بكم اشترى النظام المصري شرعيته؟

بكم اشترى النظام المصري شرعيته؟

السيسي أثناء اجتماعه مع المدير العام لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد (Getty)

يعلم النظام أنه يحتاج إلى كثير من المال لكي يثبّت به أركانه. فكان عليه أن يعتمد على كل مصدر من مصادر الدخل والمال الممكنة ليشتري شرعيته التي دفع ثمنها أثمانًا باهظة حصل عليها من حاجز الحاضر؛ ومخزون الماضي، بل وامتدت للمستقبل أيضًا، فلم يعد هناك خزائن لم تمتد يده إليها.

بكم اشترى النظام شرعيته؟ في البداية حصلت مصر على 23 مليار دولار من دول الخليج على مدى 18 شهرًا في صورة منح ومساعدات بترولية وودائع بالبنك المركزي. وقد تدفقت هذه المساعدات إلى مصر من دول الخليج بعد الإطاحة بمحمد مرسي في يوليو/تموز 2013.

كان العطاء الخليجي سخيًا للغاية في سبيل دعم نموذج عسكري في مصر، اعتقد الخليجيون أنه أفضل بديل للحاكم الضعيف الذي وصل للحكم بطريق الانتخاب، مع أن التعامل وقتها مع رئيس شرعي وصل إلى سدة الحكم بطريق الانتخاب، كان أرخص بكثير من فاتورة دعم "مرشح" الجيش الذي تعامل مع مليارات الخليج على أنها "رز".

حصلت مصر على 23 مليار دولار من دول الخليج على مدى 18 شهرًا في صورة منح ومساعدات بترولية وودائع بالبنك المركزي

صحيفة "الدويتشه فيله" الألمانية قدرت المساعدات الخليجية بـ33 مليار دولار، وتساءلت على موقعها: أين ذهبت مليارات الخليج، ولماذا لا يشعر بها المصريون؟

وقتها، أي عام 2015، استخدمت السعودية مصر -في المقابل- فيما يسمى "التحالف العسكري الإسلامي" لتنفيذ خططها في اليمن وسوريا، وأعلنت أن استثماراتها في مصر ستكون من 6 إلى أكثر من 8 مليارات دولار، وأنها سوف تُستخدم في الإسهام في توفير احتياجات مصر من البترول لمدة خمس سنوات.

اقرأ/ي أيضًا: السيسي.. فرعونٌ بلا أهرامات

ثم جاءت صفقات التسليح لتدخل مصر نفقًا مظلمًا جديدًا، فحرصت على تنويع مصادر تسليحها بين الشرق والغرب، فكانت فرنسا أكبر موردي السلاح لمصر بحرًا وجوًا، وتَشَكَّل التعاون العسكري بين مصر وفرنسا فيما بعد "30 يونيو".

فكانت صفقات السلاح مع فرنسا الأوسع والأشمل، وبلغت حوالي ملياري يورو. في الوقت الذي كانت فيه البلاد تعاني أزمة كبيرة جدًا في توفير النقد الأجنبي، ووضع اقتصادي كارثي. امتدت صفقات الأسلحة إلى الصين وماليزيا والولايات المتحدة وروسيا، في صفقات تصل قيمتها إلى 11 مليار دولار، أبرزها مع فرنسا، منها 24 طائرة "رافال" وحاملتيْ طائرات "ميسترال"، وفرقاطة بحرية، وقطع أخرى تُصنع في "ترسانة الإسكندرية".

أما مشروع تفريعة قناة السويس، فهو أحد المشروعات التي تم تصديرها على أنها من أهم المشروعات القومية التي ستدعم أركان حكم السيسي. اعتمد تمويل مشروع حفر التفريعة على شهادات استثمار اكتتب فيها المصريون بفئة 10، 100، و1000 جنيه، واستهدفت هذه الشهادات توفير التمويل اللازم لتنفيذ أعمال الحفر والطرق والأنفاق بالمشروع، وكذلك العملية المرتبطة بتنمية محور إقليم قناة السويس.

بلغ المبلغ الإجمالي من قيمة بيع هذه الشهادات، 61 مليار جنيهًا، بعد قرار الحكومة برفع معدّل العائد إليها إلى 12% تصرف كلّ ثلاثة أشهر.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا لن يحل تعويم الجنيه الأزمة في مصر؟

فيما بلغت الكُلفة الإجمالية لعملية حفر المحور الجديد لقناة السويس 19.5 مليار جنيه. وتتمثل في أعمال الحفر على الناشف بتكلفة تقديرية 4 مليار جنيه، وأعمــال التكسيات بتكلفة تقديرية 500 مليون جنيه، وأعمال التكريك بتكلفة 15 مليار جنيه.

كانت صفقات السلاح مع فرنسا الأوسع، وبلغت حوالي ملياري يورو. في الوقت الذي كانت فيه البلاد تعاني من توفير النقد الأجنبي

لكن المشروع لم يؤتِ ثماره المرجوة، وبدأ الشك يتسرب إلى نفوس المصريين حول شهادات استثمارهم فيها، خاصة بعد تدني قيمة الجنيه بعد تعويمه بنسبة تصل إلى 48%، وبالتالي تدني مدخراتهم، ما يعني أن قضية الاستثمار في هذه الشهادات لم تكن الورقة الرابحة. ويأتي أخيرًا قرض صندوق النقد الدولي ليدفع مصر إلى مزيد من الفقر والتبعية الاقتصادية، وتقدر قيمته بـ12 مليار دولار، تتسلمها مصر على ثلاث سنوات.

ويحاول أنصار النظام تصويرها على أنها شهادة ثقة في الاقتصاد المصري، بينما يرى آخرون أنها تعيد إنتاج الفقر والعذابات للمصريين على مدى عدة عقود بسبب ما يتطلبه هذا القرض من سياسات تقشف وإلغاء للدعم.

وتساءل جابر الحرمي رئيس تحرير جريدة الشرق القطرية قائلًا: "هل صندوق النقد سينقذ اقتصاد مصر؟". وقال لاحقًا في تغريدة على موقع تويتر "إذا لم ينفع مع السيسي 100 مليار دعم تلقاه من دول خليجية وأطراف دولية. هل ستنقذه 12 مليار دولار، قرض صندوق النقد؟". وأرى التساؤل هنا مشروعًا، والإجابة معروفة مسبقًا!

اقرأ/ي أيضًا:

مأزق الخليج في مصر

تعويم الجنيه المصري.. خلفيات ونتائج القرار