بندكت أندرسن و

بندكت أندرسن و"جماعاته المتخيلة"

بندكت أرندسون ( Omar Montenegro/ jacobinmag)

 بعد رحيله هذا الشهر، يكتب سانديبتو داسغوبتا، أستاذ الحضارات المعاصرة في جامعة كولومبيا، عن بندكت أندرسن وكتابه الأهم "الجماعات المتخيلة".


يرتبط اسم بندكت أندرسن بكتابه الشهير "الجماعات المتخيّلة" وهو ذلك الكتاب الأثير الذي تحدّث فيه عن القوميّة وبزوغها في العالم الحديث وهو واحد من بين أهمّ الكتاب الأكاديميّة التي ظهرت في منتصف القرن العشرين.

أمّا في أوساط الباحثين والأكاديميين في إندونيسيا، حيث توفّي في الثالث عشر من الشهر الجاري، فقد كان يعرف أندرسن أساسًا بأنّه أستاذٌ مختصّ بالدراسات الإندونيسيّة، أو لعلّنا نقول هنا "إندونيسيّاتيّ".

 رأى أندرسن أن القومية تولد مشاعر من الإخاء بين أفراد مجتمع ما، رغم أنهم لم ولن يلتقوا فيما بينهم أبدًا، ولهذا فإن الأمة تتشكل عبر التخيل

لقد كانت إندونيسيا موضوع دراسات بندكت أندرسن في مرحلة الدكتوراه، وقد تناول أوّل إصدار له كتبه مع عدد من زملائه من جامعة كورنل أحداث المذابح التي راح ضحيتها 600 ألف إندونيسي بين عام 1965 و1966 في فترة استبداد اليسار الشيوعيّ في البلاد والتي انتهت بوصول الجنرال سوهارتو إلى سدّة الحكم عبر انقلاب عسكريّ. وقد تسبّب كتابه هذا في منعه من دخول إندونيسيا إلى أن تنحّى سوهارتو عن الحكم عام 1998 وكان أندرسن قد نعته "بالمستبدّ من الدرجة الثانية"، وهو وصف ظلّ عالقًا في أذهان الكثيرين.

عنيَ أندرسن بمنطقة جنوب شرق آسيا بشكل عام، وكان يتقن الإندونيسية والجاويّة، كما كان يتحدّث باللغتين الأساسيتين في الفلبين وتايلاند وهما لغة تاغالوغ والتايلندية، وكتب بغزارة عن سياسة وثقافة وآداب هذه البلدان الثلاثة.

ومن خلال ما حازه بندكت أندرسن من فهم ومعرفة عميقة وواسعة بالتطورات السياسية في جنوب شرق آسيا تمكّن أندرسن من وضع الكتاب الذي سيخلّد اسمه، فقد كان مطّلعًا على تفاصيل الأوضاع السياسية في دول العالم الثالث بعد مرحلة الاستعمار وكان شاهدًا واعيًا على مركزيّة القوميّة ولا سيّما في المشاريع السياسيّة التقدّميّة الاشتراكيّة والمناهضة للإمبرياليّة، بل ولعلّها تجاوزتها في بعض الأحيان. وقد بدأ أندرسن كتابه "المجتمعات المتخيّلة" بالإشارة إلى الحروب التي اندلعت بين فيتنام والصين، وهما دولتان تنتميان إلى المعسكر الاشتراكيّ الثوريّ، ولكنهما كانتا تتنازعان على أسس قوميّة.

لقد وجد بندكت أندرسن أنّ الماركسيّة -التي كان الأقرب إليها سياسيًا وفكريًا- عجزت عن تقديم تحليل وافٍ لظاهرة القوميّة، بل عجزت حتّى عن التعامل بجديّة معها، وهذا الحكم يسري على الماركسيّة وسواها من النظريات والحركات الفكريّة السياسيّة. يقول أندرسن: "بدا لي أن الإخفاق في الإمساك بتلابيب القوميّة ذلك الإمساك العميق ليس مقتصرًا على الماركسيّة بأي حال من الأحوال، ويمكن، بل يجب، توجيه النقد ذاته إلى الليبرالية التقليدية، وعلى الهامش إلى النزعة المحافظة التقليدية."

أما النتيجة فكانت تلك الحالة العجيبة التي تشكّل فيها ظاهرة بعينها معظم الخطاب السياسيّ القائم فعلًا حول العالم بالرغم من شحّ التأملات النظرية حولها، فالقوميّة لم تنتج مفكّرين كبارًا من طراز هوبز أو توكفيل أو ماركس أو فيبر كما يقول أندرسن في كتابه.

