بيج فانزانت.. قتال هجين في حلبات متعددة

بيج فانزانت.. قتال هجين في حلبات متعددة

ساعد القتال بيج فانزانت على إعادة بلورة شخصيتها (Getty)

تُعد بيج فانزانت، المقاتلة في بطولة فنون القتال المختلطة (UFC)، مثالًا على كثير من النساء اللواتي قررن بشجاعة، كشف ما تعرضن له من تحرش واغتصاب في حياتهن، وعدم السكوت من جديد عن هذه الانتهاكات. وربما لم يكن من المصادفة، أن يتزامن إصدار تفاصيل ما تعرضت له في كتاب، مع انتشار حملة MeToo الشهيرة. في هذه المقابلة المترجمة عن صحيفة "الغارديان" البريطانية، توضح فانزانت كيف ساهم القتال في بلورة شخصيتها القوية من جديد، ومواجه هذا الماضي الثقيل، والمليء بالأسى.


تشرح بيج فانزانت، المقاتلة في UFC (بطولة القتال غير المحدود) كيف ساهمت فنون القتال المختلطة في تعاملها مع صدمة الاعتداء الجنسي التي وقعت لها عندما كانت مراهقة، وكيف تستخدم شهرتها لمساعدة ضحايا التنمر وسوء المعاملة الأخريات.

تحدثت فانزانت عن معاناتها لسنوات من التنمر والاغتصاب الجماعي المروع حين كانت في الرابعة عشر في ولاية أوريجون

"بالتأكيد لستُ شخصية انهزامية"، كما تقول، مُفسرة لماذا رفضت في كانون الثاني/ يناير الانسحاب بعدما كسرت ذراعها في الجولة الأولى، واستمرت في القتال لمدة 10 دقائق قبل أن تخسر لصالح جيسيكا روز كلارك في سانت لويس. لشجاعتها في تلك الليلة، وفي مرات أخرى، جذور في ماضٍ مظلم.

تحدثت فانزانت أيضًا عن معاناتها لسنوات من التنمر والاغتصاب الجماعي المروع حين كانت في الرابعة عشر في ولاية أوريجون. ومع ذلك، فقد سخر منها مشجعو الفنون القتالية المختلطة المتشددين لشهرتها أكثر من مقاتلين أفضل منها لأنّها جذّابة وتجذب نوعًا مختلفًا من الجماهير للقتال الدموي في القفص.

قبل أن تتطرق لموضوع الاغتصاب الذي كاد أن يدمرها قبل 10 سنوات، تتذكر فانزانت صمودها أمام كلارك. "كنت راغبة جدًا في إنهاء القتال"، كما تقول بمرح. "لقد عملت بجد للوصول إلى هناك، ولم أكن لأخرج لمجرد ذراع مكسورة."

تمضي فانزانت وقتها بمنزلها في ولاية أوريغون، وتعتني بذراعها بعد العملية الثانية في الشهر الماضي. فشلت العملية الأولى في لحم العظام، وكما تقول فانزانت: "من المعروف أن هذه الجراحة تنطوي على مضاعفات".

"ليس من النادر جدًا أن تكون هناك مشاكل في العظم المكسور. لقد قاموا الآن بتجميع عظامي ووضعها في صفيحة ضخمة. آمل أن ينجح هذا الآن. كنت متيقنة أثناء القتال أن يدي قد كُسرت. سمعتها تنكسر، شعرت أنها قد كُسرت. لم يغط الأدرينالين على الألم، وكان الأمر مؤلمًا جدًا. احتاج الأمر لتركيز عقلي شديد لأقنع نفسي بالاستمرار.

بالتأكيد فكرت فرانزانت في الانسحاب، أليس كذلك؟ "بالتأكيد فعلت. في إحدى المراحل، أطبقت المنافِسة بيدها على ذراعي المكسورة واستمرت في تلك الوضعية بينما أحاول الخروج من ذلك بيدٍ واحدة. كنت أفكر هل أجعل الوضع أسوأ بهذه الطريقة؟ كان هذا أكبر مخاوفي. في الحقيقة، لقد آلمني ذراعي كثيرًا. لكن منعني كبريائي من الانسحاب".

