ultracheck
  1. ثقافة
  2. أفلام

"بنات الباشا".. تجربة سينمائية مكتملة أم مجرد قص ولصق للنصّ الأدبي؟

25 نوفمبر 2025
مشهد من فيلم "بنات الباشا" (شبكات تواضل اجتماعي)
مشهد من فيلم "بنات الباشا" (شبكات تواضل اجتماعي)
منار خالدمنار خالد

حادثة انفجار كنيسة تتقاطع مع حادثة انتحار شابة تعمل في صالون تجميل "الباشا"، في محاولة غير مكتملة لملامسة تلك الحالة الجماعية والذُعر الذي يحيط بكل الأشياء والناس. وصفُ هذا التماس بأنه غير مكتمل جاء من قراءة فيلم "بنات الباشا"، الذي عُرض مؤخرًا ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ46.

الفيلم سيناريو وحوار محمد هشام عبية، وهو أول سيناريو سينمائي له بعد أعماله التليفزيونية المتعددة، وهو مأخوذ عن نصٍّ أدبي يحمل الاسم نفسه لنورا ناجي، وهو من إخراج ماندو العدل.ملق

التزام بالزوائد واختزال للضروريات

بالعودة إلى عدم اكتمال معادلة التماس بين الحالة الفردية والجماعية داخل العمل، فإن السبب يعود إلى غياب أي ربط حقيقي بين الحادثتين، بل إن الشق الأكبر من هذه المعادلة لم يتحقق بسبب حذف تفاصيل أساسية، مثل تحديد زمن الأحداث بأنه في عام سابق أو في محافظة بعيدة عن القاهرة، وهي تفاصيل ذُكرت في الرواية الأصلية وأسهمت في تشكيل خلفيات الشخصيات، التي اعتمدت الرواية على سردها نظرًا لطبيعة الوسيط الأدبي.

منى في الرواية – التي قدمتها في الفيلم صابرين – واضحة الميول الجنسية، بينما يلقيها الفيلم على استحياء وتوارٍ مبالغ فيه، ما أفقد الشخصية دوافعها الكاملة تجاه باقي العاملات في الصالون، وعلى رأسهن جيجي التي قدّمتها زينة. فمن خلال دوافع منى الروائية، ترى أن علاقات النساء ببعضهن تقدير يتضاد مع علاقتهن بالرجال، وهي زاوية بنى عليها النصّ الأدبي صراعًا مهمًا. أما الفيلم فيقدّم مبررًا باهتًا على لسان صابرين داخل حكاية سطحية محمّلة بحكمة غير مفهومة، حول أسطورة في ذهنها عن زوجين رأتهما في الملاهي، فقررت من يومها ألا تلعب مع الرجال. ثم تضيف أقاويل مبتورة حول شك أهلها في كونها ممسوسة. كلها شذرات تفقد الشخصية ماضيها وروحها، وهو الماضي المفترض أن يكون أقوى من حاضرها – ومن حاضر جميع الشخصيات.

تتقاطع حادثة انتحار نادية – قدمتها مريم الخشت – مع مواضع الشخصيات النسائية كافة داخل الصالون، ومع فلاش باكات كثيرة تكشف ليس فقط علاقتها بنادية، بل تتجاوزها إلى فتح أبواب الماضي قبل العمل أو التوجه إلى الصالون. لكن بتر هذه التفاصيل جعل الشخصيات أنماطًا: نادية الملائكية، ومنى الغامضة بلا وضوح.

وينسحب هذا الخلل على جميع الشخصيات الأخرى، التي لم يتّسع لها الوسيط السينمائي من حيث عددها كما اتّسع لها الأدبي. لكن قبل الانتقال إلى أي شخصية تالية، يجب التوقف عند التنقل بين الأزمنة. فالحاضر المثبّت بانتحار نادية تدور فيه الأحداث على عجل بشكل غير مفسَّر؛ يبدأ برفض نور الباشا الإبلاغ عن الواقعة وكأنه يخفي شيئًا ما، قبل أن يتضح في النهاية أنها بالفعل منتحرة بإرادتها. أثناء تلك المحاولات غير المبررة لإخفاء الانتحار، يتوالى الفلاش باك (ارتداد المشاهد إلى الماضي) لكل سيدة على حِدة، وهو الزمن الأهم في الفيلم، لأنه من المفترض أن يكشف دوائر العلاقات بين الشخصيات.

