بكين تقتنص الفرصة.. كيف ملأت الصين الفراغ الإيراني في سوق الصلب العالمي؟
21 مايو 2026
تواصل الصين تعزيز حضورها في سوق الصلب العالمي مستفيدة من تراجع الصادرات الإيرانية والقيود التجارية المفروضة على المنتجات النهائية، في تحول يراه مراقبون أحد أبرز التغيرات الصناعية التي فرضتها الحرب في الشرق الأوسط خلال عام 2026.
وبحسب تقرير نشرته وكالة "بلومبيرغ"، رفعت الصين صادراتها من الصلب شبه المُصنّع إلى مستويات قريبة من الأرقام القياسية بعد انهيار جزء كبير من التدفقات الإيرانية، بينما أكدت بيانات مؤسسة "إس آند بي غلوبال"، فإن صادرات الصين من هذه المنتجات قفزت بنسبة 182% خلال الربع الأول من العام الجاري.
تواصل الصين تعزيز حضورها في سوق الصلب العالمي مستفيدة من تراجع الصادرات الإيرانية والقيود التجارية المفروضة على المنتجات النهائية
وكانت إيران تُعد موردًا رئيسيًا لمنتجات "البليت" و"السلاب"، وهي مواد أولية تدخل في الصناعات التحويلية الثقيلة، خصوصًا في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط. لكن الضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت منشآت الصلب الإيرانية، إضافة إلى اضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز، أدت إلى توقف شبه كامل للصادرات الإيرانية وخلقت فراغًا تحركت الصين سريعًا لملئه.
وتشير التقارير إلى أن شركتي "مباركة ستيل" و"خوزستان ستيل"، وهما من أكبر المنتجين الإيرانيين، تعرضتا لأضرار مباشرة أجبرتهما على تقليص أو وقف الإنتاج، فيما فرضت السلطات الإيرانية قيودًا على تصدير عدد من منتجات الصلب حتى نهاية أيار/مايو على الأقل.
وفي نيسان/أبريل وحده، بلغت صادرات الصين من المنتجات شبه المُصنّعة 1.64 مليون طن، مقتربة من الرقم القياسي المسجل في آب/أغسطس 2025 عند 1.75 مليون طن، بينما كانت إندونيسيا وتايلاند من أبرز المستوردين، نظرًا لاعتماد مصانع الدرفلة فيهما على واردات الألواح والقضبان المعدنية.
وتوضح بيانات "إس أند بي غلوبال" أن صادرات الصين من ألواح الصلب "السلاب" ارتفعت بأكثر من 182% على أساس سنوي خلال الفترة بين كانون الثاني/ يناير وآذار/مارس، لتصل إلى أكثر من 600 ألف طن، في حين ارتفعت صادرات "البليت" بنحو 15% لتتجاوز 2.6 مليون طن.
ويرى متعاملون في السوق أن هذا التحول لا يرتبط فقط بغياب إيران، بل أيضًا بتزايد القيود التجارية العالمية على الصلب النهائي الصيني. فمع تصاعد دعاوى الإغراق والرسوم الحمائية ضد المنتجات النهائية، اتجهت المصانع الصينية بقوة نحو تصدير المواد شبه المُصنّعة الأقل تعرضًا للعقوبات التجارية.
وبحسب التقرير، سُجلت 17 قضية إغراق وإجراءات حماية تجارية ضد الصلب الصيني منذ بداية 2026، مقارنة بـ12 قضية فقط طوال عام 2025، بينما تواجه صادرات بكين تحقيقات إضافية في عدة أسواق كبرى تشمل البرازيل وكوريا الجنوبية وفيتنام وتركيا.
ورغم هذه الضغوط، حافظت الصادرات الصينية على زخمها بفضل الطلب الخارجي القوي وضعف الطلب المحلي داخل الصين، خاصة مع استمرار أزمة قطاع العقارات وتباطؤ استهلاك الحديد والصلب داخليًا. وأكدت مصادر تجارية أن الأسواق الخارجية أصبحت "متنفسًا حيويًا" للمصانع الصينية في ظل تراجع هوامش الربحية محليًا.
كما لعبت الحرب في الشرق الأوسط دورًا إضافيًا في رفع أسعار الصلب والشحن البحري، وهو ما دعم الأسعار العالمية ومنح المنتجين الصينيين قدرة أكبر على المنافسة، خصوصًا بعد غياب المورد الإيراني الذي كان يزود جنوب شرق آسيا بنحو 2 إلى 2.5 مليون طن سنويًا من المنتجات شبه المُصنّعة.
وتشير تحليلات السوق إلى أن الصين أصبحت المورد الأكثر تنافسية في آسيا، متفوقة حتى على إندونيسيا وفيتنام في بعض القطاعات، بينما ارتفع نشاط بيع الألواح الصينية في جنوب شرق آسيا بشكل ملحوظ منذ اندلاع الحرب.
في المقابل، لا تزال المخاطر الجيوسياسية تشكل عاملًا حاسمًا في مستقبل السوق، إذ يحذر متعاملون من أن استمرار إغلاق أو اضطراب الملاحة في مضيق هرمز قد يرفع تكاليف النقل والتأمين بشكل أكبر، ما قد يؤثر على استقرار الإمدادات والتجارة العالمية للصلب خلال الأشهر المقبلة.
ويبدو أن بكين نجحت حتى الآن في تحويل الأزمة الإيرانية إلى فرصة اقتصادية واستراتيجية، عبر توسيع حصتها السوقية عالميًا وتعزيز نفوذها الصناعي في آسيا، مستفيدة من فراغ تركته الحرب والعقوبات في واحدة من أهم أسواق المعادن في المنطقة.