بعد مرور عام على اغتياله.. أين وصلت التحقيقات بجريمة مقتل خاشقجي؟

بعد مرور عام على اغتياله.. أين وصلت التحقيقات بجريمة مقتل خاشقجي؟

ما زالت قضية خاشقجي تحظى باهتمام عالمي (Getty)

الترا صوت – فريق التحرير

لا تزال قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل مبنى القنصلية السعودية في إسطنبول تحظى باهتمام إعلامي، بعدما أثبتت التحقيقات التي قادها فريق أممي عقب استماعه لتسجيلات صوتية من داخل القنصلية السعودية، ضلوع مسؤولين سعوديين مقربين من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في الحادثة، وأنه جرى التخطيط لها على مدى يومين من وقوعها.

خلص التقرير الأممي الذي أعدته المحققة الأممية كالامار المكلفة بالتحقيق في جريمة مقتل خاشقجي إلى أن ظروف وفاته أدت لـ"نظريات وادعاءات عديدة، لكن لا شيء من بين هذه يغير من مسؤولية الدولة السعودية"

ابن سلمان.. محاولات لإصلاح الضرر العالمي بعد مقتل خاشقجي

قبل أيام من مرور الذكرى السنوية الأولى لمقتل خاشقجي داخل مبنى القنصلية السعودية في إسطنبول، نفى الأمير السعودي علمه بحادثة القتل، خلال مقابلة مع برنامج 60 دقيقة على شبكة CBS الأمريكية، وقال ابن سلمان في معرض رده على سؤال المحاور إن كان أعطى الأمر لقتل خاشقجي: "بلا شك لا، لكن أتحمل المسؤولية الكاملة كقائد في السعودية، خاصة أنه حدث من جانب مسؤولين سعوديين".

اقرأ/ي أيضًا: كيف تعاطى الإعلام العربي مع جريمة قتل خاشقجي؟

وتابع ابن سلمان في محاولة للتنصل من مسؤولية الحادثة التي هزّت الرأي العام الدولي أنه "بمجرد إثبات اتهامات ضد أي شخص، على أي مستوى، سيحاكم بدون استثناء"، مضيفًا أنه "لا توجد معلومات أو أدلة واضحة على أن شخصًا مقربًا مني فعل شيئًا بهذا المعنى. هناك اتهامات ويجري التحقيق فيها"، رغم أن التحقيقات التي أجريت بالاستناد للتسجيلات الصوتية التي استمع إليها فريق المحققين الأمميين أثبتت ضلوع أشخاص مقربين من الأمير السعودي بالحادثة.

واعتبرت خبيرة الأمم المتحدة المختصة بجرائم الإعدام خارج نطاق القانون أنييس كالامار أن تصريحات ابن سلمان الأخيرة تأتي في سياق "استراتيجية لإصلاح الضرر في مواجهة الغضب في أنحاء العالم"، وأضافت الخبيرة الأممية التي أصدرت تقريرًا حول الحادثة قبل أربعة أشهر أن ابن سلمان "يخلق لنفسه مسافة، ويعفيها من المسؤولية الجنائية المباشرة عن جريمة القتل. إنه يضع طبقات فوق طبقات فوق طبقات من العناصر والمؤسسات وهو ما يشكل حماية له من المسؤولية المباشرة عن القتل".

وفقد التواصل مع كاتب العامود الأسبوعي في صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، والناقد لسياسات ولي العهد السعودي، جمال خاشقجي في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر الماضي بعد دخوله لقنصلية بلاده في إسطنبول بغرض الحصول على أوراق رسمية لإتمام معاملة الزواج، ولم يعثر على أي أثر لجثمانه لاحقًا، فيما أكدت تقارير صحفية تركية إرسال الرياض فريقًا مختصًا من داخل المملكة قام بتقطيع جثمان خاشقجي داخل القنصلية بعد تخديره لرفضه العودة إلى المملكة.

