بعد هجوم هناو.. كيف ستتعامل برلين مع تنامي شعبية اليمين المتطرف؟

بعد هجوم هناو.. كيف ستتعامل برلين مع تنامي شعبية اليمين المتطرف؟

ملصق دعائي لحزب البديل من أجل ألمانيا كتب عليه: "أوقفوا الأسلمة" (Getty)

بعد أقل من ثلاثة أيام على إعلان السلطات الألمانية إلقائها القبض على خلية لليمين المتطرف تخطط لتنفيذ هجمات ضد مهاجرين، وإشعال فتيل حرب أهلية في البلاد، أقدم ألماني يتبنى فكر اليمين المتطرف بفتح النار على مقهيين للشيشة وسط مدينة هناو، مما أسفر عن مقتل 11 شخصًا، بينهم منفذ الهجوم منتحرًا، في ظل تصاعد شعبية اليمين المتطرف الذي بات يهدد بـ"نسف الديمقراطية" الألمانية.

كشف المدعي العام الألماني عن نشر المتهم موادًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي تظهر تأثره بنظرية المؤامرة، وتبني آراء عنصرية متطرفة قام بنشرها قبل تنفيذ هجومه

يميني متطرف ينفذ هجومًا "بدوافع عنصرية" في ألمانيا

ووفقًا لتفاصيل الحادثتين، فقد قام المتهم مدفوعًا بتبنيه لأفكار اليمين المتطرف بإطلاق النار على مقهى ميدنايت للشيشة وسط هناو، مما أسفر عن سقوط ثلاثة قتل على الأقل، قبل أن يفر بسيارته إلى مقهى أرينا حي كيسيلشتات – يبعد 1 كم عن مقهى ميدنايت – وقام بفتح النار داخل المقهى، الأمر الذي أدى لمقتل خمسة أشخاص على الفور، ولاحقًا قالت السلطات الألمانية إن حصيلة القتلى ارتفعت لتسعة أشخاص من أصول تركية وكردية كانوا داخل المقهيين.

اقرأ/ي أيضًا: على حافة الرايخ الرابع.. هل تترنح ألمانيا نحو اليمين؟

وقالت السلطات الألمانية إنها عثرت على جثة المشتبه بتنفيذ الهجوم إلى جانب جثة والدته داخل شقته، وسط توقعات بأن المشتبه به قام بإطلاق النار على والدته قبل أن ينتحر، وفيما أشار المدعي العام الألماني بيتر فرانك إلى تقصي وجود أي علاقات للمشتبه به مع آخرين سواء داخل ألمانيا أو خارجها، أشارت المستشارة الألمانية إلى أن المشتبه تصرف "انطلاقًا من دوافع عنصرية"، مضيفةً أن "العنصرية سم.. الكراهية سم.. وهذا السم موجود في مجتمعنا.. وهو مسؤول عن العديد من الجرائم".

وكشف المدعي العام الألماني عن نشره موادًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي تظهر تأثره بنظرية المؤامرة، وتبني آراء عنصرية متطرفة قام بنشرها قبل تنفيذ هجومه، موضحًا ذلك بقوله: "وضع المشتبه به على صفحته رسائل مصورة وبيانًا نوعًا ما إضافة إلى أفكار غامضة ونظريات مؤامرة سخيفة تشير لوجهات نظر بالغة العنصرية".

وهذا ثالث هجوم يحصل في ألمانيا بدوافع عنصرية تتبنى أفكار اليمين الألماني في أقل من ثمانية أشهر، بعد مقتل شخصين أثناء محاولة أحد اليمينيين المتطرفين اقتحام كنيس يهودي في مدينة هالي في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وكان قبلها حادثة اغتيال السياسي الألماني فالتر لوبكه المؤيد للمهاجرين على يد يميني متطرف في ولاية هبسن في حزيران/يونيو الماضي.

