بعد سنوات من التوسع في الغاز المنزلي.. هل تصمد الهند أمام تداعيات حرب إيران؟
19 مارس 2026
تشهد أسواق الطاقة في الهند حالة ترقب متزايدة مع استمرار تداعيات الحرب الدائرة في إيران، والتي بدأت بالفعل في التأثير على إمدادات غاز الطهي المسال (LPG)، فيما تتجه الأنظار الآن إلى شبكة الغاز الطبيعي عبر الأنابيب (PNG) التي تتوسع بسرعة في المدن الهندية.
توسع سريع في استهلاك الغاز المنزلي
خلال السنوات الأخيرة، راهنت الهند على توسيع شبكة الغاز المنزلي كبديل أكثر استقرارًا ونظافة مقارنة بأسطوانات الغاز التقليدية. وقد تجاوز عدد المنازل المرتبطة بهذه الشبكة 15 مليون منزل، مع استمرار النمو بدعم حكومي يشجع التحول نحو الغاز عبر الأنابيب.
خلال السنوات الأخيرة، راهنت الهند على توسيع شبكة الغاز المنزلي كبديل أكثر استقرارًا ونظافة مقارنة بأسطوانات الغاز التقليدية، لكن هذا التوجه تلقى ضربة كبرى مع بداية الحرب على إيران
ولا يقتصر الطلب على المنازل، بل يشمل أيضًا قطاعات حيوية مثل مصانع الأسمدة، والصناعات الثقيلة، ومحطات توليد الكهرباء، إضافة إلى المركبات العاملة بالغاز المضغوط (CNG)، الذي أصبح ثاني أكثر وقود استخدامًا في قطاع النقل بعد البنزين.
هل تتأثر المنازل بالأزمة؟
وحسب تقرير لشبكة "بي بي سي"، فعلى الرغم من المخاوف المتزايدة، تشير التقديرات الحالية إلى أن الإمدادات المنزلية لن تتأثر بشكل مباشر في المدى القريب. ويعود ذلك إلى اعتماد الهند على مزيج من الإنتاج المحلي وواردات الغاز الطبيعي المسال (LNG)، حيث يغطي الإنتاج المحلي نحو نصف احتياجات شبكة الغاز.
كما تتبنى الحكومة سياسة واضحة لحماية القطاعات ذات الأولوية، وعلى رأسها المنازل والمركبات، وهو ما يحد من احتمالات انقطاع الإمدادات عنها.
الصناعة أول المتضررين
في المقابل، بدأت تداعيات الأزمة تظهر بوضوح على القطاع الصناعي والتجاري، حيث تم فرض تخفيضات تصل إلى 20% في إمدادات الغاز لبعض الشركات، مع تحويل الكميات المتاحة نحو الاستخدامات المنزلية والنقل.
ووسط ظل هذا الضغط، تلجأ المصانع عادة إلى بدائل أقل كفاءة وأكثر تكلفة مثل زيت الوقود أو الفحم، فيما تضطر محطات الكهرباء العاملة بالغاز إلى تقليص إنتاجها.
تكمن المخاطر الأكبر في اعتماد الهند الكبير على واردات الغاز الطبيعي المسال، التي تمثل نحو نصف إجمالي الإمدادات. ويأتي أكثر من نصف هذه الواردات من قطر، بينما تمر نسبة تتراوح بين 50% و55% من الشحنات عبر مضيق هرمز، الذي أصبح بؤرة توتر رئيسية في الحرب.
ورغم استمرار تدفق بعض الشحنات التي تم تحميلها قبل تصاعد النزاع، فإن توقف الصادرات من منشآت "رأس لفان" القطرية منذ أوائل آذار/مارس يثير مخاوف من انقطاع الإمدادات إذا استمر التوتر في الممر البحري الحيوي.
وزاد الأمور تعقيدًا التصعيد الذي شهدته المنطقة مساء الأربعاء، حينما استهدفت إسرائيل حقل بارس، وهو أكبر حقل غاز لإيران في الخليج العربي، وأعقب ذلك اعتداءات إيرانية على دول الخليج ومصادر الطاقة فيها، لتدخل الحرب مرحلة خطرة تتمثل بضرب منشآت الطاقة. وهو ما أدى فعليًا لارتفاع أسعار النفط بما يزيد عن 110 دولار للبرميل، وارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة تزيد عن 30%.
ضعف هيكلي في منظومة الغاز
تكشف الأزمة عن نقطة ضعف أساسية في قطاع الغاز الهندي، تتمثل في غياب احتياطيات استراتيجية من الغاز الطبيعي المسال، على عكس النفط. وتعتمد البلاد على مخزونات تشغيلية محدودة في محطات إعادة التغويز، والتي لا تكفي عادة سوى لأسبوع إلى أسبوعين. هذا النظام يعتمد على تدفق منتظم للشحنات، وأي اضطراب في هذا الإيقاع قد يؤدي إلى ضغوط سريعة على السوق.
ووفقًا لهذه المعطيات، يبدو أن التأثير الفوري على المستهلكين لن يكون في شكل انقطاع للإمدادات، بل في ارتفاع الأسعار. ومع استمرار الأزمة، ستواجه السوق الهندية معادلة صعبة، وتتمثل بالحفاظ على الإمدادات الأساسية للمنازل مقابل تحميل الصناعة الجزء الأكبر من الصدمة.
قد تستمر مواقد المنازل في العمل، لكن بتكلفة أعلى، بينما تتحمل القطاعات الصناعية العبء الأكبر من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما يعكس التوازن الحساس الذي تحاول الحكومة الحفاظ عليه في خضم أزمة طاقة عالمية متصاعدة.