بعد 30 عامًا على انهيار الاتحاد السوفيتي.. هل تشهد أوروبا الشرقية ثورة؟

بعد 30 عامًا على انهيار الاتحاد السوفيتي.. هل تشهد أوروبا الشرقية ثورة؟

من الاحتجاجات التشيكية المطالبة بإسقاط رئيس الوزراء الملياردير (EPA)

لا يمكن استثناء دول أوروبا الشرقية من خارطة الاحتجاجات التي اجتاحت العديد من دول العالم، ذلك أن غالبية دول أوروبا الشرقية كانت مسرحًا للاحتجاجات الشعبية منذ اليوم الأول من عام 2019.

تنوعت احتجاجات دول أوروبا الشرقية خلال 2019، لتشمل فصولًا مختلفة مرتبطة بالفساد وقمع الحريات الفردية والمدنية

إلا أن هذه الاحتجاجات اختلفت في شكل مطالبها عن احتجاجات باقي الدول، فإذا كان خروج المتظاهرين إلى الشوارع في أمريكا اللاتينية للاحتجاج على تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتراجع الديمقراطيات الشعبية، فإن الاحتجاجات تنوعت في الخارطة الشرقية الأوروبية، لتشمل فصولًا مختلفة مرتبطة بالفساد وقمع الحريات الفردية والمدنية، أكثر من ارتباطها بالديمقراطية السياسية التي تعتبر واحدة من المسلمات التي تقوم عليها ليبرالية القارة العجوز.

اقرأ/ي أيضًا: "سنة الأحلام الخطيرة".. لماذا انتفض العالم في وجه الأنظمة السياسية؟

ويضاف إلى هذه القضايا، قضية مركزية فصلت احتجاجات دول شرق أوروبا عن دول الكتلة الغربية، تتمثل في محاولات روسيا التمدد في دول الشرق التي كانت خاضعة في ما مضى لنفوذ الاتحاد السوفيتي، خاصة أن موسكو يزداد شغفها بتوسيع نفوذها السابق، بالتزامن مع إحياء الكتلة الشرقية للذكرى الـ30 لانفصالها عن الاتحاد السوفيتي.

كما أن موسكو نفسها كانت على موعد مع مظاهرات نظمتها المعارضة الروسية احتجاجًا على منع لجنة الانتخابات لمرشحي المعارضة من المشاركة في الانتخابات المحلية، فضلًا عن هدفها الأساسي المتمثل في تنفيذ إصلاحات سياسية، في الوقت الذي تتراجع فيه نسب تأييد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بسبب انخفاض الدخل الفعلي للمواطنين خلال السنوات الماضية، وتراجع نمو الاقتصاد المحلي الذي أثرت عليه العقوبات الأوروبية والأمريكية.

وباستثناء الحالتين الفرنسية والإسبانية، فإن باقي دول أوروبا الغربية، إلى جانب عواصم عالمية متعددة، شهدت مظاهرات حاشدة بعد الدعوات التي أطلقتها الناشطة السويدية غريتا تونبرج، للإضراب العالمي للمناخ في أيلول/سبتمبر الماضي. 

الفارق هنا أن الدول الغربية ركّزت مظاهراتها على التغير المناخي الذي تسير أزمته بشكل تصاعدي، منذرةً بما هو أسوء، دون أن تكون هناك حلول لمواجتها، رغم المخاطر الناجمة عنها. بينما كان على دول الكتلة الشرقية الاحتجاج على أزمة المناخ إلى جانب القضايا المحلية الأخرى التي تثير قلقهم أكثر.

تحت نفوذ اليمين الشعبوي

كان المتغير الأكثر بروزًا في الجانب الديمقراطي للخارطة الأوروبية، الطفرة التي حققتها أحزاب اليمين الشعبوي بوصولها للبرلمان الأوروبي بناءً على صناديق الاقتراع، بعدما تمكنت من إقناع الناخبين ببرنامجها الانتخابي. 

