بلادي.. بلادي

بلادي.. بلادي

لوحة لـ حسام بلان/ سوريا

الخوف

كانت ليالي طفولتي مسكونة بكل ما يخيف: عواء ذئاب، صراخ ابن آوى، أطياف ضباع، هسهسة حشرات في السقف الترابي، أصوات غامضة متوعدة تحملها الرياح من أماكن بعيدة مجهولة..

كانت ليالي طفولتي مسكونة بكل ما يخيف: عواء ذئاب، صراخ ابن آوى، أطياف ضباع، هسهسة حشرات في السقف الترابي

غير أن "الرَصَد" كان الأشد مهابة ورعبًا بين أعدائي الليليين الكثر. كان هو أمير الظلام بلا منازع في تلك القرية الصغيرة المعلقة في أحد سفوح جبل الشيخ. عفريت له ألف زي ويحكي بألف لسان. يظهر مرة على هيئة امرأة فاتنة تملأ جرتها من ماء العين، وفي مرة ثانية يبدو شيخًا طاعنًا في السن، وفي ثالثة يكون بائعًا متجولًا ضلَّ سبيله.. وفي كل مرة كان الناس يصدقونه ببساطة، إلى أن يكشف عن وجهه القبيح فجأة ويصرع ضحاياه بلا رحمة. إنه تجميع لكل الكائنات الخرافية المرعبة التي صاغتها ثقافات عديدة مختلفة، فكان هو الغول والبعبع و"أبو عين وعين" وجني الإبريق والنداهة.. أما اسمه "الرصد" فقد جاءه من مهنته الأساسية، كحارس لكنز عتيق خبأه أسلاف لنا في قعر واحدة من مغاراتنا الكثيرة.

اقرأ/ي أيضًا: مجرد تعب

مع كل صباح أستعيد حريتي، أنطلق بحبور طائش ممتنًا للقدر الذي انتزع لي يومًا آخر من براثن "الرصد". ألعب وأركض وأقفز، وأغب من الحياة طيلة النهار. وقبيل الغروب تتعلق عيناي بالشمس المتعبة المنسحبة إلى المبيت، وما إن تغيب خلف الجبال حتى تنطفئ روحي ويكف دمي عن الدوران، وأقضي السهرة مختبئًا في حضن أبي، أو متعلقًا بثوب أمي، وعندما ينام الجميع أظل وحيدًا معذبًا بالأرق، متلهفًا لقيام الشمس مجددًا..

وقامت الشمس حقًا، ومع الصباح جاء زوار جدد. هدير مركبة وخبط أقدام يهز الأرض وأصوات غاضبة مهددة.. رجال متجهمون بأعين حجرية وبدلات "الكاكي" وبنادق مستنفرة. هبطوا على بيت الجيران، وأطلقوا النار وحطموا الأبواب والنوافذ واقتلعوا عرائش العنب. وزعوا الصفعات والشتائم وأسالوا الدماء. وبعد دهر رحلوا مخلفين وراءهم صمتًا ثقيلًا ورائحة كريهة علقت بالهواء كل النهار..

وحل الظلام، فكانت الليلة الأولى التي يختفي فيها "الرصد" من حياتي. أما الأرق الذي هدَّ كياني فقد كان بسبب اليقين المحبط من أن الصباح سوف يعود حتمًا، وأن لا مفر من النهوض إلى الحياة من جديد.

 

الغضب

بدت الحافلة أشبه بمأتم متحرك. كان الركاب واجمين كأنهم شواهد قبور، بوجوه خلت من أي نظرة ود، وأيد متشنجة مشحونة بالتوتر..

أما السائق فقد كان من عالم آخر. جسد مستريح وابتسامة مشعة، وسرعان ما صارت "صباح الخير" التي يستقبل بها الصاعدين و"مع السلامة" التي يودع بها النازلين تعويذتين نجحتا في طرد الشؤم من المكان.. شيئًا فشيئًا سرت العدوى إلى الركاب، فانفكت ألسنتهم وانفرجت شفاههم.

علينا ألا نخاف فالتاريخ لا يكرر نفسه، ولكن يا للرعب فالجوع اعتاد أن يفعل ذلك

مزهوًا بنجاحه، أقدم السائق على حركة طائشة: أدار مفتاح تشغيل الراديو، فانبرت مذيعة توبخ الركاب على كثرة شكواهم، مؤكدة أن الأمور على ما يرام، وأن الشعور بالأزمات هو مجرد وجهة نظر متشائمة.. فجأة عم صمت مدو، وصارت الحافلة برمتها على شفا شتيمة قد تلعلع من هنا، أو صفعة قد تنطلق من هناك.

 

الجوع

إبان الحرب العالمية الأولى، ضربت المجاعة بلاد الشام، ويقال أنها أودت بحياة 200 ألف لبناني وعشرات الآلاف في سوريا.

اقرأ/ي أيضًا: سطوة الحكاية

صورة عن تلك الأيام من رواية "الرغيف" لتوفيق يوسف عواد: "امرأة شعثاء مستلقية على ظهرها رأسها مائل، غزا القمل جسدها، تعلق بها رضيع ذو عيون كبيرة. ومن صدرها برز ثدي ملأته الخدوش يعصره الرضيع بأصابعه الصغيرة وبشفتيه المتلهفتين، ليهجره باكيًا يائسًا من ظهور الحليب".

علينا ألا نخاف فالتاريخ لا يكرر نفسه، ولكن يا للرعب فالجوع اعتاد أن يفعل ذلك.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فراديس الأمس المفقودة

الزمن مصفاة للشعور