقق هذه الإنجازات في فترة تاريخية وجيزة.

كما تمكّنت الحركة التي يرأسها بيرام من تحقيق عدة مكاسب قانونية وسياسية، لعل أهمها قانون تجريم الرق الجديد الصادر سنة 2014، والذي ينصّ على أن الرق جريمة ضد الإنسانية، وأنشأ محاكم خاصة بقضايا العبودية.

طموح سياسي موازي للطموح الحقوقي

شهد العام 1978 تأسيس حركة الحراطين الموريتانيين المعروفة بحركة "الحُر"، وقد سعت، إلى جانب تحرير المستعبدين، لممارسة العمل السياسي. فكانت بذلك حركةً حقوقيةً وسياسية في آن واحد، وهو ما جعلها في مرمى الاستهداف من طرف الأنظمة السياسية المتعاقبة في البلاد.

على خطى حركة الحُر عبّرت حركة إيرا عن طموحاتها السياسية، ونأت عن خطاب فصل الحقوقي عن السياسي، فسعت الحركة إلى ترخيص حزب سياسي في نيسان/أبريل 2013 حمل اسم الحزب الراديكالي من أجل عمل شامل "الرّكْ"، لكن السلطة الموريتانية رفضت الترخيص للحزب، بناء على نفس الأسباب التي رفضت بها ترخيص الحركة الأم، بدعوى قيامهما على أساس فئوي. وهو ما طعنت فيه الحركة لدى الدائرة الإدارية للمحكمة العليا بعد أن استأنفت القرار عند وزير الداخلية ولم تتلق ردًا عليه، ليظلّ مشروع الحزب معطّلا.

لكن ذلك لم يمنع رئيس الحركة من شق طريقه السياسي، فقام بيرام ولد الداه بالترشح للانتخابات الرئاسية لعام 2014، والتي حلّ فيها في المركز الثاني بعد الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز، بنسبة 7%، كما تمكّن من دخول البرلمان الموريتاني في العام 2018، على إثر تحالف سياسي مع حزب الصواب ذي التوجهات القومية العروبيّة.

من الراديكالية إلى الاعتدال

خيار الانخراط السياسي لزعيم إيرا بيرام ولد الدّاه اضطرّه للتخفيف من حدّة خطابه، وذلك للوقوف على أرضية خطابية مشتركة مع حلفائه السياسيين الجدد، وذلك بعد منع ترخيص منظمته وحزبه.

كان لافتًا للمراقبين دخول بيرام في تحالف انتخابي سياسي مع حزب قومي عروبي هو حزب الصّواب، وذلك نظرًا إلى أنّ معظم خطابه الاحتجاجي موجّه ضدّ المجموعة العربية، المسؤولة تاريخيًا عن استعباد الحراطين.

التحالف بين حركة إيرا وحزب الصّواب، أثار كثيرًا من نقاط الاستفهام، حيث ذهب البعض إلى اعتباره شكلًا من أشكال الاحتواء، على غرار الاحتواء الذي حدث مع سلفه مسعود ولد بلخير وقطاع كبير من حركة الحُر بتحالفها التاريخي مع الناصريين، في حين يعتبر آخرون أن هذا التحالف الحاصل بين إيرا وحزب الصواب هو مجرّد تحالف انتخابي، وليس تحالفًا سياسيًا استراتيجيًا، من شأنه أن يفضي إلى توحيدهما في إطار جسم سياسي واحد. لكن بالرغم من كلّ ذلك فإن تغيّرًا كبيرًا في خطاب بيرام قد أصبح ملاحظًا، وقد عبّر هو نفسه عن ذلك بقوله إن خطابه الراديكالي كان ضرورة فرضها السياق، وليس غاية في حدّ ذاته.

اقرأ/ي أيضًا: الحمى النزيفية تؤجل الدراسة في موريتانيا

 الحلم الرئاسي 2019

في الخامس والعشرين من آذار/مارس 2019، أعلن بيرام ترشحه للرئاسيات القادمة وسط حشد جماهيري، وفي خطاب الترشّح الذي ألقاه ركّز على قضية الاستبداد والظلم باعتبارها العقبة الأهم أمام موريتانيا. ووصف فترة حكم الرئيس الحالي بعشرية اللهب والفساد، واتهم الأنظمة السابقة برعاية العنصريّة، وفي المقابل عرض رؤية بديلة للإصلاح والقطيعة، تتمثّل في تبني المفاهيم الحقوقية العالميّة ووضع حد لعنفوان القبليّة وهدم الأسس الثقافية للعنصرية، وتجفيف منابع الفساد.

تمكّنت منظّمة إيرا من الكشف عن حالات عدّة من العبودية، ونالت المنظّمة غير المرخّصة صيتًا دوليًا، واستطاعت في ظرف وجيز أن تُدوّل قضية الحراطين، وتفرض حضورها

لكن حظوظ بيرام في الفوز في انتخابات حزيران/يونيو القادمة تبدو ضعيفة، بالنظر إلى القاعدة الشعبيّة الضعيفة لحزب الصّواب الذي ترشّح منه، ونظرًا أيضًا لفقدانه للظهير القبلي والديني وللدعم المالي، وهذه ما تكون غالبًا مقوّمات النجاح في الانتخابات الموريتانية.

 

اقرأ/ي أيضَا:

موريتانيا.. تنديد واسع إثر اعتقال محتجين سلميين

ناشطون محرومون من الحرية والعلاج في موريتانيا