ولعل قيم الديمقراطية الليبرالية التي تأسست عليها القارة الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لعبت دورًا محوريًا ساهم في قبول أحزاب يمين الوسط أو يسار الوسط، بحسب ما أفضت إليه نتائج الانتخابات التي جرت في عدد من الدول الأوروبية خلال العام الجاري.

من مظاهرات رومانيا في 2019
من مظاهرات رومانيا في 2019

كما أن أحزاب اليمين الشعبوية تملك في دول الكتلة الشرقية ميزةً خاصة، تقوم على مبدأ استلامها للسلطة منذ انهيار النظم الاشتراكية، وتفكك دول الاتحاد السوفيتي، ما ساهم في غياب تام لأحزاب اليسار مقابل صعود أحزاب اليمين الشعبوي، التي تتنافس مع الأحزاب القومية في الانتخابات التشريعية، على عكس الدول الغربية التي تشهد تقلبات في مزاج الناخبين، في ظل الأزمات التي تعصف بها، بدءًا من أزمة اللاجئين وليس نهايةً بأزمة المناخ.

ووفقًا لخريطة الاحتجاجات الشعبية، فإن غالبية دول الكتلة الشرقية شهدت مظاهرات شعبية خلال شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي. وكانت المطالب فيها متنوعة ما بين رفض الهيمنة الروسية على مفاصل القرار المحلي، ودفاعًا عن الحريات المدنية، ومطالب بمحاربة الفساد. 

لكن ذلك لا يعني أن الدول الأوروبية تعيش في رخاء اقتصادي، إذا تشير التقارير إلى أن هذه الدول ليست بمعزل عن الأزمة الاقتصادية العالمية التي ترمي بأثارها السلبية على مختلف أرجاء العالم، وكما يبدو فإن معالم تشكلها بدأت بالظهور في العاصمة باريس.

البوسنة تفتتح احتجاجات 2019

افتتحت القارة الأوروبية احتجاجاتها خلال العام الجاري، بإعلان إيجور رادوجيسيتش، رئيس بلدية بانيا لوكا في شمال غرب البوسنة، إلغاء احتفالات رأس السنة الميلادية، بسبب احتجاج سكان البلدة على تستر الشرطة على قضية الطالب ديفيد دراجيسيفتش، الذي وجد مقتولًا في بئر مائي بعد ستة أيام من اختفائه. وطالب المحتجون باستقالة وزير الداخلية دراغان لوكاتش، مع عدد من مسؤولي الشرطة.

وتعد الاحتجاجات التي شهدتها البلدة البوسنية الصغيرة مثالًا يمكن تعميمه على معظم دول الاتحاد الأوروبي، نظرًا لتسلح المتظاهرين بمطالب محددة في مواجهة الأحزاب الشعبوية الحاكمة في بلادهم، وهو ما يتناسب مع مظاهرات رومانيا التي أدت في نهاية المطاف للإطاحة بوزير الداخلية الروماني نيكولاي موغا، بعد تظاهر آلاف الرومانيين على خلفية اعتراف روماني البالغ من العمر 65 عامًا، باغتصاب وقتل مراهقتين.

في الحالة الرومانية كان المحتجون غاضبون من التقارير التي تحدثت عن فشل الشرطة في الاستجابة لثلاث مكالمات هاتفية طلبت فيها المراهقة أليكساندرا ماكيسانو المساعدة، إلا أن الشرطة وصلت إلى موقع الجريمة بعد 19 ساعة من اختطاف الفتاة، بسبب غياب تقنيات تحديد موقع المكالمات بشكل دقيق، والوقت الطويل الذي يتطلبه استخراج الشرطة الرومانية لإذن تفتيش يعتبر غير ضروري في كثير من الأحيان.