لقد كان "المجتمعات المتخيّلة" عنوان الكتاب والإطار المفهومي الذي حاول أندرسن من خلاله ردم الفجوة التنظيريّة في موضوع القوميّة. لقد رأى بندكت أندرسن أنّ القوميّة تولّد مشاعر من الإخاء والأواصر الوثيقة بين أفراد مجتمع ما، رغم أنّهم لم ولن يلتقوا فيما بينهم أبدًا، ولهذا فإنّ هذه الأمّة تتشكّل عبر عمليّات من التخيّل. ورغم بساطة هذا التعريف إلا أنّ النطاق الذي يستدعيه هائل للغاية، ويكمن إنجاز أندرسن في هذا الكتاب في مقدرته على الخوض في غمار هذا النطاق بخطى عميقة وثابتة.

يرى الكتاب أنّ من شروط تشكّل القوميّة هو ذلك الفراغ الذي تركه تراجع وجود الجماعة الدينيّة. ولكنّ أندرسن قد كان في هذا الدين الجديد رجلًا بلا كنيسة، فقد ولد في الصين، من أصل أيرلندي إنجليزي، ودرس في إنجلترا والولايات المتحدة، وعمل في إندونيسيا ووقع في غرامها.

وبخلاف صورة الملحد الصلف الذي لا يرى في الدين سوى دليلٍ على جهالة الناس، لم يكن أندرسن يستاء من الحكايات والرموز الدينية التي كان يدرسها، كما أنّه لم يستخدم كلمة "متخيّل" ليدلّ على أمر خاطئ أو وهميّ، وإنما كان يسعى بكل ما لديه من فضول قارئ نهمٍ لحكايةٍ مشوّقة إلى فهم البنى المختلفة لفعل التخيّل هذا وأفقه الإبداعيّ.

كان بندكت أندرسن يدرك أنّ وصفنا لأمر ما بأنّه مركّب اجتماعيّ لن يقدّم جديدًا، ولكنّ الأمر المذهل والأكثر أهمّية هو تفصيل المنطق الذي ينطوي عليه هذه المركّب. لقد لاحظ أندرسن كما أسلفنا أنّ غالبيّة الأفراد في جماعاتهم لا يلتقون بعضهم البعض، ولا شكّ أنّ عمليّات التخيّل التي تخلق الجماعات وتمنحها ذلك الشعور بالوحدة والمعنى هي عمليّات ذات طبيعة سياسيّة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وذلك الإصرار على فهم الطريقة التي تسلكها بعض السرديّات في الاستحواذ علينا، والإمكانات الكامنة في تلك السرديّات، هو بحدّ ذاته مشروع سياسيّ.

 قامت الطباعة بقدرتها على توفير أعداد كبيرة من الكتب على تكوين مجتمعات قارئة بلغة واحدة هي اللغة المحليّة، وساهم هذا في تشكيل الوعي القومي

لهذه "الجماعات المتخيّلة" قصّة يشترك في بنائها العديد من الأطراف، أهمّها الرواية والصحيفة، وقد كانت رأسماليّة الطباعة كفيلة بمنح دور نجوميّ للكلمة المطبوعة في هذه القصّة. لقد قامت تقنية الطباعة بقدرتها على توفير أعداد كبيرة من الكتب وتحمّس الرأسمالية في البحث عن أسواق لبيعها على تكوين مجتمعات قارئة بلغة واحدة هي اللغة المحليّة، وقد كان هذا أساسًا في تشكيل الوعي "القوميّ" الجديد.

بالإضافة إلى اهتمام بندكت أندرسن بتحليل هذا المركّب وسرديّاته، فإنه قد أبدى كذلك قدرًا كبيرًا من الاهتمام بالعناصر الأدبية للرواية والصحيفة، والعالم الذي خلقته تلك الكلمات. لقد درس أندرسن بنية تلك السرديّات وحبكاتها كي يدلّنا على الطريقة التي وفّرت بها تلك الروايات القدرة أمام الناس على تخيّل زمان ومكان مشتركين بذلك القدر من "الثقة اللافتة بجماعةٍ غُفلٍ تشكّل غفليّتها العلامة المميّزة للأمم الحديثة".

