بعد 36 سنة.. ماذا بقي من

بعد 36 سنة.. ماذا بقي من "الربيع الأمازيغي"؟

أمازيغ الجزائر حراك متجدد(فاروق بعطيش/أ.ف.ب)

قبل أزيد من ثلاثة عقود من "الربيع العربي"، كانت منطقة القبائل وسط الجزائر على موعد مع "الربيع الأمازيغي" بتاريخ 20 نيسان/أبريل 1980، هذه الأحداث مثلت البداية للمطالبة بترسيخ الهوية الثقافية واللغوية للأمازيغ، لكنها كانت مفصلية بحيث كسرت حاجز الخوف من النظام الذي كان يحكم البلد بالحزب الواحد.

كانت احتجاجات أبريل 1980 في الجزائر أول حراك شعبي ضد السلطة بعد الاستقلال

في الثامن عشر من نيسان/أبريل 1980، كانت الجزائر تعيش سنتها الأولى بعد وفاة الرئيس هواري بومدين واستلام الرئيس الشاذلي بن جديد سدة الحكم، حين منعت السلطات الجزائرية آنذاك المفكر الأمازيغي مولود معمري من إلقاء محاضرة حول الشعر الأمازيغي في جامعة تيزي وزو، المدينة التي تعد عاصمة منطقة الأمازيغ، 110 كيلومترًا شرقي العاصمة الجزائرية.

اقرأ/ي أيضًا: الأمازيغية في الجزائر.. من السجن إلى الدستور

فجّر قرار المنع حالة من الاستياء والغضب في أوساط الطلبة ونشطاء الحركة الأمازيغية، وفي اليوم الموالي، 19 أبريل، بدأت شرارة الاحتجاجات في الحرم الجامعي، وفي 20 أبريل انتقل الغضب إلى عموم السكان في المدينة والقرى والبلدات المجاورة وعرف الشارع حالة من الانفلات، وشهدت المدينة خلال أيام مواجهات عنيفة وحركة عصيان مدني واجهتها السلطات الجزائرية بالقوة.

حراك متجدد

لم يعهد النظام الجزائري، منذ استقلال البلاد عام 1962، حركات احتجاج شعبية ولم يكن نظام الحكم وهو نظام حزب الواحد، يتيح الخروج عن طوع السلطة، فكانت هذه الاحتجاجات تطالب بالاعتراف بالهوية والثقافة الأمازيغية للبلد، ولم تتبلور خلالها أي مطالب سياسية، لكن أهميتها كانت في كونها أول حراك شعبي ضد السلطة.

لجأت السلطة حينها إلى اعتقال عدد كبير من نشطاء الحركة البربرية، واعتقد الجميع أن السلطة احتوت الحركة الاحتجاجية، لكن بعد سنوات عاد المطلب الأمازيغي بأكثر قوة وشهدت الجزائر بين 1990 و1994 موجة من الحراك الأمازيغي انتهى بالإضراب الذي سمي آنذاك "إضراب المحفظة"، حيث امتنع سكان منطقة "القبائل" عن إرسال أطفالهم إلى المدارس، ورفض الطلبة التحول إلى الثانويات، وانقضت السنة الدراسية كسنة بيضاء في المؤسسات التربوية في مدن المنطقة، ما دفع السلطة إلى الخضوع إلى مطلب تدريس اللغة الأمازيغية في المدارس، على الأقل في المحافظات ذات الغالبية الأمازيغية.

هكذا اعتقد الجميع أن السلطة احتوت المشكل، لكن الحركة المطلبية الأمازيغية عادت بعد عقد آخر، بأكثر قوة وعنفوان، من خلال "الربيع الأسود"، الذي أعقبته "مسيرة 14 يونيو"، الشهيرة، من منطقة القبائل نحو العاصمة الجزائرية مشيًا على الأقدام وراح ضحيتها أكثر من 150 قتيلًا وعديد الجرحى. وانتهت باعتراف السلطة باللغة الأمازيغية كلغة وطنية في تعديل الدستور لسنة 2003.