اقرأ/ي أيضًا: نقاشات "#Me_Too" الغائبة عربيًا

تؤكد فانزانت أن الألم العاطفي الذي عانت منه قبل عقد من الزمن كان أسوأ بكثير من معاناتها أمام كلارك. في كتابها ( Rise - الصعود) تقدم رواية قاتمة وجريئة عن سنوات مراهقتها في مدينة نيوبيرغ الصغيرة. بصفتها مشجعة ذات مستوى أكاديمي جيد بالإضافة لكونها رياضية، كانت تتعرض إما للمضايقات أو التجاهل من قِبل الفتيات الأخريات.

وصفت كيف استمتعت بالوهج النادر من الاهتمام الإيجابي حين أبدى أحد الفتيان اهتمامًا بها ودعاها للعب البولينج مع أصدقائه. في وقت لاحق من تلك الليلة، قام الفتى بإرسال رسالة نصية لها لدعوتها للتسكع معهم. ارتكبت بيج -التي لم ترد أن تفقد أصدقاءها الجدد- خطأً وتسللت من منزلها وذهبت إلى منزل الصبي. كانت هناك مجموعة من أصدقائه هناك وكانت هي الفتاة الوحيدة. تقول إنهم أرغموها على الشراب، على الرغم من احتجاجها وبكائها، وعندما كانت ثملة جداً لدرجة لا تستطيع معها الدفاع عن نفسها، اغتصبوها، واحدًا تلو الآخر.

هل شعرت فانزانت بأنها كانت في ورطة بمجرد أن دخلت من الباب؟ تقول بهدوء "نعم". ألم يكن ممكنًا أن تجدي طريقة للمغادرة قبل خروج الوضع عن السيطرة؟ "هذه مشكلة كبيرة بالنسبة للنساء. نحن نتعلم ألا نؤذي مشاعر الرجال أبدًا. نحن بحاجة إلى تعليم النساء أن يدافعن عن أنفسهن. وعندما تجدي ذلك الصوت بداخلك يهتف لا، توقفي، بدلًا من القلق بشأن إيذاء مشاعر شخصٍ ما، ينبغي أن تستمعي إلى نفسك، يجب أن تخبري نفسك أن هذا وضع سيء، أحتاج إلى العودة إلى المنزل الآن دون الشعور بالندم. يجب أن تقول لا للأشياء التي لا تريدها".

تقول إن عذابها بعد تعرضها للاغتصاب ازداد بسبب حقيقة شعورها بالخجل الشديد لدرجة لم تخبر معها والديها أو أي شخص آخر بما حدث لوقتٍ طويل. كما تم تهديدها في اليوم التالي بالاغتصاب من قبل الصبي الذي راسلها. وأخبرها أنهم قد صوّروا فيديو لها وسينشرونه على الإنترنت إذا أخبرت أحدًا بذلك. كانت تعلم أنها تعرضت للاغتصاب بشكل متكرر و"على الرغم من غموض التفاصيل..  إلا أنني شعرت أن الخصر وما أسفله كان وكأنه كدمة واحدة عملاقة".

انسحبت بيج وتقوقعت على نفسها. انتشرت الشائعات حول المدرسة وسرعان ما سمعت الطلاب يتهامسون بكلمات مثل "وقحة" و"عاهرة". الحقيقة أن اسم عائلتها Sletton كان يطاردها - لأن الأطفال أطلقوا عليها اسم "Slutton" (العاهرة).

