"بوغونيا": اختبار لانثيموس الأقل احتفالية
10 نوفمبر 2025
يُعرف يورجوس لانثيموس بصرامته الجمالية، وببنيته السينمائية التي تميل إلى التجريد والتقابل والدوائر المغلقة في السرد. هو مخرج يتعامل مع الصورة كما لو كانت كائنًا عضويًا يتنفّس ببطء، تتحرك داخله عناصر التنافر البصري والمفارقة الأخلاقية بانتظامٍ أشبه بالموسيقى. منذ أفلامه الأولى مثل"الكركند" (The Lobster)، و"المفضّلة" (The Favourite)، و"مخلوقات مسكينة" (Poor Things)، رسّخ لانثيموس أسلوبًا يحتفي بالعنف بوصفه أداة لتفكيك العبث، وبالراديكالية التخريبية بوصفها ردًّا مشاغبًا على الأنظمة القائمة.
لكن في فيلمه الجديد "بوغونيا"، وهو اقتباس عن الفيلم الكوري "أنقذوا الكوكب الأخضر" (Save the Green Planet!)، يبتعد لانثيموس قليلًا عن تلك الهندسة الصارمة التي ميّزت أعماله السابقة. تختفي الاحتفالية الأوركسترالية التي كانت تمنح مشاهده بناءً متداخلًا ومتعدد الطبقات، لصالح سرد "خطّي" أكثر استقامةً، كأن المخرج اختار اختبار البساطة بعد سنوات من الدوائر المعقدة.
يتقدّم الفيلم هنا دون الالتواءات الزمنية التي لطالما منحت أعمال لانثيموس فرادتها. وحتى ثيمة العنف التي كانت مدروسة ومحمولة على بعد فلسفي أو أخلاقي، بدت هنا عبثية واستعراضية، كما لو أنها مستعارة من ألعاب العنف في أفلام كوينتن تارانتينو مثل "اقتل بيل" (Kill Bill) و"الثمانية الكريهون" (The Hateful Eight).
بهذا المعنى، يبدو «بوغونيا» تراجعًا بقدر ما هو انزلاقٌ واعٍ نحو فضاء الإنتاجات الكبرى. الفيلم يظهر كعملٍ ممول بضخامة ومشغول بعناية، لكنه يفتقد التماسك الداخلي الذي جعل من لانثيموس أحد أبرز صانعي السينما المستقلة في العقدين الأخيرين. وكأنه هنا يختبر حدود سلطته الإخراجية ضمن النظام الصناعي.
ومع ذلك، يقدّم "بوغونيا" للانثيموس مساحة مختلفة للتنفس، واختبارًا لتوازن جديد بين الصنعة والحدس، بين الفكرة وجاذبيتها البصرية. فبينما كانت أفلامه السابقة تشيّد عوالم مغلقة على قواعد صارمة، يسمح هذا الفيلم بعفوية ولعب، كأنه يختبر هشاشة نظامه السينمائي نفسه.
ما يقدّمه "بوغونيا" ليس قفزة إلى الأمام ولا عودة إلى الوراء، بل انعطافة تأملية في منتصف الطريق، حيث يتساءل المخرج عن معنى السيطرة في الفن، وعن حدود الجمال عندما يُصنع بشكل كامل أكثر مما يُعاش.
عن "بوغونيا"
في نسخته الجديدة، يُعيد لانثيموس كتابة حكاية المخرج الكوري جانغ جون هوان (2003) من منظورٍ غربي. تدور القصة حول مربي نحل مهووس بنظرية المؤامرة، حيث يعتقد أن الرئيسة التنفيذية لشركة أدوية عملاقة ليست بشرية، بل كائن فضائي جاء لتدمير الأرض. وهكذا يبني الحكاية متنقلاً بين عوالم الكوميديا السوداء والخيال العلمي والدراما النفسية، محوِّلًا حدثًا رمزيًا كالاختطاف إلى طقسٍ تطهيري تتقاطع فيه الهلوسة والعنف مع البحث عن العدالة والنجاة.
أُعلن عن الفيلم لأول مرة عام 2020 من قبل شركة الإنتاج الكورية (CJ ENM) بوصفه مشروعًا مشتركًا بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة. تولّى لانثيموس الإخراج رسميًا عام 2024، وتوزّع الإنتاج بين (Focus Features) و(Element Pictures). بلغت ميزانيته نحو 50 مليون دولار، وهي الأعلى في مسيرة لانثيموس.
عُرض الفيلم لأول مرة في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي عام 2025، حيث قوبل باستقبال نقدي متباين بين مرحّب ومشكك.
"بوغونيا" ليس مجرد عنوان
من الأسطورة الإغريقية (Bugonia) استلهم الفيلم اسمه، وهي تصف ولادة النحل من جثة الثور المتعفنة. ترمز الكلمة في اللاتينية إلى الحياة التي تنبع من التحلل، وفساد المادة، والخلق الذي يولد من الخراب. في سياق الفيلم، تتحوّل هذه الفكرة إلى استعارة معاصرة: عالم يحاول توليد الأمل من جثة الكوكب، واستعادة الإنسانية من داخل الشركات التي تستهلكها.
"بوغونيا" فيلم عن وهم إعادة إنتاج الخراب من مادته ذاتها. وهنا يكمن أيضًا فحوى ما يقدمه الفيلم من خلال لانثيموس: تحدٍّ جديد لإعادة تعريف العلاقة بين الدمار والخلق، سواء في السينما أو في الحكاية نفسها.
الشراكة الرابعة بين لانثيموس وإيما ستون
يمثّل الفيلم التعاون الرابع بين لانثيموس والممثلة إيما ستون، حيث تجاوزت العلاقة بينهما حدود الإخراج والتمثيل لتصبح شراكة فنية كاملة؛ فهي أيضًا منتجة تنفيذية، ما يمنحها دورًا في صياغة الرؤية. وجود ستون في الفيلم يضيف طبقة إضافية من المعنى، إذ يتيح للأنوثة أن تتقاطع مع العنف، وللنظام أن يُطبّق ويُضبَط، ويقود من خلال الجسد الأنثوي لا بالتضحية به. ومع أن حضور إيما ستون المتكرر في أفلامه قد يفتح سؤال الملل والتكرار، إلا أن موهبتها شديدة الحضور تلغي مشروعية هذا التساؤل، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن علاقة ثقة نادرة بين مخرج وممثلة، علاقة تشبه المختبر الفني الذي لا يُختبر فيه النص فقط، بل الإنسان الذي يؤديه.
ومع ذلك، يبقى السؤال معلقًا حول مدى جوهرية الإضافة التي يشكّلها "بوغونيا" في مشروع لانثيموس الفني. فالفيلم، رغم أناقته البصرية واتساع إنتاجه، لا يبدو أنه يفتح أفقًا جديدًا بقدر ما يعيد تدوير هواجس المخرج داخل قوالب أكثر ترفًا وأقل مغامرة. كأن لانثيموس، الذي اعتاد خلخلة قواعد اللعبة السينمائية، اختار هنا أن يلعبها كما هي، مكتفيًا بذكاء الصنعة دون جموح الرؤية. هل أراد اختبار حدوده ضمن نظام الإنتاج في الاستوديوهات الكبرى، أم أنه سلّم بأن هذا النظام، الذي تجاهله سابقًا، بات جزءًا من لغته؟ سؤال يبقى مفتوحًا، وربما هو القيمة الوحيدة التي يتركها لنا الفيلم حقًا.