على أن الحال في دول الكتلة الشرقية التي تعاني بشدة تحت وطأة الفساد، لا يقف عند حدود الدولتين السابقتين، فقد كانت ألبانيا على موعد مع مظاهرات حاشدة للمعارضة تنادي باستقالة رئيس الحكومة المنتمي للحزب الاشتراكي، أدي راما، وذلك بعد تسريب الصحف الألمانية تسجيلات صوتية توضح الطريقة التي أخبر بها مهرب مخدرات في دوريس، مسؤولين اشتراكيين، كيف خطط لإجبار أنصار المعارضة على التصويت لهم، ومساعدة أحد أصدقائه في أن يصبح مشرعًا، في إشارة لراما الذي أصبح رئيسًا للحكومة لاحقًا.

مظاهرات ألبانيا 2019
من مظاهرات ألبانيا في 2019

لكن المعارضة الألبانية للحزب الاشتراكي لم تستطع إلغاء الانتخابات المحلية التي كان مقررًا إقامتها نهاية حزيران/يوليو 2019، رغم إعلان الرئيس إيلير ميتا إلغاءها أمام حشود المعارضة المتظاهرة دعمًا له. لكن هذه المحاولات اصطدمت بإصرار راما على المضي قدمًا بإجراء الانتخابات التي أجريت في نهاية الأمر، وأفضت نتائجها إلى فوز الحزب الاشتراكي في جميع المناطق ما عدا منطقتين فقط، وسط مقاطعة المعارضة للانتخابات، إذ بلغت نسبة المشاركين في الانتخابات 21.6% من سكان البلاد.

وتشهد جمهورية التشيك كذلك منذ أكثر من شهرين مظاهرات تنادي بإسقاط رئيس البلاد ميلوس زيمان، إلى جانب رئيس الوزراء الملياردير، أندريه بابيش. وارتفعت وتيرة المظاهرات في كانون الأول/ديسمبر الماضي، بعد تسريب المفوضية الأوروبية وثائق لوسائل الإعلام التشيكية، تظهر تعارضًا في المصالح بين الأنشطة التجارية والدور السياسي لبابيش، بناءً على المعونات التي تقدمها المفوضية الأوروبية للتشيكيين.

ويشترط المتظاهرون على بابيش التخلي عن شركته الخاصة ووسائل الإعلام التي يملكها للبقاء رئيسًا للوزراء، بالإضافة إلى أن الرجل الملقب بـ"ترامب التشيكي"، لا يزال يواجه اتهامات جنائية بالتواطؤ مع الشرطة السرية خلال الفترة التي كانت تخضع فيها دول الكتلة الشرقية لنفوذ الاتحاد السوفيتي، الأمر الذي أعاد التشيكيون إثارته في المظاهرات.

الخوف من التوسع الروسي

مرّت الاحتجاجات الشعبية على معظم دول الكتلة الشرقية خلال العام الجاري، إلا أنها تفاوتت من ناحية المطالب، كما الأمر مع الأوكرانيين الذين نظموا مظاهرات حاشدة في العاصمة كييف، بالتزامن مع انعقاد قمة النورماندي لبحث الأزمة الأوكرانية مع روسيا بحضور قادة الدولتين إلى جانب فرنسا وألمانيا.

وشارك مئات الأوكرانيين في المظاهرات للضغط الرئيس الأوكراني فولدومير زيلينسكي، من أجل عدم تقديم أي تنازلات لموسكو خلال المفاوضات التي عقدت في وقت سابق من كانون الأول/ديسمبر الماضي، فيما كانت مجموعة ثانية تنصب الخيم للاعتصام أمام مكتب زيلينسكي، رافعين لافتات كتب عليها "لا للاستسلام".

وفي النصف الثاني من كانون الأول/ديسمبر 2019، تجمع ما لا يقل على ألف شخص في العاصمة البيلاروسية، مينسك، للاحتجاج على المحادثات التي تجريها بيلاروسيا مع روسيا لتعميق العلاقات الاقتصادية. ورفع المتظاهرون لافتات تعبر عن مخاوفهم من اندماج مينسك مع موسكو ضمن اتحاد واحد، حيثُ تشير تقارير إلى محاولة الكرملين دمج البلدين ضمن اتحاد حتى يستطيع بوتين الترشح لمنصب أول رئيس للاتحاد، نظرًا لأن الدستور الروسي الحالي لا يسمح له بالترشح لفترة رئاسية جديدة، لذلك فإنه سيسعى خلال الأشهر القادمة للتوصل إلى اتفاق مع مينسك قبل وصول العام 2024.

