"بوسطجي" السماء يودع الرسالة الأولى لصبري موسى

صبري موسى بورتريه لـ محسن منصور/ مصر

في ليلة الثامن عشر من كانون الثاني/ يناير 2018، ليلة هادئة لا تختلف عن باقي الليالي اختار فيها "بوسطجي" السماء الروائي المصري صبري موسى كي يودعه رسالته هذه المرة ويخبره أن عليه الرحيل من تلك "الأمكنة الفاسدة"، عليه أن يترك "حقل السبانخ" إلى بساتين الخلد وأنهار النبيذ والعسل.

رحل الروائي المصري صبري موسى دون ضجة ودون تقدير يعطيه قدر حقه

رحل الروائي المصري صبري موسى دون ضجة ودون تقدير يعطيه قدر حقه، رحل بعد أن ترك أعمالًا مميزة في المكتبات العربية، ولسوء الحظ لم يكن إنتاج صبري موسى الأدبي كثيفًا، فلم يترك لنا إلا بضعة أعمال.

اقرأ/ي أيضًا: محمود عوض.. "عندليب الصحافة" الذي مات وحيدًا

من هو صبري موسى؟

صبري موسى روائي وقاص وسيناريست مصري، امتهن الصحافة لفترات طويلة من حياته. ولد صبري موسى في مدينة دمياط عام 1932، وكحال أهل القرى والأقاليم لم يحب الضجيج أو الظهور الإعلامي، عاش في صمت وهدوء ورحل دون ضجّة، كتب للسينما سيناريوهات خالدة كفيلم "البوسطجي" وفيلم "الشيماء"، وكذلك سيناريو فيلم "قنديل أم هاشم"، وله مجموعات قصصية أبرزها "حكايات موسى صبري"، فضلًا عن روايات "السيد من حقل السبانخ" و"حادث النصف متر"، وروايته الأشهر "فساد الأمكنة"، وغيرها من الأعمال الأخرى.

حكايات لم يروها

كتب الروائي المصري أدهم العبودي على صفحته الشخصية، لائمًا مثقفي مصر "ما أحقركم أيّها المثقّفون؟! كان صبري موسى أمامكم وبين أيديكم، ولم تكرّموه كما ينبغي، وكنتم تملكون هذا، وكنتم تملكون الثّقافة بأسرها، من جوائز لندوات لخلافه، أمّا أنّكم آثرتم البكاء عليه بعد رحيله، فهذا والله ازدواج، وتلفيق، ما أحقركم؟".

وحكى الشاعر المصري جمال بخيت كيف ساعده صبري موسى في بداية طريقه، فكان أول من استقبله شابًا في مجلة "صباح الخير"، واختاره صبري موسى مع الصحفي والإعلامي محمود سعد وزينب صادق للإشراف والمساعدة في تحرير باب "نادي القلوب الوحيدة" وهو أشبه لبريد القرّاء يرسلون الخطابات والمشاكل التي لا يملكون الجرأة في الحديث عنها مع أي مخلوق أو بإعلان هويتهم على الملأ، وعلى بخيت وسعد وزينب مسؤولية فرز تلك الخطابات وتبويبها بعد قرائتها والتعليق عليها.

ويحكي الزميل الصحفي وائل توفيق عن موقف صعب مر على صبري موسى، عندما راسله أحد الصحفيين لعقد حوار صحفي معه، واتفق معه صبري موسى أن يزوره في منزله لعقد الحوار، كان صبري موسى نائمًا واستيقظ في الوقت الذي وصل فيه الصحفي تقريبًا، ولم يكن جاهزًا بعد وكان جالسًا على كرسي متحرك نظرًا لمرضه، فأخذ المراسل في تصويره على تلك الهيئة وأرفق الصور مع الحوار لتُنشر في المجلة، وحزن صبري موسى بشدة عندما شاهد هيئته على صفحات المجلة، دون أن يراعي ذلك المراسل أخلاقيات المهنة أو المشاعر الإنسانية.