 مقتل خاشقجي كان نتيجة تخطيط دقيق  

وخلص التقرير الأممي الذي أعدته المحققة الأممية كالامار المكلفة بالتحقيق في جريمة مقتل خاشقجي إلى أن ظروف وفاته أدت لـ"نظريات وادعاءات عديدة، لكن لا شيء من بين هذه يغير من مسؤولية الدولة السعودية"، وأوضحت في تقريرها أن "مقتل خاشقجي كان نتيجة لتخطيط دقيق تضمن تنسيقًا واسعًا وموارد بشرية ومالية كبيرة، وقد تم الإشراف عليه وتخطيطه واعتماده من قبل مسؤولين رفيعي المستوى، لقد كان متعمدًا"، وهو ما يتناقض مع الرواية الرسمية للسلطات السعودية التي تحاول التنصل من مسؤوليتها.

وورد في التقرير أن الحكومة السعودية انتهكت في مقتل خاشقجي ستة مواد في القانون الدولي، هي: حظر الحرمان التعسفي من الحياة، وحظر استخدام القوة خارج الحدود الإقليمية على النحو المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، وشرط أن تستخدم الدول البعثات القنصلية لأغراض رسمية، وحظر التعذيب بموجب أحكام اتفاقية مناهضة التعذيب التي صادقت عليها الرياض، وحظر الاختفاء القسري، فضلًا عن ارتكاب الرياض "عملًا لا يتفق مع مبدأ أساسي من مبادئ الأمم المتحدة ألا وهو حماية حرية التعبير".

وفي حديثها لهيئة الإذاعة البريطانية وصفت المحامية البريطانية هيلينا كينيدي تسجيلات مقتل خاشقجي بقولها "من المرعب سماع صوت أحدهم، يكتنفه الخوف، مع العلم بأنك تسمع صوته حيًا. يبعث الأمر قشعريرة في الجسد"، وأضافت كينيدي أنه في التسجيلات التي بلغت مدتها 45 دقيقة يمكن سماع ضحكات فريق الاغتيال، فقد كان "أمرًا مقززًا، إنهم ينتظرون في مقر القنصلية، يعلمون أن الرجل سيدخل، وسيقتلونه ثم يقطعونه".

ورجحت كالامار في وقت سابق أن تكون المكالمة الأولى التي أجريت قبل تنفيذ عملية اغتيال خاشقجي، قد دارت بين أحد كبار المستشارين السابقين في الديوان الملكي وسعود القحطاني، الذي يعد من أبرز المساعدين المقربين من ولي العهد السعودي، فضلًا عن كونه رئيس مكتب الاتصالات الخاص به حينها.

فقد أشارت إلى أن "أحدهم في مكتب الاتصالات وافق على العملية، ومن المنطقي أن يكون سعود القحطاني هو المعني عند الإشارة لمكتب الاتصالات"، واستندت المحققة في استنتاجها بشأن ضلوع القحطاني في عملية الاغتيال إلى أن اسمه "ذُكر صراحة من قبل في حملات استهدفت أشخاصًا بعينهم".

العملية نفذت على يد مسؤولين في الدولة السعودية

بناء على حديثها مع كينيدي التي شاركت كالامار في التحقيق بجريمة مقتل خاشقجي تقول بي بي سي إنه في الأول من تشرين الأول/أكتوبر العام الماضي  وصل ثلاثة من أفراد المخابرات السعودية إلى إسطنبول، يعمل اثنان منهم في مكتب ابن سلمان، وفي اليوم التالي وصلت طائرة خاصة إلى إسطنبول تحمل تسعة سعوديين، من بينهم الطبيب الشرعي صلاح الطبيجي، وتقول كالامار في هذا الصدد إنه "من الجلي أن العملية نُفذت على يد مسؤولين في الدولة"، ورجحت كينيدي بعد استماعها للتسجيلات أن ضابط المخابرات ماهر عبد العزيز مطرب هو من أوكلت إليه إدارة العملية، ونقلت المحققة البريطانية ما دار من محادثة داخل القنصلية بين مطرب والطبيجي قبل وصول خاشقجي بساعات قليلة للقنصلية السعودية، إذ قال الطبيجي "عادة ما أستمع إلى الموسيقى أثناء تقطيع الجثة، وأحيانًا أحتسي القهوة وأدخن السيجار".