مواضٍ مبتورة وحاضر مشوش

وقع السيناريو في أكثر من فخ: أولًا، آلية الانتقال إلى الماضي، التي تحدث تلقائيًا دون سبب يُستدعى به التذكر، وكأن الفيلم مهموم فقط بإخبار المشاهد بما فاته، لا بأن التذكر نابع من تفاعل الشخصية مع الحدث الآني.

ثم جاءت محاولة اختزال أجزاء كثيرة من الشخصيات لتضعف بنية هذه الشخصيات في أزمنتها الماضية. فلا يُذكر تضارب حياة جيجي في الملبس والزواج وعلاقتها بنور الباشا إلا عبر جملتين في شريط الصوت، وكأن الفيلم يملي ملاحظات سردية لا سينمائية. أما شخصية منى فذكرتُ أزمتها سابقًا. لكن الحذف الأكبر كان في شخصيتي فلك ونادية اللتين تعدّان من أهم شخصيات العمل.

فلك.. اقتحام بلا سياق

يسير الفيلم في الحكي الروائي والفلاش باك غير النابع من دواخل الشخصيات بإيقاع مختل، ويتنقل بين شخصيات حاولت جميعها الانتحار وأنقذتهن نادية، حتى نصل إلى الحدث المفجر: الشخصية الوحيدة التي لم تستطع نادية إنقاذها وهي فلك – قدمتها سوسن بدر. فلك في الرواية واضحة بماضيها ومعاناتها التي ساقتها إلى قرارها المفاجئ بارتداء فستان زفاف والسير به في الشارع وهي سيدة عجوز. هذا الماضي – نشأتها، علاقتها بوالدها، اعتزازها بذاتها، حكايات خطابها المتعددة، صدماتها العاطفية – جميعها يختزلها الفيلم في تعريف مباشر: "كانت مُدرسة لنور الباشا، وتردد على الصالون، والآن تقرر الخروج بفستان زفاف". تجتمع هذه المعلومات غير الضرورية على شكل حكي مباشر، كما لو أن الشخصيات كلها تتقدم لمقابلة عمل وعليها تقديم تعريف ذاتي سريع!

نادية.. ظل للحكايات لا حكاية لها

عند وفاة فلك تُصاب نادية بأزمة نفسية تدفعها للانتحار، وهو أمر مهّد له النصّ الأدبي بماضٍ واضح للشخصية. لكن الفيلم لا يذكر شيئًا عن نادية سوى أنها جاءت من مدينة "دهب" إلى الصالون. وكأن على المشاهد أن يبحث عمّا ينقص الفيلم داخل الرواية، أو أن يقرأ الرواية قبل المشاهدة ليتمكن من تلقي وسائط يفترض بها أن تكون منفصلة.

يسير الفيلم في الحكي الروائي والفلاش باك غير النابع من دواخل الشخصيات بإيقاع مختل، ويتنقل بين شخصيات حاولت جميعها الانتحار وأنقذتهن نادية، حتى نصل إلى الحدث المفجر

نادية في الرواية هي من أنقذت زينب زوجة الباشا في شهر العسل من أزمتها، ونشأت بينهما علاقة لم يوضحها الفيلم. هذه العلاقة في الرواية هي ما أدى لطلب زينب الطلاق في النهاية، ولانتحار نادية. أما الفيلم فاكتفى بمحاولات تغيير غير مكتملة للشخصيات وقصّ تفاصيل مهمة، وعدم إدراك أهمية التنقل بين الأزمنة والأماكن. ثم التمسك بالصيغة الأدبية في تعريف الشخصيات لذواتها، بل واستخدام صوت نادية المنتحرة داخل الفلاش باك، حتى يفقد الفيلم بوصلة الحكي: من يحكي ولماذا؟

يضاف إلى ذلك شبكة العلاقات التي أخذ الفيلم كل جزء منها وألقاه عشوائيًا. فزينب شخصية مبتورة لا ماضٍ لها ولا دوافع، ومع ذلك تختتم الفيلم بطلب الطلاق كما في الرواية، لكن بلا أي مبررات واضحة. كذلك يُحذف ماضي نادية داخل الفندق، وسبب مجيئها للصالون. وتُزرع تفاصيل من الرواية داخل الفيلم دون معنى، مثل تحديد الزمان والمكان، وتفصيلة "عرج نادية" التي جعلها الفيلم مرتبطة بشخصية منى دون سبب.

