بوفون ودوناروما.. تسلم وتسليم

بوفون ودوناروما.. تسلم وتسليم

جيجي الكبير وجيجي الصغير (نيكولو كامبو/Getty)

يدخل الملعب واثق الخطى يستمع إلى صفير الجماهير المشجعة له والشغوفة باسمه وبشعار ناديه الذي يرتديه. يقف في المكان المخصص للاعبي ناديه ثم يناظر لاعبي الخصم متأملًا. يجد في عيون أحدهم متحديًا جديدًا له. أخيرًا، أصبح يرى الخطورة في أعين الخصوم كما رآها المهلهل في عين قاتله. وبينما هو يناظر، تسمرت عيناه على شاب صغير، لم تنبت لحية في وجهه. قال في نفسه لعله هو ذاك الذي يشبهونه بي.

أخيرًا، وريث لأسطورة إيطاليا، جيجي بوفون. الذين رآهم قبلًا لم يكونوا أهلًا. وبينما هو يرى هذا الحارس عاد به الزمن إلى عشرين سنة خلت حيث تذكر أول مباراة لعبها على أرض الميدان. كان يكبر هذا الحارس بعام فقط حينما كان حارسًا لنادي بارما لقد كانت الأعباء هائلة عليه خاصة بوجود لاعبين مثل كانافارو وتورام وكريسبو. كان جيلًا ذهبيًا للفريق الذي مثل إفلاسه العام الفائت إعلان انهيار كرة القدم في جنتها. في أيام بارما كان الخطأ كارثة. لم يكن هذا الشعور يفارق جيجي حين دخل إلى أرضية الملعب.

عمر قميص بوفون 20 عامًا أما عمر دوناروما نفسه فهو 16 عامًا فقط

الخصم هو الديافولو أو البيغ ميلان. تاريخ طويل. لقد كان إحساسًا يملأه التحدي بالإضافة إلى الأعباء التي ما لبثت أن زالت بصافرة النهاية، وانتهاء المباراة بالتعادل السلبي. حينها أحس بوفون بأنه سيصبح ذا شأن كبير وأن العالم لن يتوقف عن ذكر اسمه لسنين. فقد رأى ذلك في أعين اللاعبين والمدرب وفي مقالات الصحف وفي تصريحات اللاعبين الكبار، الذين ما لبثوا أن أطلقوا التصريحات التي جعلته أكثر ثقة وتحديًا من ذي قبل.

لم ينس جيجي تلك اللحظات أبدًا وفي غفلة من الزمن مد الحارس الصغير يده ليصافحه. دوناروما، حارس ميلان، ستة عشر عامًا فقط. استفاقت ذكريات بوفون، وبادره التحية ناظرًا إلى عينيه متأملًا. لقد رأى نفسه في حارس ميلان الصغير.

ذهب كل من الحارسين إلى مكانه في أرضية الملعب يحمل كلاهما أحلامًا مختلفة عن الآخر. تمركز جيجي الصغير في عرينه متلفتًا خلفه وأمامه، ليعاين المكان أما جيجي الكبير فقد قادته قدماه إلى المرمى من دون أن ينظر حتى أمامه. لقد حفظ طريقه الأبدي عن ظهر قلب. لا مبالغة في القول، إن بوفون يحفظ مستوى ارتفاع العشب في منطقة الجزاء.

ضرب قدميه إلى القائم مثل عادته منذ عشرين عامًا، وانتظر صافرة البداية التي لم تتأخر. وفي خضم اللعب وتألق كلا الحارسين، ازداد عبء المباراة على جيجي الصغير. كان بوفون يعلم ذلك كيف لا وفي قفازاته خبرة السنين الماضية. فلو تكلم قفازه لقال إنه ملَّ من حمل الكؤوس والتتويج وإحباط المهاجمين والدفاع عن عرين اليوفي وإيطاليا. لكن بوفون لم يتعب بعد.

في غفلة من الحارس الشاب أسكن مهاجم اليوفي الكرة داخل مرمى الميلان معلنًا تقدم اليوفي. حينها ابتسم صاحب السبعة والثلاثين عامًا ابتسامة خبيثة مخبئة خلفها الكثير من الأسرار فقد علمته السنين متى يبتسم ومتى يحزن ومتى يقلق أو يخاف. جيجي بوفون هو أفضل حارس في آخر عشرين سنة وأفضل حراس إيطاليا على الإطلاق. وكلما تقدم الوقت كان يعلم في قرارة نفسه أنه سيربح الرهان أمام جيجي الصغير.

وبالفعل لم تتأخر صافرة الحكم لكي تعلن فوز اليوفي على ميلان في كلاسيكو إيطاليًا مانحًا اليوفي ثلاث نقاط مستحقة. لكن قبل خروج اللاعبين من الملعب ذهب بوفون إلى الحارس الشاب. نظر الحارسان إلى بعضهما البعض. رأى بوفون بعيني دوناروما خليفة له لما يحمله من إصرار.

لم يرى انكسارًا أو خيبة. ابتسم بوفون ثم قام بتقديم قميصه إلى دوناروما. القميص رقم 1 في إيطاليا وفي العالم. ربت على كتفه وذهب في طريقه. نظر جيجي الصغير إلى القميص فرأى الرقم 1. عمر هذا القميص عشرون عامًا، ودوناروما نفسه عمره ستة عشر عامًا فقط. التوقعات ستصدق: جيجي الصغير سيكبر يومًا، سيصير الرقم 1.

اقرأ/ي أيضًا:
عندما ربحت إيطاليا كأس العالم
حروب المدرجات في الكالشيو من روما إلى ميلانو