بوتين ساعد أردوغان وفتح له طريق جرابلس

بوتين ساعد أردوغان وفتح له طريق جرابلس

الدبابات التركية فى مدينة جرابلس السورية

قبل أيام قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بزيارة روسيا للقاء نظيره بوتين، أردوغان كان قد خضع لشرط بوتين بتقديم اعتذار علني عن إسقاط المقاتلة الروسية فوق سوريا في 24 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، بعدها أعلنت الحكومة التركية استعدادها لإعادة العلاقات مع الدولة السورية والعراقية.

وكعربون للصداقة والتحالف القادم قام الرئيس بوتين بإغلاق مكتب يمثل الأكراد في موسكو، وأوعز لقوات الأسد بضرب قوات صالح المسلم الكردية الذين منحهم الأسد ذاته الحكم الذاتي في إدارة مناطق الشمال الشرقي في سوريا واعتبرهم حلفاءه السابقين في مواجهة معارضيه.

قام طيران الجيش السوري بقصفهم في عقر دارهم، وكأن هذه العملية كانت نقطة الإيعاز لأردوغان بدخول جرابلس وبدء عملية واسعة يقودها أردوغان بمساعدة قوات من الجيش الحر تدعمها تركيا. هدف العملية بعد جرابلس هو منبج هذه المدينة الاستراتيجية التي سيطر عليها الأكراد بعد طرد داعش منها، ورغم أن السيطرة كانت بمساعدة قوات من الجيش الحر، إلا أن الأكراد وبدعم من أمريكا وقوات التحالف تمكنوا من إخضاع المدينة لسيطرتهم، ولكي تستمر اللعبة منح بوتين لأردوغان فرصة الزج بقوات الجيش التركي أخيرًا بعد انتظار دام ست سنوات في عمق الشمال السوري.

كعربون للصداقة والتحالف القادم قام الرئيس بوتين بإغلاق مكتب يمثل الأكراد في موسكو، وأوعز لقوات الأسد بضرب قوات صالح المسلم الكردية

اقرأ/ي أيضًا: ثلاثة أسباب للتقارب الإيراني التركي

لهذا الأمر معانٍ استراتيجية كبيرة، لاسيما أن هذه التطورات الميدانية تأتي بعد حدثين مهمين: الأول انقلاب مفاجئ كاد ظاهريًا أن يقضي على حكم رجب الطيب أردوغان المعني بتطورات الصراع في شمال سوريا، حيث الدولة الكردية التي تسعى الولايات المتحدة لتكريسها في الشمال السوري، والثاني هو التطور المرتهن دائمًا بالتطورات الميدانية، فمع كل منعطف عسكري دراماتيكي يجتمع لافروف وكيري للتحضير لجمع الأطراف السورية في جنيف وهو ما يجري الآن.

بالنسبة للانقلاب على أردوغان كان واضحًا أن خلفه أجهزة مخابرات أوروبية ومن غير المعقول أن يتم بدون علم أمريكا، خاصة أن ما أسماه الإعلام الروسي "الجناح الأمريكي في الجيش التركي" هو من كان يقف خلفه وعلى رأسهم القائد العام للجيش الثاني اللواء آدم حدوتي، ورئيس أركانه عوني آنغون، وقائد الجيش الثالث الجنرال إردال أوزتورك وهم المسؤولون عن حماية الحدود من سوريا جنوبًا مرورًا بالحدود مع العراق وإيران ووصولًا إلى أرمينيا والبحر الأسود، وكان من أبرز قادته شخصية هامة وبارزة وهو قائد قاعدة إنجرليك الجوية الجنرال بكير أرجان، إضافة لقائد القوات الجوية السابق الفريق أول أكن أوزتورك وغيرهم.

يمكننا النظر إلى عدم ثقة أردوغان بقائد الجيش الثالث المشارك بالانقلاب للقيام بعملية عسكرية كالتي يقوم بها اليوم في سوريا، ويمكننا أيضًا اعتبار أن الانقلاب أتاح لأردوغان التخلص من خصم غير مأمون الجانب حليف لأمريكا التي تسعى لتقوية حليف آخر يكون شوكة في خاصرة تركيا وهم الأكراد، ولا ننسى أن أمريكا تبني منذ فترة قاعدة عسكرية في مدينة رميلان شمال شرق سوريا وفي مناطق الحكم الذاتي الكردي بشكل يمكنها من الاستغناء عن قاعدة أنجرليك العسكرية كقاعدة لقوات حلف شمال الأطلسي.

لنتذكر واحدًا من أوائل الأخبار التي حرص المسؤولون الأتراك على تسريبها والانقلاب لا يزال مستمرًا: كان خبر مقتل أحد الطيارين اللذين أسقطا القاذفة الروسية فوق سوريا في 24 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، بشكل أظهر فيه المسؤولون الأتراك أن هذا الطيار الانقلابي هو السبب في تأزيم العلاقات مع روسيا وليس أردوغان الذي قدم الاعتذار عن هذا الفعل، ثم حسم أردوغان نفسه الأمر ليعلن أن الطيارين اللذين أسقطا القاذفة الروسية فوق سوريا شاركا في الانقلاب وقد تم اعتقالهما.