وكانت الاحتجاجات الشعبية في جورجيا قد أجبرت رئيس البرلمان إيراكلي كوباخدزه، المحسوب على حزب "الحلم الجورجي"، على تقديم استقالته في حزيران/يونيو الماضي، وذلك على خلفية إلقاء النائب الروسي سيرغي غافريلوف كلمة من منبر رئاسة البرلمان الجورجي، جاءت ضمت فعاليات المنتدى الدولي للبرلمانيين الأرثوذكس، والتي كانت تنظمها العاصمة تبيليسي.

من مظاهرات جورجيا
من مظاهرات جورجيا

كما أن الجورجيين عادوا مرة أخرى للتظاهر احتجاجًا على عدم التزام الحزب الحاكم بتعهده بإقرار قانون لتطبيق نظام التمثيل النسبي في الانتخابات بدلًا من النظام المختلط المعتَمَد حاليًا.

إلى أين تتجه دول أوروبا الشرقية؟

استطلع محرر شؤون دول أوروبا الشرقية في صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، آراء بعض الأشخاص دول أوروبية شرقية، بعد مرور 30 عامًا على انهيار الاتحاد السوفيتي.

وأظهر استطلاع الرأي توافق جميع الأشخاص على أن الوضع الراهن لبلدانهم ليس أقل سوءًا من الحقبة السوفيتية، متشاركين المخاوف نفسها من هيمنة اليمين الشعبوي على مفاصل الحكم السياسي في دولهم.

وعلى الرغم من أن الكتلة الأوروبية الشرقية شهدت إصلاحات كبيرة على مستوى الحياة المعيشية، والحريات الشخصية، والحقوق السياسية، زاد عليها اندماجهم مع دول أوروبا الغربية، إلا أن المرحلة الانتقالية في بعض الدول خلقت نوعًا من عدم المساواة، ما أدى لبروز جوانب سلبية، كان من بينها التفكك الاجتماعي والهجرة وتنيمة مشاعر الكره اتجاه الأجانب، لذلك تشهد هذه الدول اليوم عودة الأفكار والتنظيمات اليمينية القومية، وظهور السلطوية ضمن المشهد السياسي.

أحد الذين تحدثت إليهم فاينانشال تايمز، وهو من رومانيا، عبر عن خيبة أمله من تنامي الفساد في بلاده، مشيرًا غلى احتفاظ الشرطة السرية بنفوذ كبير، رغم أن هذه المنظومة الأمنية، إرث من الاتحاد السوفيتي والحقبة التي انتفض عليها سكان البلاد.

أما التشيكية يانا موسن، فتصف رئيس الحكومة التشيكية بأنه "خطر على الديمقراطية". وتضيف موسن أن الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات أنشأت نموذجًا حادًا للرأسمالية في العاصمة التشيكية، أدى لإحداث فجوة اجتماعية بين المدن الكبرى وباقي المدن الأخرى، الأمر الذي ساهم في خلق ردود شعبية تنتقد المستثمرين الأجانب وسياسة الهجرة.

احتجاجات بيلاروسيا 2019
من احتجاجات بيلاروسيا في 2019

 لذلك فإنها ترى أن الفرص الضائعة لإعادة بناء التشيك، ساهمت في عدم إيجاد توازن أفضل بين أهداف الرأسمالية من طرف، والأهداف الاجتماعية والبيئية من طرف آخر.

من جهته لا يقلق البولندي كرزيستوف كوبتشينسكي من احتمالية وقوع حرب جديدة، لكنه في المقابل يؤكد على أن التعبير عن وجهة النظر بطريقة بعيدة عن المجتمع البولندي تبقى حتى الآن "أمرًا صعبًا"، لافتًا إلى أنه كان هناك إمكانية للتقليل من مخاطر نمو الشعبوية السياسية خلال السنوات الـ30 الماضية.

