بناء مفاعلات نووية صغيرة بالشراكة مع روسيا.. إيران تعيد هندسة استراتيجيتها النووية
21 أغسطس 2025
تعدّ روسيا شريكًا استراتيجيًا لإيران في مجال الطاقة النووية، إذ شاركت في بناء مفاعل بوشهر الذي استغرق إنشاؤه نحو ثلاثة عقود، كما عرضت موسكو، في خضم المفاوضات النووية وقبيل العدوان الإسرائيلي على إيران، استضافةَ مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب.
تُعيد إيران اليوم هندسة استراتيجيتها النووية على ضوء المواجهة الأخيرة مع إسرائيل والتدخل الأميركي في ضرب منشآت فوردو ونطنز وأصفهان. ويبدو أنّ استراتيجيتها استقرّت على الانتقال من النموذج المركزي إلى النموذج اللامركزي في إدارة برنامجها النووي؛ فبدلًا من الاعتماد على مفاعلات ضخمة وباهظة الكلفة، تسعى إلى استبدالها بمفاعلات صغيرة موزّعة على كامل الأراضي الإيرانية. ويرى المتابعون أن هذا التوجه قد يقلّل من مخاطر استهدافها وتخريبها من قبل خصومها.
ورغم تأكيد طهران أن هدفها الوحيد من تشييد المفاعلات النووية هو سدّ حاجتها من الطاقة للاستخدامات المدنية في الكهرباء والمياه والصحة، فإن المخاوف الغربية لا تزال قائمة. إذ تخشى واشنطن والترويكا الأوروبية أن يكون هذا التوجه محاولة لتسريع التخصيب بشكل لا مركزي، خصوصًا في ظل تعليق إيران تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنعها مفتشيها من دخول المواقع التي استهدفتها القنابل الأميركية الخارقة للتحصينات في حزيران/يونيو الماضي.
يبدو أنّ موسكو لا تزال تمثل الخيار الأمثل بالنسبة لإيران، فقد راهنت طهران مجددًا على الروس لمواكبة الاستراتيجية النووية الجديدة القائمة على التحول من "الاعتماد على المركزية النووية إلى اللامركزية النووية".
وفي حين تلوّح الترويكا الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) بتفعيل العقوبات الأممية على إيران بسبب الغموض الذي يلف برنامجها النووي منذ تعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يؤكد ترامب أنه لن يتردد في شن ضربات جديدة على إيران إذا استأنفت التخصيب.
روسيا الخيار الأمثل لإيران
تبدو موسكو بالنسبة إلى طهران الخيار الأمثل لمواكبة استراتيجيتها النووية الجديدة القائمة على التحول من "المركزية" إلى "اللامركزية". فقد أعلنت شركة "روساتوم" الروسية عن بدء مفاوضات مع إيران لبناء جيل جديد من المفاعلات النووية الصغيرة، وذلك بعد نحو شهرين من الهجوم الذي استهدف ثلاثة مفاعلات كبرى في فوردو ونطنز وأصفهان ونفذته قاذفات "بي-2" الأميركية. ويرى متابعون أن الهدف الأول من هذه الخطوة هو تعويض النقص في الطاقة الناتج عن خروج هذه المنشآت من الخدمة.
وأوضح المدير العام لـ"روساتوم" أليكسي ليخاتشوف أن إيران قدّمت "مقترحًا لتوسيع التعاون الثنائي في مجال الطاقة النووية، بما يشمل بناء مفاعلات صغيرة"، معربًا في حديث لوكالة "إرنا" الرسمية عن أمله في توقيع اتفاقيات بهذا الخصوص قريبًا، كاشفًا في الوقت نفسه عن عرض روسي لتوطين التقنيات النووية داخل إيران.
وكان المرشد الأعلى علي خامنئي قد دعا في وقت سابق إلى العمل على تطوير مفاعلات منخفضة السعة، معتبرًا أن ذلك بات ضرورة ملحة، ومشددًا على حاجة إيران الماسّة إلى محطات طاقة صغيرة في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة.
وخلال زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى موسكو مطلع العام الجاري، أعلن السفير الإيراني لدى روسيا كاظم جلالي عن اتفاق البلدين على تشييد محطات طاقة نووية كبيرة وصغيرة بقدرة تصل إلى 5000 ميغاوات.
المفاعلات الصغيرة
هي مفاعلات نووية محدودة السعة، تشبه إلى حد بعيد تلك المستخدمة في الغواصات النووية، إذ يمكن تشييدها على مساحة لا تتجاوز بضعة أمتار. وعلى الرغم من محدودية إنتاجها، فإنها قادرة على تزويد منشأة كاملة في مدينة نائية بالطاقة، وذلك بتكلفة أقل وفي وقت أقصر. كما أن تصميمها لتكون متحركة أو في مواقع سرية يمنحها مستوى أمان أعلى من المفاعلات الكبيرة والثابتة.
ويرى محللون إيرانيون أن تجربة الحرب الأخيرة فرضت هذا التحول، ما يجعل النموذج الجديد بمثابة خطة جيوسياسية ذات هدفين مزدوجين: داخلي يتمثل في سد العجز في الطاقة، وخارجي يتيح لإيران هامش مناورة أكبر والقدرة على الإفلات من هجمات مماثلة لتلك التي تعرضت لها منشآتها خلال حرب الاثني عشر يومًا. فالمفاعلات الصغيرة ستكون موزعة على امتداد البلاد، بخلاف المفاعلات الكبيرة التي تركزت في الوسط وجعلتها عرضة للاستهداف.
كما أن هذه المنشآت ستحفظ لإيران حقها الذي لطالما تمسكت به في المفاوضات النووية، وهو تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها. فانتشار المئات من هذه المفاعلات الصغيرة في جغرافيا إيران الواسعة وفي مواقع سرية سيتيح استمرار التخصيب، ويجعل كلفة أي مغامرة عسكرية لاستهدافها أعلى بكثير.