لنكن واضحين، المصالح التي تجمع تركيا أردوغان وروسيا بوتين أكثر ما تجمعهما مع أوروبا أو أمريكا، لنلاحظ أن استثمار ورقة اللاجئين السوريين المنطلقين من تركيا إلى أوروبا كالسيل الجارف كان له دور يتضح شيئًا فشيئًا في صعود اليمين المتطرف الداعم لروسيا ويضعف من سلطة وسطوة الاتحاد الأوروبي على الدول الأوروبية.

لنكن واضحين المصالح التي تجمع تركيا أردوغان وروسيا بوتين أكثر مما تجمعهما مع أوروبا أو أمريكا

اقرأ/ي أيضًا: اختبار النوايا في الحسكة

حاول أردوغان أن يفرض نفسه على أوروبا من خلال اللعب بحنكة في ورقة اللاجئين السوريين الموجودين بكثافة، كون تركيا عمليًا هي أكبر دولة تحملت عبئهم على أراضيها، لكن بعد "حرب اللاجئين" التي شنها أردوغان بشراسة على أوروبا -مستفيدًا من حنكة المافيات الروسية المتحكمة بطرق التهريب البرية ومستفيدًا من حنكة المافيا التركية المتحكمة بالطرق البحرية- نجح في لي ذراع أوروبا، للخوض معه في إجراءات عملية لبدء انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ومنح الأتراك ميزة دخول أوروبا كما لو كانوا مواطنين أوروبيين، قبل أن تتأزم الأزمة مع أوروبا لتتوقف هذه المحادثات. لكن لبوتين حصة الأسد في "حرب اللاجئين" تلك، فهي التي ستمكن اليمين المتطرف حليفه إلى حكم القارة العجوز.

كل رسائل المسؤولين الأتراك خلال الأربع والعشرين ساعة من عمر الانقلاب كانت تتوجه بالاتهامات المباشرة للولايات المتحدة، ما اضطر الزعيم الأمريكي بذاته ووزير خارجيته لدعوة أردوغان لضبط النفس وعدم توجيه الاتهامات كي لا تتأثر العلاقات بينهما. وسائل الإعلام الأوروبية المحلية كانت ترى في الانقلاب مخلصًا من دكتاتور يهدف لزعزعة أمن القارة الأوروبية، ووحدها الرسائل الإيجابية من قبل خلال سير عملية الانقلاب من المسؤولين الأتراك كانت باتجاه روسيا وتحديدًا اللعب بورقة الطيارين التركيين اللذين أسقطا المقاتلة الروسية.

وكما كان الانقلاب مفيدًا لتقوية أردوغان وضمان حكمه لسنين قادمة، كذلك هو لروسيا التي من مصلحتها إن كانت تمتلك معلومات عن انقلاب يدعمه "الجناح الأمريكي" في الجيش التركي بأن يتم القضاء على هكذا انقلاب، وأعتقد أن هذا ما كان: كانت أجهزة أردوغان على علم بالانقلاب وتحركاته وبعد أن تأكد أردوغان من ضمان السيطرة عليه جعل المنقلبين يؤدون مسرحية سيخرج في نهايتها بطلًا وحيدًا ولاعبًا يسحب من أمريكا ورقة "فتح الله غولن" البعبع الذي تحميه أمريكا ويقض مضجع أردوغان.

لنضع خارطة الكرة الأرضية أمامنا ولننظر إلى ذلك الجدار العظيم الممتد من روسيا شمالًا إلى دمشق جنوبًا مرورًا بأوكرانيا وتركيا، هذا الجدار الذي يشكل ضربة قوية للدرع الصاروخي الأمريكي الموجه لعمق القارة الآسيوية، وهنا تتضح بجلاء حقيقة استثمار الروس للورقة الكردية عبر تأسيس مكتب رسمي للشؤون الكردية كأول اعتراف بحكمهم الذاتي، لتأتي عملية جرابلس المعقدة في الشمال السوري بموافقة روسية ومشاركة من قبل قوات النظام السوري التي قامت قبيل بدء العملية بقصف الحسكة مركز ثقل القوات الكردية.

تحالف جديد تشهده المنطقة سيدخلها في منعطفات جديدة، لن تكون إلا جزءًا من إطالة أمد الصراع في سوريا والعراق، وبالتأكيد لن تسكت أمريكا على هذا الأمر فهي أيضًا لها مصالحها التي يخدمها ويحققها القوات الكردية التي اختارتها أمريكا لتكون يدها الضاربة في سوريا بعد فشلها في إيجاد حليف لها من الجيش الحر.

هكذا أجبرت الحرب في سوريا على الزج بجيوش دول في ساحتها بعد أن كان الاعتماد على فصائل وميليشات يتغير ولاؤها بتغير الممولين. دخل الجيش الإيراني أولًا ثم الروسي بعد تأسيس قوات التحالف الدولي بقيادة أمريكا بحجة داعش قاعدة عمليات لها في الشمال السوري وها هو اليوم الجيش التركي يدخل ليواجه الأكراد وأمريكا المتآمرة على أردوغان في عقر دارهم في الشمال السوري وبرضا روسي كامل.

اقرأ/ي أيضًا:

"درع الفرات"..تحرك تركي لإفشال الانفصال الكردي

سوريا..خارطة الحرب تتغير

تركيا تقتل طموح الأكراد