أصبح التنمر سيئًا للغاية لدرجة اقتراح أمها تغيير لقبها إلى فانزانت VanZant بعد أن انتقلت العائلة إلى رينو. ببطء وبطريقة مؤلمة، أخبرت فانزانت أول صديق لها ثم أخبرت المرشدة الاجتماعية أنها تعرضت للاغتصاب. ساعدوها على العودة إلى ولاية أوريغون للإبلاغ عن الحادث. كانت الشرطة متعاطفة وقالوا إنها تستطيع أن توجه الاتهام عندما تشعر أنها مستعدة.

من الواضح مدى صعوبة حكاية فانزانت لقصتها، لكن هل أدى صعود حملة MeToo# لعدم شعورها بالوحدة؟ تقول فانزانت: "لقد كان من المدهش أن الحركة بدأت مباشرة قبل صدور كتابي. لذلك شعرت بدعم كبير وأنني لم أكن أفعل ذلك بمفردي. شعرت بالتحرر للبوح بالقصة، ولكن الشعور بالألم لا يختفي بهذه البساطة. كما يمثل هذا درسًا مهمًا لتعلم أن ما حدث في هذه الظروف لم يكن خطأك. أريد تغيير تلك الوصمة. أريد أن تشعر النساء بالثقة ليتكلمن. لو كنت قد استجمعتُ قواي وتشجعت قبل تلك الليلة، لما حدث شيء من هذا".

ومن المفارقات، أن فانزانت وجدت صوتها في رياضة عنيفة مثل فنون القتال المختلطة. والدها رجلٌ قاس، يجد من شبه المستحيل أن يمتدحها، ويعتقد أنها لا ينبغي أن تعترف بالضعف، لكنه ساعدها عن طريق نقلها إلى صالة الألعاب الرياضية لتعزيز ثقتها بنفسها. "لقد نجح الأمر. لا يفهم الكثير من الناس القتال أو الغاية مما نفعله. لكن القتال ساعدني في العثور على نفسي. لقد ساعدني ذلك على إدراك أنني امرأة قوية وجميلة وموهوبة. آمل أن تجد النساء والفتيات الأخريات اللواتي واجهن ما واجهته مكانهن حيث يدركن قوتهن وصلابتهن - وأنهن يملكنها داخلهن طيلة الوقت. القتال منحني ذلك".

من الواضح مدى صعوبة قص فانزانت لحكايتها، مع ذلك، أدى صعود حملة MeToo# لعدم شعورها بالوحدة

تتابع: "أنا مختلفة عن الفتيات الأخريات في UFC (وهي أضخم بطولة لفنون القتال المختلطة، وتعرض في 165 دولة). لم يكن طموحي مطلقًا الوصول إلى بطولة القتال غير المحدود. لقد بدأت التدريب فقط لرفع معنوياتي. لقد كنت خفية وخجولة ومنطوية لكنّي اندمجت مع الأمر. شعرت وكأن عائلةً قد تبنّتني في أول صالة ألعاب رياضية. ثم أتيحت لي أول فرصة قتال، وعندما فزت، اكتشفتُ قيمة نفسي. قبل ذلك، كنت عالقة في عقلية الضحية. في القتال وجدت هدفًا لحياتي، وحينها أضحى وجودي على الأرض مهمًا".

اقتحمت فانزانت بطولة القتال غير المحدود في عام 2014، وكان سجلها القتالي يحتوي على 6 انتصارات مقابل هزيمة واحدة عندما واجهت أفضل مقاتلة في العالم، الرائعة روز نامايوناس، في كانون الأول/ ديسيمبر من عام 2015. أثبتت نامايوناس أنها من مستوى مختلف وأجبرت فانزانت على الانسحاب في الجولة الخامسة. ولم تخسر فانزانت منذ ذلك الوقت إلا اثنتين من مبارياتها الثلاث الماضية.

"الخسارة تجعلني أشكك في نفسي"، حسبما تقول. "أشكك بمهاراتي، وأتساءل لماذا أفعل ذلك ولماذا أضع نفسي في هذا الوضع. لكن هذه رياضة قوية. تضع الكثير من طاقتك في القتال، وتضحي كثيرًا، وهكذا يحرر النصر حياتك كلها. لكن عندما تخسر أمام الملايين من المشاهدين، يتحدث الناس عن ذلك لفترة طويلة".