السلطات الألمانية تلقي القبض على خلية يمينية تخطط لـ"حرب أهلية"

يأتي الهجوم الأخير على مقهيين للشيشة يرتادهما اللاجئون عادةً، بعد أيام قليلة من كشف النيابة العامة الألمانية إيقافها 12 شخصًا من الجنسية الألمانية، ضمن سلسلة تحقيقات كانت تجريها بخصوص مجموعة صغيرة لليمين المتطرف، يُشتبه بأنها قامت بالتحضير لاعتداءات ضد "مسؤولين سياسيين وطالبي لجوء ومسلمين".

وأشارت السلطات الألمانية لاشتباهها بتشكيل أربعة أشخاص من الموقوفين "مجموعة يمينية متطرفة ذات طابع إرهابي"، فيما تقتصر مهام الأشخاص الثمانية الآخرين على "تقديم الدعم المالي أو المساعدة على حيازة الأسلحة"، لافتةً إلى أن أحد المقبوض عليهم كان يعمل في الجهاز الإداري للشرطة وتم فصله من العمل.

وأوضحت النيابة الألمانية أن المجموعة أنشئت في أيلول/سبتمبر الماضي بهدف "هز نظام الدولة والمجتمع في ألمانيا وفي نهاية المطاف الإطاحة به"، وعلى الرغم من أن الاعتداءات التي خططت لها المجموعة لم تحدد ترتيباتها العملية، إلا أنه كان من المفترض استهداف "مسؤولين سياسيين وطالبي لجوء وأشخاص مسلمين بهدف خلق حالة قريبة من الحرب الأهلية"، وتابعت بأن المجموعة كانت تلتقي في أماكن مختلفة، وتستخدم تطبيقات الدردشة على مواقع التواصل الاجتماعي للتواصل فيما بينها.

وأضفى الهجوم الإرهابي على مقهيين للشيشة وسط مدينة هناو مصداقية على نظرية تقول إن معظم الهجمات الإرهابية تقع في المناطق التي يقطنها مهاجرون بشكل أساسي، وفقًا لموقع فوكس الأمريكي، الذي أشار إلى أن تحليل بيان منفذ الهجوم المؤلف من 24 صفحة كشف تنامي المشاعر اليمينية المتطرفة ومناهضة المهاجرين لديه.

ويقول خبير الإرهاب في كلية كينجز كوليدج اللندنية بيتر نيومان إن منفذ الهجوم عكس في بيانه "كرهًا للأجانب وغير البيض"، ويضيف نيومان الذي اطلع على بيان منفذ الهجوم أنه رغم "عدم التشديد على ذكر الإسلام في البيان، فإنه دعا لإبادة اللاجئين القادمين من دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، لافتًا لأن المهاجم برر هجومه الإرهابي بأنه يريد "تحسين النسل".

وتشير الإحصائيات لارتكاب النازيين الجدد وجماعات أخرى ما يزيد على 8.6 ألف جريمة في جميع أرجاء ألمانيا خلال النصف الأول من العام 2019، بزيادة قدرها 900 جريمة عن الفترة نفسها من العام 2018، ووفقًا للسلطات الألمانية فإنها قامت بمصادرة أكثر من ألف قطعة سلاح من المتطرفين اليمينيين في عام 2018، مقابل مصادرتها لأكثر من 670 قطعة سلاح في عام 2017.

صعود البديل من أجل ألمانيا على الساحة السياسية

في أعقاب موجة الهجرة التي شهدت تدفق المئات إلى دول أوروبا الغربية من منطقة الشرق الأوسط في عام 2013، أعلن عن تأسيس حزب البديل من أجل ألمانيا المشبع بأفكار اليمين المتطرف في شباط/فبراير من العام عينه، بالتزامن مع تبني المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل نهج سياسة الحدود المفتوحة لاستقبال المهاجرين غير الشرعيين القادمين عبر البحر من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتمكن حزب البديل في أول مشاركة له في الانتخابات البرلمانية على مستوى الولايات من الدخول لـ11 برلمانًا من أصل 16 برلمان في مجالس الولايات النيابية، وفي انتخابات البرلمان الألماني (البوندستاغ) حقق الحزب مفاجأة بدخوله البرلمان بـ92 نائبًا من أصل 598 نائبًا، ليصبح أكبر تكتل معارض في البوندستاغ، وثالث الأحزاب الألمانية بعدد النواب داخل البوندستاغ، وأول حزب ألماني يميني يتبنى أفكار النازية الجديدة يدخل البرلمان الألماني منذ الحرب العالمية الثانية.

