بغداد.. وصلُ الضفتين بكتاب

بغداد.. وصلُ الضفتين بكتاب

خلال توقيع واسيني الأعرج

لم أكن أعلم، أنني بعد أن اعتدت الحديث بطريقة أيروتيكية عن الجسد، أن ألعنه عندما فشل بالموائمة بين العمل والبهجة، بهجة مشاركة الناس دورانهم المثير في الممرات الكثيرة لـ"معرض بغداد الدولي للكتاب"، ومشاركة جلوسهم العفوي والجميل على أرض باحته الوسطى، فأسقطه التعب على مصطبة الراحة.

سعود السنعوسي عن بغداد: "هذه ليست المدينة التي نشاهدها في وسائل الإعلام"

في اليوم الأول، كنت أسير مع الصديق أحمد الشيخ ماجد من ساحة وقوف السيارات البعيدة نسبيًا عن بوابة المعرض، لنرى أن البوابة الرئيسية لم تكن مدخلنا المقصود وأن أخرى ثانوية من جانب شارع الأميرات صارت مدخل القراء إلى كرنفال الكتب، الذي يبعد أمتارًا قليلة عن باب القاعة الكبيرة والوحيدة التي احتضنت جميع دور النشر والمكتبات المشاركة.

اقرأ/ي أيضًا: "معرض بغداد الدولي للكتاب": فاتحة لحياة عراقية جديدة

قادتنا أقدامنا بين ممرات الكتب حتى شعرنا بالتيه، لنعرف لاحقًا أن 600 دار نشر ومكتبة تشارك في هذه القاعة الواسعة، التي لم يخلُ متر فيها من جمهرة جمعت المراهقين بالكهول في حالة شغف واحدة لاصطياد العناوين.

كانت الصورة الأكثر التصاقًا برأسي خلال زياراتي الأربع للمعرض، والتي توقفت بعد وعكة تسبب بها الإعياء الشديد من قضاء 14 ساعة يوميًا بين العمل والمعرض، هي الابتسامة التي ارتسمت على وجوه الجميع، أكاد أجزم أنني لم ألحظ وجهًا واحدًا عبوسًا من الزوار، ربما القليل من الباعة في أجنحة الكتب الدينية فقط.

كانت هذه البهجة تشع في حي المنصور الأرستقراطي في النصف الغربي من بغداد، أو ما يسمى بالكرخ، تشع بطريقة جعلت الروائي الكويتي سعود السنعوسي يقول عن زيارته الأولى إلى بغداد: "هذه ليست المدينة التي نشاهدها في وسائل الإعلام".

كانت المشقة الجميلة التي رافقتني في زياراتي إلى المعرض، هو كثرة التحايا التي أرسلتها أو استلمتها من الأصدقاء، كما لو كان هذا المعرض كعبةً تجمع الأصدقاء والمحبين من شتى المسافات، التقيت بالأصدقاء من البصرة والنجف وذي قار، ومن ألمانيا والسويد.

وفي زيارة أخرى مع أحمد جمعتنا بأحد الشعراء القادمين من أوروبا، فاقترحنا عليه الخروج والجلوس في أحد المطاعم الهادئة والمتناثرة في شوارع المنصور، قال إنه هارب من الهدوء، وطلب أن نتركه يستمتع بهذا الصخب. كنا نتحدث والنافذة الصغيرة التي أعدها مقهى رضا علوان في المعرض تختنق بالباحثين عن دقيقة راحة، حتى أصبح الكرسي هناك بحسب وصف صديقي أحمد "أغلى من كرسي البرلمان".

يمكن أن نقول إن مدينة مجروحة مثل بغداد جبل خاطرها، حين شاهدت أبناءها يبتهجون بالمعرفة

مما لا ينسى، شهد المعرض واحدة من أسرع حالات التراجع بقرار حكومي، عندما أعلنت وزارة التجارة وضع تذكرة للدخول على الزوار، في يومه الرابع، ربما أرادت الوزارة الاستثمار بأعداد الزوار، لكن الهجمة التي تلقتها بالاعتراض على قرارها الذي وصفه مدير المعرض التنفيذي أحمد الراضي بـ"غير الأخلاقي"، جعلها تتراجع بعد ساعات لم تتجاوز الأربع، ليعود الدخول مجانيًا مرة أخرى.

اقرأ/ي أيضًا: من سنجار إلى بغداد

كانت بغداد سعيدة خلال أيام المعرض لسببين، الأول لأن الرصافة التي اعتاد شارعها، شارع المتنبي، استقبال القراء الكرخين في مكتباته في أيام الجمع، يزور اليوم كرخها الذي يحتضن معرض الكتاب، والثاني لأن السعادة التي ارتسمت على وجوه البغداديين لم يكن سببها حفل غنائي ولا مدينة ألعاب، ولا نصر عسكري، بل كان لقاء يجمعهم بكتابهم المفضلين من المحليين والعرب، وفرصة لشراء الكتب؛ هكذا يمكن أن نقول إن مدينة مجروحة مثل بغداد جبل خاطرها، أنها شاهدت أبناءها يبتهجون بالمعرفة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الشباب.. آخر ثروات العراق

معرض الجزائر للكتاب.. كأن شيئًا ينقص