بنغلاديش أمام محطة مهمة.. أول انتخابات حرة بعد الثورة الشعبية
11 فبراير 2026
تفتتح بنغلاديش صفحة جديدة في تاريخها السياسي مع الانتخابات المقررة غدًا الخميس، وهي أول انتخابات وطنية منذ الإطاحة بحكومة الشيخة حسينة في 2024 إثر احتجاجات شعبية واسعة.
ويتنافس في هذه الانتخابات أكثر من 1980 مرشحًا على 298 دائرة نيابية، ما يجعلها واحدة من أكبر الانتخابات في تاريخ البلاد الحديث من حيث عدد المرشحين.
وتُجرى الانتخابات تحت إشراف إدارة انتقالية يقودها الحائز على جائزة نوبل للسلام محمد يونس، والتي أعلنت التزامها بتنظيم اقتراع حر ونزيه يلبّي المعايير الديمقراطية ويجري في أجواء سلمية.
وفي إطار تعزيز الشفافية وضمان نزاهة العملية الانتخابية، يُرتقب مشاركة نحو 500 مراقب دولي، من بينهم ممثلون عن الاتحاد الأوروبي ورابطة دول الكومنولث التي تنتمي إليها بنغلاديش، لمتابعة مجريات التصويت ورصد مدى التزامها بالمعايير الدولية.
القوى السياسية الرئيسية
الاستحقاق الراهن لم يعد يقتصر على تكرار المنافسة التقليدية بين الحزبين الكبيرين في بنغلاديش، بل يشهد إعادة تشكيل للخريطة السياسية في ظل غياب حزب "رابطة عوامي"، الذي حكم البلاد لسنوات طويلة وتم حظره من المشاركة بعد سقوط حكم الشيخة حسينة.
وتعد انتخابات بنغلاديش 2026 محطة استثنائية على مستوى الخارطة الحزبية، إذ يشارك فيها طيف واسع من الأحزاب التقليدية والناشئة، وتشمل القوى الرئيسية المشاركة:
الحزب الوطني البنغالي (BNP)
يتصدر الحزب الوطني البنغالي (BNP) المشهد الانتخابي بوصفه القوة الأكثر تنظيمًا واستعدادًا لخوض الاستحقاق، مستفيدًا من غياب حزب "رابطة عوامي" الذي حكم البلاد لسنوات طويلة قبل حظره. ويقود الحزب طارق رحمان، نجل رئيسة الوزراء السابقة خالدة زيا، والذي عاد إلى دكا بعد 17 عامًا في المنفى، في خطوة اعتُبرت رسالة سياسية واضحة تعكس ثقته بإمكانية استعادة السلطة وإحياء الزخم المرتبط باسم عائلته في الحياة السياسية البنغلاديشية.
تُجرى الانتخابات تحت إشراف إدارة انتقالية يقودها الحائز على جائزة نوبل للسلام محمد يونس، والتي أعلنت التزامها بتنظيم اقتراع حر ونزيه يلبّي المعايير الديمقراطية ويجري في أجواء سلمية
ويخوض الحزب الانتخابات ضمن تحالف واسع يضم قوى ليبرالية ومحافظة معتدلة، مقدّمًا مرشحين في غالبية الدوائر الانتخابية، ما يمنحه أفضلية تنظيمية ملحوظة مقارنة بمنافسيه. وتشير تقديرات أولية واستطلاعات محلية إلى أن تحالفه قد يحصد العدد الأكبر من المقاعد، الأمر الذي يضعه في موقع متقدم لتشكيل الحكومة المقبلة، سواء منفردًا أو عبر ائتلاف مريح.
ويطرح الحزب برنامجًا انتخابيًا يرتكز على إعادة هيكلة الاقتصاد وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، إلى جانب مكافحة الفساد وتعزيز أداء المؤسسات الرقابية، مع تعهدات بدعم استقلال القضاء وتوسيع هامش الحريات السياسية. كما يراهن على استعادة ثقة الطبقة الوسطى وسكان المناطق الريفية الذين تضرروا من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة خلال السنوات الأخيرة، مقدمًا نفسه كبديل قادر على إدارة مرحلة انتقالية تعيد التوازن إلى المشهد السياسي والاقتصادي في البلاد.
التحالف الإسلامي بقيادة الجماعة الإسلامية
في المقابل، تبرز جماعة الجماعة الإسلامية كقوة مؤثرة في الانتخابات المقبلة، رغم تاريخها السياسي المثير للجدل ومواقفها المحافظة، لا سيما في ما يتعلق بحقوق النساء والحريات المدنية والعلاقة بين الدين والدولة. ويقود الجماعة شفيق الرحمن، الذي عمل خلال السنوات الماضية على إعادة تنظيم صفوفها وتوسيع قاعدتها الشعبية، مستفيدًا من التحولات السياسية التي أعقبت احتجاجات 2024، ومن حالة الاستقطاب التي تعيشها الساحة الحزبية.