وأصبح الحزب يحظى بشعبية كبيرة شرقي ألماني على الرغم من أن أعداد المهاجرين في هذا القسم أقل من باقي الولايات الأخرى، وتحولت مدينة كيمنتس في ولاية ساكسونيا لأحد أهم معاقل الحزب بتعداد سكان لا يتجاوز 250 ألف شخص، وتشير صحيفة نيويورك تايمز لوجود مجموعات تجول في شوارع المدينة في أوقات مختلفة، تقوم بالتلويح بالعلم الألماني وتأدية بعض أفرادها لتحية النازيين برفع يدهم اليمنى للأمام، وتقوم المجموعات خلال مسيرها بالبحث عن أصحاب البشرة الداكنة لمطارتهم بهدف الاعتداء عليهم، ويُعرف عن كيمنتس أن لديها تاريخًا مع النازية الجديدة.

ونمت قاعدة حزب البديل على أفكار تتشابه مع باقي أحزاب اليمين الأوروبي بشكل عام، عبر انتقادها الدائم للاتحاد الأوروبي، ورفض التعامل بالعملة الأوروبية الموحدة اليورو، إضافة لاستغلاله استقبال برلين لأكثر من مليون طلب لجوء ما بين عامي 2015 – 2016، ما مكنه من استثمارها بإثارة مخاوف الألمان من الإسلام والمهاجرين، ودفعته بالدعوة لإعادة العمل بالرقابة على الحدود داخل الاتحاد الأوروبي وإغلاق حدود الاتحاد الخارجية في وجه اللاجئين، وحتى السماح بإطلاق النار على اللاجئين الساعين إلى الدخول إلى الاتحاد بطرق غير شرعية.

ولأحزاب الألمانية تكسر قاعدة سياسية بتحالفها مع حزب البديل

تشير المعطيات المرافقة لتنامي موجة العداء في صفوف اليمين المتطرف اتجاه اللاجئين أو سياسة الحكومة الألمانية الحالية، لبدء تقبّل الأحزاب الألمانية فكرة تواجد حزب البديل في الساحة السياسية، وهو ما كشفت عنه انتخابات رئيس مجلس وزراء ولاية تورينغن، عندما انتخب مرشح الحزب الديمقراطي الحر توماس كيمريش، في سابقة هي الأولى من نوعها تكسر قاعدة تحالف الأحزاب الألمانية مع اليمين المتطرف في السباقات الانتخابية.

غير أن السياسي الألماني قدم استقالته في اليوم التالي من انتخابه راضخًا للاحتجاجات السياسية على طريقة توليه لمنصب حاكم الولاية، مما دفع بحزب البديل للتلويح بالتصويت للحاكم السابق عن حزب اليسار بودو راميلو، الذي كان متوقعًا إعادة انتخابه مرةً أخرى، بهدف إجباره أيضًا على التنحي ما ينسف إمكانية تشكيل ائتلاف في مقاطعة ثورينغيا.

وبينما أشارت المستشارة الألمانية إلى أن البديل من أجل ألمانيا يريد من وراء هذه التكتيكات "نسف الديمقراطية، وتقويضها"، اعتبرت صحيفة دير شبيغل الألمانية على موقعها الإلكتروني أن فشل زعيمان للحزب الديمقراطي المسيحي ينم عن صعود اليمين المتطرف، في إشارة لميركل وخليفتها برئاسة الحزب أنيغريت كرامب كارنباور، التي استقالت من منصبها بعد فشلها بمنع أعضاء حزبها من التحالف مع حزب البديل للتصويت على انتخاب كيمريش حاكمًا للولاية.

وتوضح الصحيفة الألمانية أن حزب البديل أصبح قوة مؤثرة في الحياة السياسية الألمانية على الرغم من أن نسب التصويت له على صعيد البلاد لا تتخطى 15 بالمائة، باعتماده على استراتيجية "التدمير البنّاء" التي وضعها منظر اليمين المتطرف غوتس كوبيتشيك، وهي تشكل وسيلة للضغط على الأحزاب التقليدية في البلاد.