لا جدال على شجاعة فانزانت، لكنها تبدو مغوية بالظهور في برامج تلفاز مثل برنامج الرقص (Dancing with the Stars) وبرنامج الطبخ (Chopped). هل كان ينبغي عليها استخدام هذا الوقت لتحسين مهاراتها في فنون القتال المختلطة؟ "بالطبع لا. لدي هذه الفرص الرائعة. نعم أنا مقاتلة، لكنني أكثر من ذلك بكثير. أنا موهوبة للغاية في العديد من المجالات وسأواصل النجاح داخل وخارج القتال".

اقرأ/ي أيضًا: "الكلام حاشاكم".. حديث مفتوح عن الجنس في المغرب

وبالمثل، فإن فانزانت لا تخجل عندما أسألها ما إذا كان اختيارها الأخير لإجراء جراحة تجميلية - لتكبير الصدر- سيغذي من الشك في أحقيتها القتالية. "لم أفكر في هؤلاء الناس على الإطلاق. تحب الفتيات أن يصبحن أكثر أنوثة. قد أكون لاعبة رياضية ولكن تريد الأنثى أن تكون فخورة بصدرها. (تضحك). صحيح أني اضطررتُ لشراء خاصتي، لكن هذا هو الحال. ولكن ذلك لن يؤثر عليّ كمقاتلة؛ كل شيء مررت به أعدني لهذه المهنة، وأرغب في استخدام ذلك كوسيلة لمساعدة الأشخاص الذين تعرضوا للتنمّر والإساءة".

اقتحمت فانزانت بطولة القتال غير المحدود في عام 2014، وكان سجلها القتالي يحتوي على 6 انتصارات مقابل هزيمة واحدة عندما واجهت أفضل مقاتلة في العالم، روز نامايوناس

إن "الأمر صعب لوجود الكثير من الأشياء السلبية على وسائل التواصل الاجتماعي. حتى الآن أشعر بالاكتئاب. لم أتمكن من التدرب في الأشهر السبعة الأخيرة بسبب ذراعي، ولا أرى أي ضوء في نهاية النفق. لكن كل يوم أتذكر كل الأشياء الجميلة في حياتي؛ لدي عائلة مذهلة؛ لدي خطيب مدهش (ستتزوج الشهر القادم من المقاتل المحترف في فنون القتال المختلطة أوستن فاندرفورد). سوف أقاتل مرة أخرى. إذا شفي ذراعي في غضون ثلاثة أشهر، فسيكون هدفي العودة للقتال في نهاية العام. لكن في بعض الأحيان تستغرق الأمور وقتًا أطول مما نرغب".

منذ ذلك الحين، اعتذرَتْ لها بعض الفتيات اللواتي تنمّرن عليها من قبل، لكن من المؤسف أن نسمع فانزانت تقول إن من المرجح أن تثنيها محنة الذهاب إلى المحكمة عن توجيه الاتهامات ضد الرجال الذين اغتصبوها. كلماتها مزيج مؤثر من الظلام والأمل. "لقد غفرتُ بالتأكيد لمن أساؤوا لي، لكنني لن أنسى أبدًا ما مررتُ به منذ 10 سنوات. أرتدي هذا الصليب كل يوم وأتحمل هذا العبء. لكنني شخص أفضل الآن. لقد قبلتُ ذلك واستطعت إيجاد بعض السلام، لكن الندبة ستبقى إلى الأبد. أتعلمُ كيف أتعايش مع تلك الندبة. لم أكن لأقول إنني سعيدة بما مررت به، لكنني سعيدة حيث أكون اليوم".

 

اقرأ/ي أيضًا:

انفجار ماسورة التحرش الجنسي.. شبكة "CBS" لم تروض "الوحش" تشارلي روز

#أول_محاولة_تحرش_كان_عمري.. شهادات مرعبة!