اقرأ/ي أيضًا: ما معنى أن تكون جزائريًا؟

خطوة كل عشر سنوات

أبرز ما تحقق هذه السنة لأمازيغ الجزائر كان إقرار بوتفليقة دسترة اللغة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية

بعد 36 سنة، ومراحل من الاحتجاج من أجل الهوية الأمازيغية في الجزائر، تحققت مكاسب وتأخرت أخرى، أبرز ما تحقق هذه السنة كان إقرار الرئيس الجزائري دسترة اللغة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية، وهو مكسب عده الكثيرون أكبر ما يمكن أن يتحقق للحركة الأمازيغية، لكن أسئلة كثيرة لا تزال مطروحة حول ذلك.

يعتقد المحلل السياسي عثمان بوزيان أن "المسار التاريخي للحركة المطلبية الأمازيغية يؤكد أن المطالب المرتبطة باللغة والهوية تعود بعد كل عقد تقريبًا، برغم المكاسب الظاهرية التي تحققت كتدريس اللغة الأمازيغية في المدارس في 24 محافظة وترسيم اللغة كلغة وطنية ورسمية، لكن السلطة في الجزائر كانت قد طرحت مكاسب سياسية للأمازيغ دون أن تضعها قيد التنفيذ". ويضيف بوزيان: "السلطة في الجزائر ربما نجحت مرحليًا في إسكات واستيعاب الحركة المطلبية الأمازيغية، لكن الصيرورة التاريخية تؤكد أن هذه الحركية تعود بعد كل عقد".

وبعيدًا عن هذا الطرح، ذهب المتابع لقضية "الربيع الأمازيغي"، الإعلامي حسان زيزي، إلى أن "ترسيم اللغة الأمازيغية في الدستور الجديد أثرى مسألة الهوية الجزائرية الأمازيغية التي ناضل من أجلها الكثير من المفكرين الأمازيغ في الوطن، وهو ما قطع الطريق أمام البعض ممن أسماهم ببائعي الكلام والسياسيين الذين يتاجرون بقضية الهوية الأمازيغية في كل مناسبة". وأكد المتحدث، في هذا السياق، أن الذكرى هذه السنة تتزامن مع الجدل الدائر حول كتابة اللغة الأمازيغية بالحرف العربي أو اللاتيني أو بحروف "التيفيناغ"، الحروف الأمازيغية الأولى.

نجحت السلطة الجزائرية في استيعاب الحركة المطلبية الجزائرية مرحليًا لكن الصيرورة التاريخية تؤكد أن هذه الحركية تعود بعد كل عقد

وحذر زيزي، في تصريح لـ"الترا صوت"، من صعود غير مألوف للتيار الانفصالي الذي يقوده فرحات مهني، أحد الفاعلين الناشطين في الحركة البربرية خلال الفترة الأخيرة، وهو الأمر الذي فسح المجال لبروز حركة غير عادية في وسط المجتمع الأمازيغي وعلى وجه الخصوص في منطقة "القبائل"، عشية الاحتفال بالذكرى 36 لـ"الربيع الأمازيغي". كما كشف المتحدث عن "بروز غير عادي للعديد من الوجوه التي شاركت في أحداث 20 أبريل 1980 في صورة توحي بترتيبهم للعودة للساحة السياسية أو ربما عن بحثهم عن مجد ضائع".

اللافت هو أن الكثير من الناشطين في الحركة الأمازيغية، قد تحولت مواقفهم إلى دعم السلطة في العقد الأخير وبعضهم عينوا كوزراء في الحكومة كوزيرة الثقافة السابقة خليدة تومي، وزير التجارة والصحة السابق عمارة بن يونس ووزير الشباب والرياضة الحالي الهادي ولد علي، مؤكدين "اقتناعهم بالتحولات الإيجابية العميقة لموقف السلطة تجاه المطلب الأمازيغي وهو ما لم يبق بحسبهم مبررًا للحركة المطلبية".

والآن، تتخوف السلطة من عودة الحراك المطلبي للأمازيغ، في ظل الظروف الداخلية والاقليمية الراهنة، خاصة في ظل اعتماد القوى الدولية الضاغطة على عوامل التفتيت الداخلي واستغلال الاختلافات الإثنية واللغوية والعرقية.

اقرأ/ي أيضًا:

الوشم في ثقافة الأمازيغ.. ذاكرة الجسد

شعر أمازيغ الجزائر.. ذاكرة الألم

موقع التراصوت .. قريبا..
altra sawt logo



قريبـــاً ...
www.ultrasawt.com