بول أوستر: كتبت الكتاب على عمى

بول أوستر: كتبت الكتاب على عمى

بول أوستر

مع وصول بول أوستر إلى مدريد، ضمن جولته الأوروبية للترويج لروايته الجديدة والكبيرة 4321، التقته صحيفة الباييس الإسبانية فكان التقرير الآتي، الذي يتحدّث فيه عن طريقة كتابته لروايته، ويفصح فيه عن منظوره للإدارة الأمريكية الحالية.


يعرب بول أوستر صراحة عن تقمصه دور الإله تجاه حياة شخصياته. فقد خلق حيوات ودمرها وفقًا لمشيئته، وغيّر الموجودات بلعبة الصدف التي أقامها. وفي السنوات الأخيرة فعل ذلك بكثافة وعمق أكبر من أي وقت مضى. أقام أوستر أود روايته 4321، وهي الرواية الأولى له منذ سبع سنوات، على أربع حكايات تروي أربح حيوات ممكنة تخيلها لشخصيته الرئيسية: أرشيبالد إسحاق فيرغسون الذي ولد مثله تمامًا عام 1947 في نيوآرك بولاية نيو جيرسي، وترعرع في عائلة يهودية مهاجرة ذات أصول وسط أوروبية. يصر الكاتب قائلًا "لست أنا أرشي، وهذه ليست رواية سيرة ذاتية. هو فقط يشاركني الخط الزمني والجغرافيا، لكنه ليس أنا".

يعرب بول أوستر صراحة عن تقمصه دور الإله تجاه حياة شخصياته الروائية

وصل أوستر إلى مدريد، إحدى محطات جولته الأوروبية لعرض كتابه، والتي بدأت في وقت مبكر من شهر آب/أغسطس، ووجد في استقباله حشدًا من الصحفيين الإسبان الذين استقبلوه استقبال النجوم، لم يحدوهم فقط اهتمامهم بأعماله، بل وبوجهات نظره حول رئاسة ترامب كذلك. أشاد النقاد برواية 4321 باعتبارها الرواية الأفضل من بين رواياته الـ 17. هي بالتأكيد أكثر أعماله طموحًا وذلك بفضل بنيانها الفريد. قال أوستر بهذا الخصوص "لقد حاولت دائماً نسيان ما قمت به في الماضي وإعادة التفكير فيه، وإعادة فحص واختبار أفكاري عن ماهية الكتابة ووظيفتها، وحرصت على تحدي حدودي الذاتية عبر منهجيات ومقاربات جديدة لفن الرواية والسير الذاتية وحتى المقالات".

اقرأ/ي أيضًا: رجل في الظلام.. بول أوستر والسينما

رواية 4321 التي أهداها لزوجته الكاتبة سيري هاستفت، ليست أطول رواياته فحسب إذ يبلغ طولها 960 صفحة، لكنها أيضًا الأكثر ارتجالًا. قال في وصف هذا الأمر "لقد كتبت الرواية على عماي، قافزًا بين الجمل ولم أعلم ما الذي سيحدث تاليًا". كانت النتيجة أن أخرج لنا أكثر أعماله تعقيدًا.

افتتح مؤلف "ثلاثية نيويورك" و"السيد فرتيجو" و"ليفياثان" عصرًا جديدًا من السرد الروائي، يوسع فيه من هوسه بقوة اللا متوقع في تشكيل شخصية الفرد، وذلك عبر حبكة تتطور فيها شخصيته على أربعة مراحل. يشرح أوستر الأمر قائلًا "لا أعتبر نفسي روائيًا بالصدفة، لكن اللا متوقع مكوِّن من مكونات الحياة . ليس هناك تأويلات غامضة أو لاهوتية في رواياتي، أنا أروي القصص التي أحاول من خلال تقديم العالم بالطريقة التي أفهمه بها".

ليس من قبيل الصدفة أن يستعين المؤلف بموضوعين استقاهما من حياته الشخصية. الحدث الأول وقع في الصيف حين كان عمره 14 عامًا، حين علق في عاصفة رعدية قتلت أحد زملائه في المعسكر الصيفي. وقال عن ذلك الحدث "في ذلك اليوم أدركت أن أي شيء يمكن أن يحدث لأي شخص في أي وقت". الحدث الآخر كان موت والده أثناء ممارسة الجنس وهو في سن الـ 66.

تحتوي 4321 على العديد من المقوّمات التي شكلت أعماله الأدبية التي نالت حقها من التقدير في 2006، حين منح أكثر الجوائز الأدبية الإسبانية رفعة وهي جائزة أمير أستورياس. ابتداءً من حسه الفكاهي المميز الذي يقول عنه "الحياة مأساة وملهاة في الوقت ذاته، نحن أناس سخيفون"، ثم ولعه الخاص بالرياضة إذ يقول "في سن الـ 16 فكرت في أن أصبح لاعب كرة قاعدة محترفًا، ثم بدأت سريعًا في قراءة كتب جيدة جدًا، ووقعت في الحب مرارًا وتكرارًا مع فتيات مختلفات، دخّنت وشربت وقمت بكل تلك الأشياء اللذيذة التي يفعلها البالغون، ثم أدركت أن هناك الكثير من الأشياء التي تبعث على الإثارة أكثر من لعب كرة القاعدة".

لا يعتبر ترامب تهديدًا للولايات المتحدة وحدها بل للعالم أجمع، بحسب بول أوستر

يمثّل ضمير أوستر السياسي والاجتماعي ثابتًا آخر في حياته وعمله. تمتلئ رواية 4321 بالحقائق التاريخية من القرن الـ 20. وبالنظر إلى حادثة شارلوتسفيل الأخيرة، يرى الكتاب بأن الأمور لم تتغير كثيرًا في الولايات المتحدة الأمريكية. إذ يقول أوستر "تشجع الإدارة الجديدة الانقسامات الجذرية في البلاد".

اقرأ/ي أيضًا: رسائل أوستر وكوتزي.. طعم الصداقة الإلكترونية

يوجه الكاتب الذي رفض زيارة الدول التي تعتقل الصحفيين مثل الصين وتركيا الكثير من النقد تجاه بلده. بحسب أوستر "لا يعتبر ترامب تهديدًا للولايات المتحدة وحدها بل للعالم أجمع. مجنون ومضطرب نفسيًّا يقود أمة نشأت على أساس شامل لكنها قامت على جريمتين: الأولى هي إبادة سكان أمريكا الأصليين، والثانية هي الاستعباد. "لم تواجه أمريكا هذه القضايا يومًا. الأمر الأهم بالنسبة للصحفيين الآن أن يركزوا انتباههم ويخبرونا بما يحدث، أما مهمة الشعر والأدب فتأتي لاحقًا. لكن الآن علينا أن ننتبه وألا نسمح لأحداث ثلاثينيات القرن الماضي أن تتكرر مجددًا".

 

اقرأ/ي أيضًا:

"أنت قدري": أسرار علاقة دي بوفوار مع عشيقها الشاب في رسائل جديدة

مكتبة لونيس بن علي