مشهد صحراوي (frmarkv)

خويا منصور

لن أقول لك صباح أو مساء الخير. لا لأنني أجهل هل تقرأ رسالتي هذه في الصّباح أم في المساء، بل لأنني لا أدرك فعلًا في أيّ زمن أنا. قد يستطيع الشاعر أن يكتب خارج الزمن، لكن هل يستطيع الرّوائي ذلك؟

تعلم أنني أسجّل تأملاتي الصغيرة في كناشة صغيرة، وأكتب تحتها القصة التي أوحتها لي. وأنا لم أترك هذه العادة في الصحراء. كم ضحك السّعدي المريد حين وقعت الكناشة في يده، فلاحظ أنني أكتب التأمل، ثم أكتب تحته ما أسميتُه "سببَ النزول". وقد كان آخرَ تأمّلٍ سجلته: لا تنتظرْ أن تصير كاتبًا إنسانيًّا إذا لم تصمتْ في حضرة امرأة تحكي.

سبب النّزول: هل ترفض أن تحمل على مدار أربعين يومًا صخرة من سفح جبل حتّى إذا بلغتَ بها قمّته تهاوتْ إلى السّفح من جديد كما حدث لسيزيف؟ والمقابل هو أن تعرف مصير الجازية ابنة خالتك؟

أعلم مسبقًا أنك ستقبل. فكيف إذا خُفّف الشّرط، فصار أن تصوم أربعين يومًا في الضّريح، لا تغادره ولا تغفل عن خدمته؟

قلت في البداية إنني متعوّد على الجوع في الجزائر العاصمة، فلن يتعبني الصّوم. وقد تعوّدت على خدمة الأحياء، وأنا لا أنتظر منهم مقابلاً، فلأخدُمِ الأمواتَ علّني أعرف أين ذهبت حبيبتي. ليس ثمّة مقابل أفضل من هذا.

هل جرّبت يومًا أن تسمع إنسانًا يُحدّث ميتًا على أنّه حي، وهو يعلم أنّه مات؟ أنا جرّبت ذلك في الضّريح.

لقد سمعت صفية تخاطب الضّريح: السّلام عليك يا سيّدي. السلام عليك يا حبيب الله. ألم تعرفني؟ أنا صفية. لكن أعفني من ذكْرِ من هو أبي حتّى لا تغضب عليه، وقد مات وأنت راضٍ عنه. إنّه أبي في النّهاية، وأخاف أن يضيق عليه قبرُه إذا اتسع عليه غضبُك، فأنت عادل يا سيّدي، ولن تغفر له غلطته معي حتّى وإن خدمك أعوامًا، وأقام اللّيل في حضرتك حتّى كان العَمَشُ يطمس عينيه كما أخبرتني بذلك أمي.

قالت: هل تظنّين أنّني كنت أشبع من وجهه يا صفية؟ كان يعيش بياض نهاره في خدمة المقام، وسواد ليله في مناجاة دفينه، الذّي لم يكن يغفل عن ذكره حتّى وهو في فراشي، لكنّني كنت كلّما هممت بأن أحتجّ عليه أتذكّر أنّه كان واضحًا معي منذ البداية.

كان جدّكِ صلّوحة رحمه الله يزور العاصمة مرّتين في العام ليرقي بعض العسكر، الذين تعرّف عليهم عن طريق صديق له يسمّى لخضر عبد الحميد. وقد عاد مرّة من هناك، ومعه فتىً نويتُ أن يكون أباك بمجرّد أن رأيته. ولأنّ النّيّة الصّادقة توصل صاحبها إلى مبتغاه، فقد تحقّق مبتغاي.

قال لي: شوفي يا مخلوقة الله. أنتِ طلبتِ نصف الدّين، ولكنّني سأكون واضحًا معك منذ البداية، لا تسأليني أبداً من أين جئت؟ ولا إلى أين أنا ذاهب؟ وإن حدث أن متّ، وتركت معك ذرّية، فلا تدخلي بهم الجزائر العاصمة. العاصمة هي من تأتيهم يا امرأة. ولكن لماذا يا رجل؟. ها قد بدأت تخلّين بالشّرط قبل أن نتزوّج، فدعيني وشأني.

قلت لك يا صفية إنّني لا ألومه لأنّني لم أدعه وشأنه. قبلت بالشّرط، والتزمت به إلى غاية اليوم، حيث أرفض أن تذهبي إلى العاصمة لتبحثي عن أهلك، فأنا وذكرى أبيك أهلك.

مات أبي يا سيّدي في إحدى زياراته إلى العاصمة. ذبحوه من الوريد إلى الوريد مع صديقين له يسمّيان نعيم الولهي وسمير عشّو. وقد كان عمري حين عاد جدّي صلوحة بالخبر شهرين في بطن أمّي. فهل أقبل بخطبة مصطفى عبد الرّحيم؟ لا تنس يا سيّدي أنّ أبي قال إنّه سيأتيها مكتوبها من الجزائر العاصمة.

خويا منصور

أما أنا فلن أستشير أحدًا في عودتي إلى العاصمة بعد يومين. ومنها إلى حيث دلّني السّعدي المريد على مكان حبيبتي حجلة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

شرفة في دير بعيد

إليَّ في ميلادي الرابع والثلاثين