الكثير من مواطني أوروبا الشرقية يرون أن وضع بلادهم الآن ليس أقل سوءًا من الحقبة السوفيتية، معربين عن تخوفاتهم من هيمنة اليمين

ويدعم مخرج الأفلام الوثائقية حديثه في هذا الشأن، بالقول إن وارسو فتحت أبوابها مبكرًا أمام الشعبوية، في إشارة لفوز ليخ فاونسا بأول انتخابات بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ففي النهاية رغم أن الأمور كانت في الحقبة السوفيتية سيئة إلا أن البولنديين لم يتوقعوا حدوث هذا بعد الاتحاد السوفيتي.

لماذا فشل "إله الديمقراطية الليبرالية" في أوروبا الشرقية؟

تحت عنوان "الإله الذي فشل.. كيف أصحبت الليبرالية في أوروبا الشرقية؟" أعد إيفان كراستيف وستيفن هولمز في صحيفة الغارديان البريطانية تقريرًا مطولًا يشرح الأسباب التي أدت لشعور سكان أوروبا الشرقية بأن الحقبة الراهنة لا تختلف أبدًا عن حقبة الاتحاد السوفييتي قبل انهياره، والتي تشير إلى أن سكان المنظومة الشرقية الذين كانوا يأملون بنظام اجتماعي مشابه لديمقراطية أوروبا الغربية الليبرالية، وجدوا أنفسهم وحيدين في مواجهة الأنظمة الشعبوية التي يجري استخدامها بغرض التصدي لمحاولة موسكو ضمها إلى الاتحاد الروسي مجددًا.

كانت موجة الثورة المخملية التي اجتاحت دول المنظومة الشرقية للمطالبة بالاستقلال عن الاتحاد السوفييتي من أهم الأحداث التي شهدها القرن الماضي، ودفعت بالكثير من الباحثين والصحفيين الاستقصائيين للسفر إليها لمواكبة أهم لحظة تاريخية تعيد رسم الخارطة السياسية على المستوى العالمي مؤذنةً بانتهاء الحرب الباردة.

يُعتبر جون فيفر واحدًا من بين الكتاب الذي سافروا إلى أوروبا الشرقية لقراءة ما ينتظر مستقبلها في مرحلة ما بعد الحكم الشيوعي السوفييتي، حيث اكتشف من خلال حديثه مع مجموعة من الأشخاص من بيئات مختلفة وجود عدة تناقضات في أحادثيهم وصفها بأنها "رائعة ومثيرة للحيرة"، تعكس تفاؤل وقلق سكان شرق أوروبا من المستقبل في وقت واحد.

الاعتقاد الذي كان سائدًا خلال تلك الفترة للغالبية العظمى من سكان المنظومة الشرقية أنهم خلال عامي 1990 – 2000 سيصبحون مثل سكان فيينا أو لندن، غير أن السنوات اللاحقة حددت "هوية من سيصبح غنيًا ومن سيصير فقيرًا، ومن سيستحوذ على السلطة ومن لن يقترب منها، ومن سيتعرض للتهميش، ومن سيكون في قلب الأحداث" كما يرى عالم الاجتماع المجري إليمير هانكيس.

 عاد فيفر مرةً أخرى إلى شرق أوروبا بعد 25 عامًا على الثورة المخملية، ليجد أن الأشخاص الذين تحدث إليهم في عام 1990 لديهم شعور متنامي بالاستياء؛ فقد ظهر على عكس ما كان متوقعًا، الجانب المظلم للديمقراطية الليبرالية المستنسخة من دول الاتحاد الأوروبي، بعد أن سمحت بصعود السياسيين غير الليبراليين إلى السلطة، كما الحال في بولندا والمجر، نتيجة تفاعل مجموعة من الأسباب المختلفة أوصلت سكان شرق أوروبا للشعور بالخذلان من المجتمع الليبرالي الأوروبي.

