ضحى النظام بواجهته ليمتص الغضب الذي إذا استمر لاقتلع النظام كله(ياسين القايدي/الأناضول)

نعم، بن علي لم يرحل. أقول هذا وأنا مدرك له تمامًا ومقتنع به. طبعًا، لا أقصد شخص الرئيس الهارب يوم 14 كانون الثاني/يناير من سنة 2011 بل أقصد نظامًا كاملًا كان هو الرأس فيه. يتساءل البعض: "لماذا تقول هذا وأنت المتفائل دومًا؟"، وأرد: "أنا متفائل وسأظل متفائلًا لكن الواقع يقر بذلك".

ماذا على "نظام المصالح" أن يفعل؟ لم يكن أمامه إلا أن يضحي بواجهته، رئيس الجمهورية فيمتص الغضب الذي لو استمر لاقتلع النظام كله

النظام يضحي بالواجهة

عندما خرجت الجماهير التونسية رافعة مطالبها الاجتماعية، لم يكن لأغلبها هم سياسي رغم أن الأطراف السياسية شاركت بمناضليها، دون أن تتبنى الحراك أو تكون في واجهته، خوفًا عليه من النظام الذي بحث طويلاً ليلصق الحراك بالسياسيين فيتسنى له القمع بتهمة تكدير الأمن العام والعمالة للأجنبي مثلما فعلها سابقًا.

لم تطالب الجماهير برحيل النظام إلا عندما أصبحت أخبار الدماء تذاع في الشاشات والإذاعات وعلى الصحف حتى التابعة منها للنظام. ماذا على "نظام المصالح" أن يفعل؟ لم يكن أمامه إلا أن يضحي بواجهته، رئيس الجمهورية فيمتص الغضب الذي لو استمر لاقتلع النظام كله.

هرب بن علي في 14 كانون الثاني/يناير 2011 بعد أن سجلت البلاد عددًا كبيرًا من الشهداء من مختلف المناطق والأعمار. استغل النظام تلك الخطوة ليعيد ترتيب الأمر الداخلي فاستعمل نفوذه وأمواله وإعلامه ليوجه الناس، فيقبلوا بالمتعاونين معه على رأس السلطة المؤقتة بتعلة الحفاظ على الدولة من السقوط. استسلم جل الناس لشعوذة الخبراء والمحللين الذين لم نعرف من أين أتوا إلا بعد أن انطلت علينا حيلهم.

استغل النظام هروب بن علي فاستعمل نفوذه وإعلامه ليوجه الناس، فيقبلوا بالمتعاونين معه على رأس السلطة المؤقتة بتعلة الحفاظ على الدولة من السقوط

لماذا لم يرحل؟!

أحد أهم الأسباب التي قامت عليها ثورة التونسيين هي الفساد، في المعاملات والمناظرات والامتحانات وانتدابات الموظفين وغيرها. هل انتهى الفساد في هذه المجالات؟. لا لم يسجل التونسيون ذلك ولو سألتهم لأخبروك عن عديد الملفات التي عايشها بعضهم، ومنها انتدابات في عدة مؤسسات وشركات حكومية تتم بالمحاباة، تمييز في المناظرات الحكومية وآخرها ما سجلته منظمة حقوقية تونسية (منظمة أنا يقظ) حول نجاح مرشحة في مناظرة لوزارة العدل رغم إثبات غشها في الامتحان والسبب أنها ابنة قاض. أيضًا، تقارير المنظمات الدولية المعنية بالفساد تكشف أن الأمر لم يتغير بل ساء فتقرير منظمة الشفافية الدولية لسنة 2014 يضع تونس في المرتبة 79 من أصل 183 دولة شملها التقرير.