وعلى الرغم من اعتبار صحيفة الفاينشال تايمز البريطانية أن الاحتجاجات التي أدت لاستقالة كيمريش مؤشر على استعداد ويقظة الساحة الألمانية لمنع وصول اليمين المتطرف إلى السلطة، فإن ما حدث في في الولاية الألمانية يكشف عن إشارات مخيفة بشأن السياسة في ألمانيا، بعد انزلاق عدد من الأحزاب المحسوبة على الوسط إلى أقصى اليمين.

وأضافت الصحيفة البريطانية أنه رغم عدم تصنيف الأحزاب التي صوتت إلى جانب حزب البديل ضمن قائمة أحزاب اليمين المتطرف، فإنهم في مقابل ذلك كسروا حاجزًا يعود إلى الحرب العالمية الثانية وهو التنديد التام بالنازية، وتضيف بأنه أمام صعود مثل هذه الأحزاب الصغيرة تراجعت أحزاب كانت تقود السياسة الألمانية، ومكن تراجع هذه الأحزاب الكلاسيكية من دخول أحزاب صغيرة للبوندستاغ، كان من بينها اليمين المتطرف.

وتختم الصحيفة تعليقها بالقول إنه من المرجح استفادة حزب البديل مما حدث في الولاية، ويساعده على تحقيق المزيد من الانتصارات في الانتخابات الجديدة، إلا أنه في حال لم يستطع تحقيق تقدم في الانتخابات القادمة، فسيكون على الأقل تمكن من كسر الحاجز التاريخي الذي كان يمنع الأحزاب المتطرفة من الوصول إلى السلطة، والذي بات من الصعب إعادة بنائه مرةً أخرى.

ويرى الباحث السياسي في جامعة برلين الحرة غيرو نيوغباور أن هدف اليمين المتطرف من هذه الاستراتيجية "ترسيخ فكرة الحزب الرافض للمؤسسات من أجل إثارة اهتمام منتقدي الديمقراطية أو حتى معارضيها وجذبهم"، ما سيكون له "نتائج عكسية" على المدى الطويل، ومحاولته "تعطيل الحياة السياسية في ألمانيا على نطاق أوسع عبر ضرب القواعد والأعراف التي تشكل الثقافة الديمقراطية السياسية".

اقرأ/ي أيضًا: ما الذي يقوله اعتزال مسعود أوزيل عن العنصرية في ألمانيا؟

الحكومة تنتظر موافقة البوندستاغ على قانون يكافح العنصرية

يقول تقرير للاستخبارات الألمانية إن حجم قوة التهديد التي كشف عنها تؤكد وجود 12.7 ألف يميني متطرف "يميلون إلى العنف". وتواصلهم يحصل أكثر من ذي قبل عبر الإنترنت، وهو ما دفع بالحكومة الألمانية لإقرار قانون يلزم مواقع التواصل الاجتماعي بإبلاغ المكتب الاتحادي للتحقيقات الجنائية عن منشورات بعينها فور نشرها، كما هي الحال مع منشورات "الدعاية النازية والتحضير لجريمة إرهابية، ومنشورات العنف، إضافة إلى تهديدات القتل والاغتصاب ونشر صور الاعتداءات الجنسية الجسيمة بحق الأطفال".

ما حدث في في الولاية الألمانية يكشف عن إشارات مخيفة بشأن السياسة في ألمانيا، بعد انزلاق عدد من الأحزاب المحسوبة على الوسط إلى أقصى اليمين

ويفرض القانون الذي ينتظر موافقة البوندستاغ للشروع بتطبيقه عقوبة الحبس ثلاث سنوات على كل من يرسل تهديدات بالقتل والاغتصاب عبر الانترنت بعدما كانت العقوبة تقتصر على عام واحد، ويعاقب بالحبس خمس سنوات كل من يعتدي على سياسي محلي، ويتوقع أن يكلف القانون الجديد الجهاز القضائي ما لا يقل عن 24 مليون يورو سنويًا.