في مقارنة سريعة يوضح فيفر أن الاستياء في أوروبا الشرقية تحول من الشيوعية السوفييتة "الصنم الذي خذل جميع أبناء جيل الحرب العالمية الثانية في أوروبا الشرقية" قبل عام 1990، إلى ليبرالية غرب أوروبا "الصنم الذي خذل الجميع" في الوقت الراهن، نتيجة التفاوت الاقتصادي عبر تنامي الشعور المتصاعد بعدم المساواة الاجتماعية، وتفشي الفساد، وحصر توزيع الممتلكات العامة في أيدي عدد صغير من الأشخاص، وزاد من تفاقم الاستياء الأزمة الاقتصادية عام 2008 التي خلقت لديهم شعور ًا عميقًا ينم عن انعدام الثقة بنخبة رجال الأعمال.

يقول الكاتبان إن ليبرالية ما بعد القومية الخاصة بالاتحاد الأوروبي دفعت بالشعبويين الطموحين لحصر التقاليد والهوية القومية بهم – كما يزعمون – باستغلالهم للثورات المناوئة للعولمة والليبرالية وموجة الهجرة "غير الشرعية" التي شهدتها أوروبا قبل خمسة أعوام، بعدما لعب عليها الشعبويون الديماغوجيون "بشيطنة الأعداء الداخليين" للحصول على الدعم الشعبي.

وفي مقاربة سريعة يلخص الكاتبان ضمنها رؤية الأحزاب السياسية للثورة المخملية، نجد أنه في الوقت الذي اعتبر أحزاب اليسار أن الثورة المخملية عبّرت عن القوة الشعبية، فإن اليمين رأى فيها انتصارًا لاقتصاد السوق الحر، وانتصارًا مستحقًا للحكومات الحرة على الديكتاتورية الشمولية، بينما فاخر أصحاب الفكر الليبرالي في الولايات المتحدة أو المؤيدين لها، بأن الليبرالية التي لطالما سخر منها اليسار أصبحت بالنسبة إليهم "رومانسية مرتبطة بحرية التغيير".

ومن المفارقات التي يوردها الكاتبان في التقرير أنه بينما يغادر المهزومون بلادهم بعد خسارتهم للسلطة، كما الحال في الثورة الفرنسية في عام 1789، وانتصار البلاشفة على الحكم القيصري الروسي في عام 1917، فإن المنتصرين في الثورة المخملية هم من غادروا بلادهم للتعرّف على الحياة الاجتماعية في غرب أوروبا التي كانوا يأملون باستنساخ تجربتها في دولهم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

لكن هذا التوجه العام لدى شباب أوروبا الشرقية أدى لنتائح سلبية انعكست على مختلف الجوانب الحياتية في هذا الجزء من القارة، حيث إن "فكرة البقاء في دولة هجرها غالبية الشباب كافية لتُشعر بالفشل"، وفقًا لوصف الكاتبين لشعور الأوربيين الشرقيين، ودفعت هذه الهجرة بالأنظمة الشعبوية لاستغلالها بمحاربة ملف سياسة الحدود المفتوحة أمام اللاجئين السوريين التي انتهجتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ما بين عامي 2015 – 2016.

سياسة المستشارة الألمانية قوبلت من دول أوروبا الشرقية المحكومة من اليمين الشعبوي بالرفض القاطع، تمثل بشكل كبير عبر مجموعة الفيشغراد، وهي مجموعة تأسست في عام 1991 من دول بولندا، تشيكو سلوفاكيا، والمجر، قبل أن يضاف إليها بلد رابع بعد حل تشيكو سلوفاكيا، لتحصل جمهورية التشيك وسلوفاكيا على مقعدين مستقلين، وجميع الدول السابقة المنضوية ضمن منظومة الاتحاد الأوروبي، أجمعت على رفض نظام المحاصصة الذي اقترحه الاتحاد لتوزيع اللاجئين على دوله، حيثُ وصفت مستشارة رئيس الوزراء المجري ماريا شيمت خطاب ميركل الإنساني لإقناع شرق أوروبا بسياسة الانفتاح لاستقبال اللاجئين بأنه "مجرد هراء".