أخيرًا، يسرد الصحفي أسامة الرحيمي تجربته الإنسانية مع صبري موسى قائلًا: "بعد حصوله على جائزة الدولة التقديرية، طلبته لأحاوره حول أعماله التي أغرمت بها قبل مجيئي إلى القاهرة، فحدّد لي صبري موسى موعدا في مجلة "صباح الخير"، وبدا عليه التردد في بداية الجلسة، فناولته أوراق الأسئلة فانفرجت أساريره بدرجة ملحوظة بعدما تأكد أنني قرأت رواياته وقصصه،  وقال "خلينا نبدأ". كتبت إجاباته بخط سريع وحين انتهينا طلب من أحد السعاة أن يصور له أوراقي كلها فقلت "لكن خطي مشوش ولا يعرفه غيري"، فقال باسمًا: "أنا صيدلي أفك خط الأطباء" وضحكنا.

لا يقدّم صبري موسى نصائح ومواعظ، كما لا يقدّم حلولًا، إنما يستعرض مشاكل وصراعات وآلام بشرية برمزية شديدة

كان أول أديب يصوّر ورقي، لكني قدّرت معاناته من اجتهادات بعض زملاء نسبوا إليه كلامًا ليس دقيقًا ولا يشبه تفكيره فالتمست له عذرًا، ولم يصلني منه أية ملاحظات على الحوار بعد نشره، وقبل سنوات أخبرتني زوجته الأستاذة أنس الوجود، أنه يتابع حواراتي باهتمام منذ قابلته، وظللت أفكر في الذهاب إليه لمحاورته ثانية، لكن كثرة الانشغالات عطلتني إلى أن فاجأنا القدر".

الإنسان والمكان في أدب صبري موسى

ينفرد أدب صبري موسى بالمزج بين المكان الذي تدور فيه الأحداث والإنسان المحرّك لتلك الأحداث، حتى لا تعلم أيهما بطل الرواية؟ هذا الخلط البديع يشعرك بأحاسيس فريدة، فتتخيل حزن الأماكن وفرحتها وكآبتها وتساؤلاتها، كمن بُث فيه الروح وتشعر بتلك الروح التي خلقها موسى في الأماكن ليحيلها بشري، كما يشعرك برحابة الإنسان أو ضيقه، بألوانه الداخلية وطرقات روحه الوعرة؛ مزيج مدهش لانسجام الشخصيات وتداخلها مع مكان الحدث.

اقرأ/ي أيضًا: مصر التي بناها الصنايعية

الدهشة والفوضوية ما يميز أدب موسى، فالمحرك الأساسي لأحداث "فساد الأمكنة" كان دهشة البطل وكثرة تساؤلاته، كالطفل الذي يتعرف على العالم من جديد، وفي تلك التساؤلات وعي البشر وبؤسهم، لذا من يعيش كالأنعام بلا تساؤلات يحيا سعيدًا بلا وعي وبلا ألم وبلا مشاعر إنسانية، والفوضى كذلك التي يخلقها موسى في أعماله من خلال التمرد على الروتين والعالم المسيّر كالآلات، لا مفر من الفوضى، فذلك الروتين الممل فوضوي من الأساس، والتمرد عليه أيضًا يدفعنا إلى فوضى من نوع آخر.

لا يقدّم موسى نصائح ومواعظ، كما لا يقدّم حلولًا، إنما يستعرض مشاكل وصراعات وآلام بشرية برمزية شديدة وخيال واسع، يأخذك من إلى مكان الحدث لدقائق كي تعود إلى واقعك بالإسقاطات التي عبث بها في وجدانك.. عرف صبري موسى كيف يحاور وجدان القرّاء جيدًا، وكيف يلعب بالأفكار والمشاعر.

 

اقرأ/ي أيضًا:

محمد ربيع.. ما حدث في يناير انتهى

"أن تحبك جيهان".. مجتمع على الحافة