بوتين يسرق الضوء من سُليماني

بوتين يسرق الضوء من سُليماني

بوتين ليس عراقيًا (STR/أ.ف.ب/Getty)

سُليماني يرتدي الدشداشة والعقال العربي في العراق. بوتين يُلبَس العِمامة السوداء. قائد فيلق القدس الإيراني يقف مع المقاتلين العراقيين (الحشد الشعبي) في جبهات القتال. يأكل معهم، يتبادل النكات مع القريبين منه، بلهجته العربية الفصحى كان سُليماني قادرًا على التواصل مع الآخرين في العراق.

أثناء تواجد سُليماني في العراق لأشهر طويلة، كان هو الرجل الأكثر حضورًا في مواقع التواصل الاجتماعي وأكثر الأسماء تداولًا في العراق. كانوا يسمونه "الرجل الحديدي" في محاربة تنظيم "داعش". كان الذراع العسكري لإيران في المنطقة ومسؤولًا غير مباشر عن الخطط العسكرية في العمليات التي تجري شمال وغرب العراق.

لا حديث في تلك الأشهر سوى سُليماني. ولا سُليماني الآن بوجود بوتين. الزعيم الروسي يدخل على الخط منافسًا صديقه الإيراني في الساحة العراقية. نجم جديد الآن في بروفايلات العراقيين على الفيس بوك. وسامة بوتين وبياض بشرته ورشاقته، عوامل ستطغى على سُليماني.

الرجلان قريبان من بعضهما، مهنيًا، فالزعيم الأبيض كان ضابطًا في المخابرات الروسية، أما الإيراني فدوره الأمني كبير، حيث يقود فيلق القدس الإيراني، بالإضافة إلى كونه محركًا للخطط الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة والعالم.

الشخصية القوية التي يتمتع بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتاريخه العسكري والشخصي وتواجده ضمن عناصر الـ(KGB) يضعه في خانة الشخصيات الأكثر إعجابًا في العالم للكثيرين من محبي هذا "الفتيش". هذه المرة بوتين أصبح حصريًا لـ"البوتونيين" الجُدد، لا يُمكن أن تتحدث عن روسيا وزعيمها الأشقر بسوء، وإلا...!

أبو ماريا وكاترينا اسمه الآن "أبو علي" في العراق

أبو ماريا وكاترينا، الذي حصل عام 2014 على أكثر الملوك والرؤساء في العالم تأثيرًا، اسمه الآن "أبو علي". كثيرون في العراق وسورية كتبوا عن وجود ابن لزعيم روسيا اسمه علي، لكن الحقيقة عكس ما يكتبون، فلهذا الدب الروسي ابنتان لا غيرهما، لكنهم وجدوا فيه شخصًا يليق بأن يكون له ابن مثلما يريدون.

كثيرون يعتقدون أنه "شيعي"، وآخرون يرون فيه المُخلص الآني للعراق، وما زالوا يعتقدون أن له قضية تخص العراق وسورية في خصامه مع الولايات المتحدة الأمريكية. هو يتصادم معهم لأجل روسيا لا لأجلكم، لا سورية تعنيه ولا العراق ولا أية روابط أخرى مع العرب، إن وجدت.

روسيا التي روجت مع إيران ومحورهما إلى فشل التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، تُحاول الآن أن تكون الراعي الرسمي لتحالف جديد بقيادتها، لكنه في الحقيقة ليس تحالفًا وإنما تعاون آني قد ينتهي مع انتفاء الحاجة إلى العراق وسورية.

في برنامج (الفوتوشوب) ألبسوا بوتين عمامة سوداء وكتب عليها أحدهم ( آية الله العظمى السيد فلاديمير بوتين). هذا التقريب المباشر لشخصية الرئيس الروسي من المجتمعات التي تُعرف دولها بـ"دول محور الممانعة"، يكاد يُجبر بوتين على أن يكون جزءًا من البيئة التي يعيشونها، على عكس الغاية الأهم التي يجب أن يحصلوا عليها من أبي ماريا. هم يريدونه أن يكون شيعيًا، غير آبهين لاستثمار مواقفه تجاه قضاياهم.

يمكن القول إن هذه المجتمعات تريد كسب الرجل الأورثوذكسي أكثر من كسب طائرات السوخوي التي يمتلكها والأسلحة المتطورة التي تُسهم في مساعدة جيوشها على محاربة التنظيمات الإرهابية. للأسف لا يُمكن تخيل مسيحي أن يقوم بمساعدتنا حتى لو كانت له مصالح. تطرفنا ونظرتنا الأحادية تُحتم علينا أن يكون الجميع مثلنا.

لماذا نُريد الجميع أن يكون مثلنا؟ لماذا الاعتقاد بأن جميع البشر يجب أن يكونوا متشابهين؟ بكل تأكيد لا يُمكن أن نكون جميعنا مثل بعضنا. نحن كائنات أبداننا قد تتشابه، لكن أفكارنا وتصوراتنا ونظرتنا لما حولنا قد تختلف. لا بالتأكيد تختلف، فالآخر ليس بالضرورة أن يكون منتميًا لبيئتي وديانتي الخ. أفعاله هي من تُحدد ذلك.

فجأة تحول بوتين الذي كان يدعم نظام صدام حسين إلى بطل عالمي، يُحبه ويُناصره من كان يقف بالضد من صدام. هل ستكون شجاعًا وتقول في بوست صغير على الفيس بوك إن "بوتين غير قادر على مساعدة العراق وسورية"؟ قد تتمكن من كتابة هذا الأمر، لكنك قد تواجه كمًا كبيرًا من الشتائم، حسب الكتلوك.

فجأة تحول بوتين الذي كان يدعم نظام صدام حسين إلى بطل عالمي

"هيلا عليهم هيلا.. بوتين بعده بحيله". يكتب أحد المغردين على الفيس بوك متغنيًا بالرئيس الروسي. في المقابل سجل منشد عراقي أنشودة باسم سُليماني. آخرون ينشرون صورًا لشرطيات وجنديات روس ويدعون لهن بالنصر. فسيقانهن المستقيمة وشعرهن الأصفر ورشاقتهن القاتلة، تبدو هي الأقرب للناس من أي صاروخ قد يوجه إلى التنظيمات الإرهابية. قبل ذلك كانت صور سُليماني الأكثر تداولًا منهم.

الآن، يُمكن القول أن انشغال سُليماني في أحداث اليمن، والمحاولة الكبيرة من قبل روسيا إلى إعادة هيبتها ودعم حلفائها، منح بوتين فرصة الحصول على مكان ضمن نقاشات وأحاديث الشعب العراقي الذي يُبجل بوتين الآن بشكل فيه نوع من الإفراط. والحقيقة أنه سرق الأضواء، ليس من العراق، إنما من سلفه، سليماني!

اقرأ/ي أيضًا:
بحث عن يسار "إنسانيّ" في سوريا
بغداد.. سلام وعزف و"كاتيوشا"
بغداد.. الساعة الخامسة والعشرون