تؤكد كينيدي في حديثها أن الطبيجي كان على علم بالمهمة التي من المناط به تنفيذها، فقد نقلت على لسانه قوله: "هذه أول مرة في حياتي أضطر إلى تقطيع الأجزاء على الأرض، فحتى إذا كنت جزارًا، عليك تعليق الذبيحة للقيام بهذا الأمر"، وتشير المحققة إلى أن التسجيلات أظهرت أصواتهم مستفسرين عن موعد وصول خاشقجي بقولهم: "هل وصلت الذبيحة؟".

بعد وصول خاشقجي للقنصلية السعودية في تمام الساعة الواحدة والربع في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر الماضي ظهرًا من أجل الحصول على الأوراق الرسمية بناءً على اتصال ورد من القنصلية يطلب منه الحضور، دار نقاش حاد بين خاشقجي وفريق الاغتيال بعد رفضه الانصياع لأوامرهم بالعودة إلى الرياض.

وتصف هنا كينيدي تحولًا في الحديث بعدما كان خاشقجي حادًا في موقفه بقولها: "يمكن ملاحظة التحول في صوت خاشقجي، من رجل واثق إلى شخص خائف، إذ تزيد معدلات التوتر والرعب، ثم يظهر اليقين بأن شيئًا مفجعًا سيحدث"، وتضيف "ثمة إحساس بالرعب الشديد عند الاستماع لتحول الصوت، فقسوة الموقف تنتقل إليك بمجرد الاستماع للتسجيلات"، كما أن صوت خاشقجي ظهر مرتين وهو يسأل إن كانوا سيختطفونه في التسجيلات، ثم يعود ليسأل "كيف يمكن أن يحدث ذلك في سفارة؟".

تشير كالامار إلى أن الأصوات التي سمعت بعد النقاش بين خاشقجي وفريق الاغتيال أظهرت "محاولات خنق خاشقجي، غالبًا باستخدام كيس بلاستيك حول رأسه. كما أغلق فمه بعنف، ربما باستخدام اليد أو شيء آخر"، فيما رجحت كينيدي أن دور الطبيجي بدأ بعد ذلك من خلال سماع صوت يُظن أنه صوت المطرب وهو يقول: "دعوه يقطع"، ليسمع بعد ذلك قول أحدهم "انتهى الأمر"، فيما يقول شخص آخر: "انزعه، انزعه. ضع هذا على رأسه.. لفها"، ووفقًا لاستنتاج كينيدي من هذا المقطع فإن الفريق "قطعوا رأسه".

وبعد ذلك التقطت كاميرات المراقبة خروج رجال من السيارات يحملون حقائب وأكياس سمراء، وتشير كيندي إلى اللحظات التي أعقبت مقتل خاشقجي بأنها لم تسمع في التسجيلات صوت الضجيج الذي يمكن تخيله للمنشار المستخدم في تقطيع الجثة، لكنها سمعت صوت همهمة خافتة، فيما رجحت المخابرات التركية أن هذا هو صوت المنشار، وقالت كالامار إن التفاصيل التي وردت في التسجيلات أظهرت "قدرًا كبيرًا من التخطيط للإيحاء بعدم وقوع مكروه لخاشقجي".