وتتمتع الجماعة بحضور ملحوظ في الدوائر الريفية والمحافظات الشمالية، حيث تستند إلى شبكات اجتماعية ودعوية راسخة، وإلى مؤسسات تعليمية وخيرية أسهمت في ترسيخ نفوذها على المستوى المحلي. كما تخوض الانتخابات ضمن ائتلاف مكون من 11 حزبًا ذي مرجعية إسلامية، مع توسيع تحالفاتها لتشمل أحزابًا تقليدية ومحافظة تسعى إلى تعزيز تمثيلها داخل البرلمان المقبل، ما يمنحها هامشًا أوسع للمناورة السياسية.
غير أن صعود الجماعة يثير مخاوف واسعة لدى ناشطين حقوقيين وقطاعات من النخب المدنية، خصوصًا في ما يتعلق بمستقبل حقوق الأقلية الهندوسية، ووضع المرأة، وحدود الحريات الفردية. ويرى منتقدوها أن برنامجها قد يدفع نحو إعادة صياغة أولويات الدولة على أسس أكثر محافظة، في حين يؤكد أنصارها أنها تمثل شريحة اجتماعية واسعة تسعى إلى حضور سياسي يعكس هويتها الثقافية والدينية. ويعكس هذا الجدل عمق الانقسام القائم في المجتمع البنغلاديشي حول شكل الدولة المقبلة واتجاهاتها، بين من يدفع نحو نموذج مدني تعددي، ومن يفضّل مرجعية أكثر وضوحًا في المجال العام.
حزب المواطن الوطني (NCP) والقوى الصاعدة
كما يدخل السباق حزب المواطن الوطني (National Citizen Party)، الذي يقوده، ناهد إسلام، ووُلد من رحم الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد عقب ثورة 2024، حين دفعت قوى شبابية وطلابية باتجاه إعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية وإنهاء هيمنة الأحزاب التقليدية على المشهد العام. وقد تشكّل الحزب بوصفه منصة سياسية تعبّر عن جيل جديد يطالب بإصلاحات دستورية جذرية، وتوسيع صلاحيات البرلمان، وتعزيز آليات الرقابة والمساءلة، فضلًا عن ترسيخ مبادئ الشفافية.
وعلى الرغم من أن التقديرات الأولية لا تمنحه حصة كبيرة من المقاعد مقارنة بحزب بنغلاديش الوطني أو التحالف الإسلامي، فإن حضوره في عدد من الدوائر الحضرية والجامعية قد يجعله عنصرًا حاسمًا في النتائج النهائية، خصوصًا في المناطق التي تشهد تنافسًا متقاربًا بين القوى الكبرى. فالحزب يستند إلى قاعدة شبابية نشطة، تعتمد على الحملات الرقمية والتنظيم الميداني التطوعي، ما يمنحه قدرة على التأثير تتجاوز حجمه العددي المتوقع.
ويطرح الحزب خطابًا يركّز على تحديث الدولة ومؤسساتها، وإعادة النظر في القوانين المنظمة للحياة السياسية، بما في ذلك قوانين الانتخابات والأحزاب، إلى جانب الدعوة إلى حماية الحريات العامة وحقوق الأقليات. كما يولي أهمية خاصة لملفات التعليم وفرص العمل والاقتصاد الرقمي، مستهدفًا فئة الناخبين الجدد التي يُقدّر عددها بالملايين، والذين يبحثون عن بديل سياسي يعكس أولوياتهم وتطلعاتهم.
ويمثل ظهور حزب المواطن الوطني مؤشرًا على تحوّل أعمق في البنية السياسية البنغلاديشية، حيث لم تعد المنافسة حكرًا على الاستقطاب التقليدي بين معسكرين تاريخيين، بل باتت مفتوحة أمام قوى ناشئة تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإدخال دينامية شبابية إلى البرلمان قد تعيد رسم توازناته في السنوات المقبلة.
سيناريوهات حظوظ الفوز
تشير الاستطلاعات المحلية إلى أن تحالف الحزب الوطني البنغالي (BNP) بقيادة طارق رحمان قد يحقق أغلبية كبيرة من المقاعد البرلمانية، ما يمنحه الحق في تشكيل الحكومة المقبلة. ورغم ذلك، يظل صعود التيارات الإسلامية والمحافظة محل متابعة دقيقة، إذ أن قدرتها على حشد أصوات جديدة قد تجعلها قوة مؤثرة في البرلمان المقبل، خصوصًا إذا ارتفع عدد المصوتين بين الشرائح المحافظة من السكان.
وفي الوقت نفسه، يمثل دخول أكثر من 5 ملايين ناخب جديد، أغلبهم من الشباب وجيل "زاد"، عاملًا متغيرًا محتملًا، إذ يمكن أن تصب أصواتهم نحو قوى التغيير والإصلاح، ما يجعل انتخابات 2026 اختبارًا لمسار الديمقراطية في بنغلاديش وقدرة البلاد على إعادة رسم خارطة القوى السياسية.