بلا إشعار مسبق: السلطات التونسية تنقل قيادات معارضة إلى سجون بعيدة
30 مايو 2025
في خطوة وُصفت بالتصعيدية وغير القانونية، أعلنت تنسيقية عائلات المعتقلين السياسيين في تونس، يوم الخميس 29 مايو/أيار 2025، عن نقل عدد من الموقوفين فيما يُعرف بقضية "التآمر على أمن الدولة" من سجن المرناقية بالعاصمة إلى سجون بعيدة في محافظات أخرى، دون سابق إعلام لعائلاتهم أو هيئة الدفاع، مما أثار ردود فعل غاضبة في الأوساط الحقوقية والسياسية.
وبحسب بيان صادر عن التنسيقية، فإن عملية النقل شملت القادة السياسيين عصام الشابي، الذي تم تحويله إلى سجن برج الرومي في بنزرت، وغازي الشواشي إلى سجن الناظور في بنزرت أيضًا، ورضا بلحاج إلى سجن سليانة، في حين لا تزال العائلات في انتظار تأكيد وجهة كل من خيام التركي وعبد الحميد الجلاصي، الموقوفين في نفس الملف.
أعلنت تنسيقية عائلات المعتقلين السياسيين في تونس، يوم الخميس 29 مايو/أيار 2025، عن نقل عدد من الموقوفين فيما يُعرف بقضية "التآمر على أمن الدولة" من سجن المرناقية بالعاصمة إلى سجون بعيدة في محافظات أخرى
"إجراء تعسفي وانتقامي"
اعتبرت التنسيقية أن هذه التنقلات "التعسفية" تندرج ضمن سياسة ممنهجة لتقويض معنويات المعتقلين وقطع صلتهم بعائلاتهم ومحاميهم، ووصفتها بأنها "تصعيد جديد من طرف سلطة تملك كل مفاصل الدولة، في وجه عائلات لا تملك إلا الإيمان ببراءة أبنائها وحقهم في معاملة قانونية وإنسانية".
وأكدت التنسيقية عزمها على اتخاذ كل السبل القانونية والسلمية لمقاومة هذه الانتهاكات، مشيرة إلى أنها ستلجأ إلى المنظمات الحقوقية المحلية والدولية لتقديم شكاوى رسمية، بهدف كشف ما وصفته بـ"الوجه القمعي للسلطة القائمة".
جبهة الخلاص: "السلطة تعتبرهم رهائن"
من جهتها، نددت جبهة الخلاص الوطني، أكبر مظلة للمعارضة السياسية في تونس، بعملية النقل التي اعتبرتها انتهاكًا صريحًا للفصل 14 من قانون السجون الصادر في 14 أيار/مايو 2001، والذي يُلزم الإدارة بإبلاغ عائلات السجناء مسبقًا بأي نقل يتم.
ورأت الجبهة أن "السلطة لا تكتفي بالتنكيل بالمعتقلين، بل تسعى أيضًا إلى معاقبة عائلاتهم عبر إرغامهم على التنقل مئات الكيلومترات لتوفير الوجبات والملابس والزيارات".
وأضاف البيان، أن "ما حدث يعكس عقلية انتقامية تهدف إلى عزل المعتقلين عن العالم الخارجي، وحرمانهم من حقهم في التواصل مع محاميهم، بعد أن تم حرمانهم سابقًا من محاكمات حضورية واستُخدمت تقنيات المحاكمة عن بعد بصورة اعتبرتها هيئة الدفاع انتهاكًا صارخًا للحق في محاكمة عادلة".
أحكام ثقيلة واستنكار دولي
يأتي هذا التصعيد بعد أسابيع من إصدار الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب، في المحكمة الابتدائية بتونس، أحكامًا وصفت بـ"الصادمة"، تراوحت بين 4 سنوات و66 سنة سجنًا، بحق حوالي 40 متهمًا، من بينهم سياسيون معارضون، محامون، وقضاة سابقون، ضمن ما يُعرف إعلاميًا بـ"قضية التآمر".
وبحسب هيئة الدفاع، فإن "نحو 400 سنة من الأحكام استندت إلى شهادة منقولة عن شاهد مجهول الهوية، وهو ما يفقد المحاكمة أي مصداقية قانونية"، على حد تعبيرهم خلال ندوة صحفية عقدت يوم 21 نيسان/أبريل 2025.
وأكدت الهيئة أنها ستتقدم بطعون استئنافية، ووصفت المحاكمة بأنها "صورية، تهدف إلى تصفية المعارضة السياسية وتكميم الأفواه".
نقلات سابقة واحتجاجات قانونية
ليست هذه المرة الأولى التي يتم فيها نقل موقوفين في هذا الملف بشكل مفاجئ. فقد تم في كانون الأول/ديسمبر 2024، نقل الناشط السياسي وأستاذ القانون جوهر بن مبارك من سجن المرناقية إلى سجن بلّي بولاية نابل، وهو ما وصفته شقيقته المحامية دليلة مصدق بـ"القرار الانتقامي"، مشيرة إلى أن سبب النقلة يعود إلى احتجاجه داخل السجن على تصنيفه كموقوف "إرهابي" وحرمانه من الأنشطة الثقافية والرياضية، بالإضافة إلى عزله التام في زنزانة انفرادية.
وفي السياق ذاته، صرّح المحامي عبد الرحمان حسن شوشان أنه توجّه يوم 29 أيار/مايو إلى سجن المرناقية للقيام بزيارة أسبوعية لكل من غازي الشواشي ورضا بلحاج، لكن إدارة السجن أعلمته بنقلهما، دون تقديم أي مبرر رسمي. وكتب على صفحته بمنصة "فيسبوك": "لماذا كل هذا الحقد على المحامين وعائلاتهم؟ ألا يكفي سجنهم؟".
إدانات حزبية ودعوات للتصعيد
الحزب الجمهوري، الذي ينتمي إليه عصام الشابي، أصدر بدوره بيانًا شديد اللهجة، اتهم فيه السلطات بالاستمرار في "نهج التشفي والتنكيل"، وطالب بالإفراج الفوري عن كافة المعتقلين السياسيين، محمّلًا السلطات مسؤولية سلامتهم الجسدية والنفسية.
وجاء في البيان أن "هذه الممارسات ترسّخ مناخ القمع وتؤكد أن أجهزة الدولة تُستخدم لتصفية الحسابات السياسية"، داعيًا كافة مكونات المجتمع المدني والقوى السياسية إلى "التصدي لهذه السياسات الاستبدادية والدفاع عن الديمقراطية والحريات".
خلفية القضية
تعود خلفية القضية إلى ما وصفته السلطات في شباط/فبراير 2023 بـ"مخطط لإسقاط الدولة"، شمل شخصيات بارزة من المعارضة التونسية، بينهم سياسيون من جبهة الخلاص، قادة سابقون في أحزاب ديمقراطية، ومحامون معروفون بنقدهم الشرس لمسار 25 يوليو بقيادة الرئيس قيس سعيّد.
وقد أدت حملة الاعتقالات حينها إلى إدانات دولية واسعة، خاصة من منظمات مثل "هيومن رايتس ووتش" و"العفو الدولية"، التي اعتبرت أن ما يجري هو "محاولة ممنهجة لتفكيك ما تبقى من الفضاء الديمقراطي في تونس".