ويشير الكاتبان في تقريرهما إلى أنه في اللحظة التي رفضت فيها مجموعة الفيشغراد نظام المحاصصة الخاص باللاجئين، كانوا يعلنون استقلال الشعبويين ليس فقط عن عاصمة الاتحاد الأوروبي بروكسل، لكن عن ليبرالية وروح الغرب الأوروبي المنفتحة على العالم، باعتبار أزمة اللاجئين دليل على أن الأفكار الليبرالية تساهم بإضعاف قدرة الشعوب في الدفاع عن نفسها في عالم تسوده العدائية، وعملوا برفقة ذلك على تأجيج شعور "الذعر الديموغرافي" بسبب أزمة اللاجئين على الرغم من عدم وصولهم إلى أوروبا الشرقية.

ويوضح الكاتبان أن الأشخاص الذين نزحوا من شرق أوروبا إلى غربها بعد الأزمة المالية التي ضربت الاقتصاد العالمي ما بين عامي 2018 – 2019 يفوقون في عددهم اللاجئين الذين قدموا من سوريا بسبب الحرب خلال السنوات التسع الماضية، وعلى سبيل المثال فإن الإحصائيات تشير إلى نزوح قرابة 3.4 مليون روماني تحت سن الأربعين إلى دول أخرى منذ انضمام بوخارست للاتحاد الأوروبي في عام 2007.

فقد جاءت موجة النزوح الجماعي أو الفردي للشبان في أوروبا الشرقية نتيجة إحساسهم بالخسارة، حتى في الدول التي كانت قد استفادت بدرجة كبيرة من التغيير السياسي والاقتصادي الذي طرأ عليها في مرحلة ما بعد الشيوعية، وهو الأمر نفسه الذي ينطبق على مختلف أرجاء أوروبا الشرقية التي تعاني لعقود من نزوح السكان، ويشير التقرير إلى أن أكثر المناطق التي تشهد نزوحًا بين الشباب هي المناطق التي صوتت لأحزاب اليمين المتطرف في الانتخابات.

وعلى الرغم من أن الشعبويين في أوروبا الشرقية جاهروا بانتقادهم لغرب أوروبا لاستقبالهم للاجئين الأفارقة والشرق أوسطيين معًا، فإنهم في حقيقة الأمر كان لديهم استياء من ترحيب أوروبا الغربية بمواطني أوروبا الشرقية، ما حرم دول الشرق من المواطنين الأعلى إنتاجية.

وكان الاستطلاع السنوي الذي تجريه وحدة المعلومات في مجلة إيكونوميست البريطانية قد قدّرت معدل المؤشر العالمي للديمقراطية بــ5.44 من 10 نقاط للعام الماضي، وهو أدنى معدل سجله المؤشر منذ عام 2006، ويشير المؤشر إلى وجود 22 دولة (يقطن فيها 430 مليون شخص) من أصل 167 دولة بتمتع سكانها بنظام ديمقراطي كامل، فيما لا يزال أكثر من ثلث سكان العالم محكومين من الأنظمة الاستبدادية.

وأظهرت خارطة توضيحية نشرتها المجلة برفقة التقرير أن سكان أوروبا الشرقية يعيشون ضمن ثلاثة أنواع من الأنظمة السياسية، يأتي في مقدمتهم دول محكومة بديمقراطية مشوهة، مثل دول بولندا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا وسلوفينيا والمجر، وقسم ثانٍ محكوم من أنظمة حكم هجينة، مثل دول ألبانيا وأوكرانيا والبوسنة وجورجيا، فيما صُنفت بيلاروسيا على أنها واحدة من الدول المحكومة من نظام استبدادي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الغزل بترامب في أوروبا الشرقية.. أين تلتقي الشعبويات؟

الشعبوية في أوروبا.. تيار يجرف حتى الأحزاب "المعتدلة"