طالب التونسيون أيضًا بالحد من البطالة خلال حراكهم، ورغم ذلك لم يتغير الأمر كثيرًا، فمعدل البطالة حسب تقارير رسمية لمعهد الإحصاء الحكومي، انخفضت من 18.9% موفى 2011 إلى 15.3%، وتختلف هذه النسبة من محافظة إلى أخرى، إذ إن المحافظات الداخلية تسجل نسب بطالة أعلى بـ 10% من النسب الوطنية المذكورة سابقًا وهو ما كان دون المطلوب حسب العاطلين والمطالبين بتمييز الجهات الداخلية المهمشة.

وعن الجهات المهمشة التي شاركت بقوة في إسقاط بن علي، فإن معاناتها لاتزال متواصلة، وكمثال لأن المجال لا يكفي للتوضيح، سأكتفي بما سجله التونسيون على مدى الأشهر الأخيرة من حالات موت أو إصابات خطيرة لنساء في وضع الولادة كما الحال في محافظتي القصرين وتطاوين.

سبب آخر دعا التونسيين إلى الثورة، وهي الممارسات غير القانونية والتعذيب داخل السجون ومراكز الإيقاف وهذا أيضًا لم يتغير كثيرًا فبين الفينة والأخرى، يسمع التونسيون عن اعتداءات على المنازل أو في الطريق العام وتعرض صور على بعض وسائل الإعلام توثق التعذيب في مراكز الشرطة. وقد سجلت منظمات مناهضة للتعذيب حالات في هذا السياق.

هل يسقط النظام.. أو يرحل على الأقل؟!

نعم، مما لا شك فيه أن النظام فقد كثيرًا من نفوذه ولم يعد بنفس القوة قبل بعض السنوات، أهم ما تغير هو وعي الناس، ووعيهم يرتقي فما كانوا يصدقونه بالأمس أصبح مدعاة للشك اليوم والأمثلة عدة سأذكر أحدها:

عندما تم اغتيال زعيم سياسي يساري في شباط/فبراير 2013، خرجت أعداد كبيرة من التونسيين تعبيرًا عن استنكارهم لهذا الحدث الصادم وحينها تم اتهام حركة النهضة بالوقوف وراء الاغتيال، لم يبد الناس رفضًا أو تساؤلًا وصار حقيقة ثابتة في أذهان الكثيرين، نفس هؤلاء الأشخاص لم يصدقوا في المرة الثانية لما اغتيل زعيم آخر قومي في تموز/يوليو 2014 وأصبحوا يطرحون عديد الأسئلة: "لماذا هو بالذات؟، لصالح من؟، هل يقتل من كان في السلطة ومصلحته الاستقرار؟".

وجه آخر للوعي الذي ينمو ويبشر بزوال نظام المصالح أو على الأقل تقليص نفوذه هو حديث التونسيين اليوم وقبل أشهر، عن الثروات المنهوبة وتنظيم ناشطين لحملات توعوية وضاغطة أدت إلى نتائج ملموسة مثل قرار الحكومة في الشهر الفارط عن بداية إجراءات إنهاء عقد مع شركات فرنسية تستغل ثروة الملح وفق شروط مخلة.

الوعي المتنامي جعل عددًا كبيرًا من الشباب ينخرط في مراقبة الحكومات والأجهزة عن طريق منظمات وجمعيات تشهر بالفساد وهو أمر جيد إذا علمنا أن ملفات كثيرة قد أثارتها هذه الجمعيات ولقيت صدى لدى المواطنين وبعض المسؤولين. ما أراه أن تونس متجهة إلى الأفضل، مصحوبة بشقيقاتها من الدول العربية، رغم كل محاولات الثورة المضادة المدعومة بقوى المال والأعمال والإعلام. وسننتصر ولو بعد حين لأننا لا نريد إلا الحرية والعدل والمساواة لشعوبنا!

اقرأ/ي أيضًا:

تونس.. العدالة بوصفها سؤال الثورة

تونس..محاميان أمام القضاء العسكري في ذكرى الثورة!

تونس.. إذا الشعب يومًا أراد السلام