إن النطاق الواسع للموادّ التي عرضها بندكت أندرسن وتنقّل بينها بثقة عالية خلال الكتاب قد جعلت من "الجماعات المتخيّلة" واحدًا من تلك الكتب النادرة التي احتلت مكانة لا تُدانى عبر التخصصات والمسالك الأكاديميّة. أضف إلى ذلك أنّه ومن دون ادّعاءات فارغةٍ قد تمكّن من الخروج من عباءة أفكار سائدة ممّا عرّضه لانتقادات واسعة من العديدين، ولعلّ هذا ما نجده في مراجعة أحدهم للكتاب حين قال إنّه أكثر ماركسيّة ليكون ليبراليًّا وأكثر ليبراليّة من أن يكون ماركسيًّا.

ولكنّ القيمة التي يمثّلها هذا الكتاب ليست في تبنّي الخطّ الصحيح من القوميّة، ماركسيّة أو ليبرالية، وإنمّا تكمن قيمته في أنّه فتح أبوابًا للتفكير بمنهجيّة مختلفة في شأن القوميّة. فالكتب الجيّدة تقدّم لنا آراء مقنعة، أمّا الكتب العظيمة فتولّد أسئلة جديدة ينشغل بها الأكاديميون والقرّاء، ولا شكّ في أنّ كتاب أندرسن ينتمي إلى هذه الفئة العظيمة من الكتب.

صدر كتاب "الجماعات المتخيّلة" عام 1983، ولم يلبث طويلًا حتى شهد العالم بأسره تغيرًا واسعًا في السياسات القوميّة وتناولها الأكاديميّ. فقد شهدنا في الفترة التي تلت صدور الكتاب مرحلة من الصراعات في أوروبا الشرقية بعد انهيار جدار برلين، وصعود التكتلات اليمينية العرق-قوميّة مما كشف وجهًا من السياسة القوميّة أشدّ قتامةً مما تصوّره بندكت أندرسن. وبعيدًا عن الغرب فقد وُجّهت الكثير من الانتقادات للمشاريع القوميّة في مرحلة ما بعد الاستعمار وما حدث من تأييد اليسار لهذه المشاريع، وهو أمر كان كفيلًا بالإضرار بتلك السمة التقدّمية التي ألفها أندرسن في القوميّة في العالم الثالث.

في هذا السياق نجد أنّ الاحترام الأكاديمي الذي يكنّه أندرسن للقوميّة قد ظهر للبعض على أنّه مشوب بالرومانسيّة، حتّى إنّ البعض قد تساءل عمّا إذا كان بندكت أندرسن نفسه في خضمّ دراسته للسلطة المغرية للمخيال القوميّ قد وقع هو الآخر تحت تأثير هذا الإغراء.

في عمل لاحق له حاول أندرسن أن يجيب عن هذه التساؤلات وذلك عبر التفريق بين القوميّة وسياسات الإثنيّة، حيث دعى تلك الأخيرة "الابن غير الشرعيّ للقوميّة". تعتمد سياسة الإثنية بشكل كبير على عضويّة الفرد في طبقات محدودة وثابتة يلزمه الانتماء إليها وإلا كان عرضة للاستثناء والتهميش. أمّا النطاق التخيّلي للقوميّة فقد اشتمل على إمكان العالميّة، إذ يفتح التخيّل آفاقًا جعلت أندرسن نفسه يرى أنّ إندونيسيا هي الوطن الأقرب إليه.

قد يتساءل المرء عمّا إذا كان هذا التمييز يتوافق مع أي سياسة قوميّة قائمة اليوم، ولكنّه من غير الإنصاف على أيّة حال أن نصف محاولة أندرسن في بيان الإمكانات التحررية والتقدمية للممارسة التخيّليّة التي تؤسس الجماعة التي ندعوها الأمّة.

لعلّه من الأفضل النظر إلى ما يولّده كتاب بندكت أندرسن من أمل يحمله ذلك الفضول الفكريّ العميق حول الطريقة التي يفهم بها الناس في عصرنا الحديث عوالمهم، والالتزام السياسي بالرؤى التي تسعى نحو التحرر. وهل ثمّة أسباب أفضل للأمل من هذه، وهل ثمّة حافز للمفكر أسمى منها؟

المصدر: (Benedict Anderson (1936–2015 

__

اقرأ/ي أيضًا: 

أنيس صايغ..أرشيف لفلسطين

ارلون براندو.. المشي على قطع الزجاج