نتائج مُلقاة لأحداث محذوفة

لا يمكن إغفال أن العمل لم يقدم أي تصور حقيقي عن المرأة، لا على مستوى العمل ولا على المستوى النفسي، وبالمثل لم يقدم تصورًا عن الرجل. فلم تُصاغ شخصية نور الباشا من دوافع ومواضٍ توضح بشاعته، وتجعله قائدًا أو بالأحرى قوادًا لهؤلاء البنات اللواتي يقعن تحت سلطته بالقدر الكافي، بل هو تارة على علاقة بجيجي، وتارة أخرى يقدر نادية، وأحيانًا يتحدث مع زوجته في المنزل، دون أي وضوح كافٍ لمعالم شخصيته.

أما النساء، فحتى لا تُمنح الأعمال تسميات مجانية من قبيل "قضايا المرأة"، فإن الفيلم لم يكن معنِيًا ببناء الشخصيات من الأساس حتى يتوجه إلى القضايا، بل هو كولاج (قص ولصق) من أحداث وتفاصيل روائية غير قادر على الفصل بين الوسيطين الأدبي والسينمائي. فلا وجود لميول جنسية غير مُعلنة، ولا لامرأة عجوز تخاطر بحياتها لأجل فستان زفاف، ولا لزوجة تتلوّن بين النقاب والملابس العارية نتيجة حياة مشوشة. كلها تفاصيل روائية، واستحضارها في الفيلم جاء عبر التواري أو الحكي لا الصورة.

وأخيرًا، شخصية نهال التي قدمتها ناهد السباعي والتي لا تختلف عن سابقاتها في البتر. فحياتها الأسرية وثقافتها الحقيقية ودوافعها – التي شكّلت علاقتها بجسدها – هدمها الفيلم بقرارها المفاجئ باعتزال الدعارة والأفراح دون مبرر أو اشتباك واضح مع الحدث المركزي (الجثة) بوصفه لحظة وعي. ويختتم الفيلم أحداثه الغرائبية بإدراك كل شخصية نسائية صوابها فجأة، وخسارة الباشا لكل شيء، ثم سماعه جملة "طلقني يا باشا" من زوجته زينب كما في الرواية، لكن دون أي معرفة حقيقية للأسباب.

ومنها يصبح الفيلم التزامًا شكليًا بسياقات ولزمات نصّ أدبي، يقصّ الكم ومعه الكيف يحذف الأسطر والشخصيات ومعها التفاصيل، ويتمسك بالسرد، ليفقد هويته السينمائية. 

كلمات مفتاحية
فيلم النعمة

فيلم "النعمة": رئيس يغادر قصره بصحبة الكثير من الأسئلة

فيلم سورنتينو " النعمة" (La Grazia)، يتمهّل رأس السلطة، رئيس الجمهورية المتخيَّلة، ويفكّك عناصر وجوده، ويسائلها بعد رحلة عمر توشك على الانتهاء

فيلم العميل السري

فيلم "العميل السري": البرازيل كدولة للكرنفالات والرعب

تمارس الأفلام أدوارًا كثيرة، تمنحنا بُعدًا ومسافة ارتقائية عن حياتنا، مساحة للنسيان والتسامي على اعتيادية تلك الحياة

هانت

"هامنت": أنا الأم الحزينة

ينطلق فيلم "هامنت" (Hamnet) من الأرض، من الطين، من الأشجار العالية، من الهواء الرطب المشبع بذاكرة المطر

ارتفاع أسعار السجائر
مجتمع

إمبراطورية التبغ في مصر: أسعار تشتعل وضرائب تتضخم

شهد المدخنون في مصر صدمة جديدة، اليوم الخميس، بعد إعلان شركة "اليابان الدولية للتبغ" (JTI) عن زيادة رسمية في أسعار منتجاتها من السجائر التقليدية ب

الجيش السوري
قول

الجغرافيا العسكرية في سوريا وحدود تفاعلات القوى على الأرض

أصبحت سوريا فضاءً عسكريًا وسياسيًا تُقاس أهميته بقدرته على تنظيم التفاعلات الإقليمية داخل حدوده وعبرها

نوتنغهام
رياضة

إقالتان في يوم واحد.. توتنهام يتخلى عن توماس فرانك ونوتنغهام يطيح بشون دايتش

في يوم واحد فقط، أقيل مدربان من قيادة فريقيهما في البريميرليغ، في مؤشر على تخبط إداري واضح بالدوري الإنجليزي

أوروبا
مجتمع

تربية الأبناء في أوروبا.. عن التحديات التي يخوضها العرب في الغربة

تخوض العائلات العربية المقيمة في أوروبا معركة دائمة لتربية الأبناء والبنات