واشنطن بوست.. صديقنا القتيل جمال كان على حق

عند المقارنة بين ما ذكرته المحققتان الأمميتان بشأن تفاصيل اغتيال خاشقجي داخل مبنى القنصلية السعودية مع التقارير التي نشرتها الصحف التركية خلال الشهر الماضي، نلمس توافقًا في تفاصيل تنفيذ عملية الاغتيال، والحوارات التي دارت بين خاشقجي وفريق الاغتيال من طرف، وبين فريق الاغتيال نفسه من طرف آخر، ما يدل على أن الأمر كان قد تم بناء على تخطيط مسبق للتخلص من الصحفي السعودي.

وعلّق المسؤولون السعوديون والأمريكيون آمالهم على تلاشي الجدل العالمي حول مقتل خاشجقجي مع مرور الوقت، أو أن تتفوق عليه أحداث أخرى مثل الهجوم الصاروخي على منشآت النفط السعودية الشهر الماضي، بحسب ما يرى الخبير بشؤون الخليج في مركز ويلسون للأبحاث في الولايات المتحدة ديفيد أوتاواي، الذي يضيف بأن استراتيجية وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو بشأن قضية خاشقجي تمثلت منذ البداية في إنقاذ العلاقات الأمريكية السعودية، وإعادة تأهيل سمعة ابن سلمان في واشنطن كحليف مهم ضد إيران.

وترى صحيفة واشنطن بوست الأمريكية أن ولي العهد السعودي الذي صعد إلى السلطة واعدًا بتغيير اجتماعي واقتصادي في واحدة من أكثر الدول أهمية في العالم من الناحية الاستراتيجية، والذي امتُدح من قبل كبار الكتاب والمديرين التنفيذيين الأمريكيين، باعتباره يبشر بمستقبل مشرق للمملكة، سرعان ما أصبح منبوذًا عقب مقتل خاشقجي، رغم أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ترى أن قيمة العلاقات مع ابن سلمان ترتكز على الدولارات، وأن حادثة مقتل خاشقجي رغم فظاعتها لا تستحق التخلي عن السوق السعودية المربحة.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا أثار "ملف خاشقجي" قلق إسرائيل على السعودية؟

وقالت الصحيفة الأمريكية في افتتاحيتها التي عنونتها بـ: "بعد مرور عام ثبت أن صديقنا القتيل جمال كان على حق"، إن خاشقجي كان قبل مقتله على حق عندما حذر من أعمال القمع التي طالت خلال الأعوام الماضية علماء الدين والأكاديميين والباحثين والناشطين والناشطات الحقوقيات، مشيرًة إلى أنه "لم يقصد أن يكون منشقًا قط"، إلا أن تزايد عمليات القمع داخل المملكة دفعته لمغادرتها.

لا تزال قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل مبنى القنصلية السعودية في إسطنبول تحظى باهتمام إعلامي، بعدما أثبتت التحقيقات ضلوع مسؤولين سعوديين مقربين 

وأشارت الصحيفة إلى أن قصة خاشقجي وولي العهد السعودي "لم تنته بعد"، بعدما أثبتت التحذيرات التي أصدرها، وكانت في كثير من الأحيان تقدم كنصائح ودية إلى ولي العهد "أنها استشرافية"، إلا أنه وبعد مرور عام على مقتل خاشقجي "لا يزال النظام السعودي يعاني من عواقب اضطهاده للمعارضين، خاصة النساء اللائي يسعين للحصول على حقوق أكبر، وتدخله الخاطئ في اليمن"، وتضيف بأن "خاشقجي حذر من أن اضطهاد النشطاء سيؤدي إلى نتائج عكسية، وهذا ما حدث بالفعل، فالنظام يحظى بسمعة سيئة لدى جماعات حقوق الإنسان، وأصبح ابن سلمان منبوذًا في العواصم الغربية".

 

اقرأ/ي أيضًا:

 لماذا قتلوا جمال خاشقجي؟

كيف تساعد إسرائيل ولوبياتها ابن سلمان في الالتفاف على دم خاشقجي؟