ultracheck
  1. عشوائيات
  2. مجتمع

بعد سنوات من اقتلاع الأشجار.. لماذا تذكرت الحكومة "تخضير القاهرة" الآن؟

10 سبتمبر 2026
قطع الأشجار في القاهرة
قطع الأشجار في القاهرة (Getty)
عماد عنان عماد عنان

قبل أيام، تداول مواطنون عبر منصات التواصل الاجتماعي صورًا توثق عمليات إزالة الأشجار من الجزيرة الوسطى بشارع جامعة الدول العربية في القاهرة الكبرى، وسط موجة من الانتقادات والتعليقات الغاضبة إزاء ما اعتبره كثيرون استمرارًا لسياسة تجريف العاصمة من مساحاتها الخضراء، وهي السياسة التي أثارت على مدار السنوات الماضية جدلًا واسعًا وتساؤلات متكررة بشأن أولويات التخطيط العمراني في القاهرة.

وبررت وزارتا التنمية المحلية والبيئة هذه الجريمة بأنها تستهدف زيادة عدد الحارات المرورية لمواجهة الكثافات المرورية، في ضوء التغيرات التي طرأت على شبكة الطرق المحيطة بالمنطقة، ومنها محور كمال عامر وتطوير محور 26 يوليو وكوبري 15 مايو، وهو المبرر الذي زاد من وتيرة الغضب لدى رواد منصات السوشيال ميديا.

وفي خضم هذا الاحتقان الشعبي المتصاعد، فوجئ المصريون، يوم السبت الخامس من أيلول/سبتمبر الجاري، بتشديد الرئيس عبد الفتاح السيسي على ضرورة تبنّي مشروع لـ"تخضير القاهرة"، يقوم على تحويل أي مساحة يتم إخلاؤها أو إعادة تخطيطها إلى مسطحات ومناطق خضراء.

ولم تمضِ سوى ساعات قليلة على هذه التوجيهات حتى تحركت أجهزة الحكومة على نطاق واسع للدفاع عن مشروع التخضير والتأكيد على أهميته، في مشهد بدا لكثيرين وكأنه تحول مفاجئ في الخطاب الرسمي؛ إذ انتقلت الحكومة، بين ليلة وضحاها، من موقع الطرف الذي وُجهت إليه على مدار سنوات اتهامات بقطع الأشجار وتقليص الرقعة الخضراء لصالح مشروعات الطرق والتطوير العمراني، إلى حامل لواء الدعوة إلى زيادة المساحات الخضراء في العاصمة.

هذا التحول السريع، والتناقض الظاهر بين الممارسات السابقة والخطاب الجديد، فتحا الباب أمام جملة من التساؤلات بشأن حقيقة التحول في السياسة الحكومية، وما إذا كان استجابة ملحة واضطرارية لتعليمات الرئيس أم مراجعة عملية، وإن كانت متأخرة، لسياسة ممنهجة استمرت لسنوات جرفت العاصمة لصالح الطرق والكباري.

خطة ممنهجة لتجريف القاهرة

شهدت القاهرة الكبرى، بأقاليمها الثلاثة، القاهرة والجيزة والقليوبية، خلال السنوات الماضية موجة واسعة من إزالة الأشجار وتجريف المساحات الخضراء، طالت مئات الحدائق والمتنزهات وأشجارًا معمّرة ضاربة بجذورها في تاريخ العاصمة، في مشهد أفقد القاهرة جانبًا مهمًا من هويتها البصرية والعمرانية، وجرّدها تدريجيًا من واحدة من أبرز السمات التي طالما ميّزتها؛ وهي الحضور اللافت للأشجار والحدائق والمساحات الخضراء داخل نسيجها الحضري.

وانعكست تلك السياسة بوضوح على حجم الغطاء الأخضر في العاصمة؛ إذ تراجعت نسبة المساحات الخضراء في القاهرة من نحو 11.2% عام 2001 إلى قرابة 8.5% عام 2021، بانخفاض يقترب من 24%، فيما فقدت القاهرة وحدها نحو 32 كيلومترًا مربعًا من مساحاتها الخضراء، وفقًا لدراسة تناولت التحولات في استخدامات الأراضي والغطاء الأخضر بالعاصمة المصرية.

وأمام اتساع نطاق عمليات الإزالة والتجريف، تعالت على مدار السنوات الماضية أصوات المواطنين والمهتمين بالبيئة والتراث العمراني مطالبة بوقف ما وصفوه بـ"مجزرة الأشجار"، والتحذير من التداعيات البيئية والعمرانية لتراجع الغطاء الأخضر، غير أن تلك النداءات لم تنجح في وقف المسار القائم، إذ لم تحرك ساكنًا لدى صناع القرار.

وفي المقابل، دافعت الحكومة عن جانب من هذه الإزالات باعتبارها ضرورة فرضتها مشروعات التطوير العمراني والتوسع في إنشاء شبكات الطرق والمحاور والكباري، إلا أن هذه المشروعات، وفق منتقديها، جاءت في أحيان كثيرة على حساب أشجار وحدائق تاريخية ومساحات خضراء راسخة، بما أسهم في تغيير ملامح العاصمة وانتزاع أحد أبرز مكونات هويتها العمرانية والبيئية التي تشكلت عبر عقود طويلة.

ورغم أنه لا توجد إحصائيات رسمية لحجم قطع الأشجار في مصر، إلا أن تقارير تحدثت عن مليون شجرة على الأقل تم اجتثاثها من جذورها، وذلك استنادًا إلى نسبة تصدير الفحم المصري للخارج، حيث شهد عام 2024 تصدير 90  ألف طن فحم وهو ما يتطلب قطع نحو مليون شجرة.

يرى نور الدين أن تعويض هذه الأشجار بزراعة شتلات صغيرة لا يمثل بديلًا مكافئًا على المدى القريب؛ فالجذور السطحية للشتلات الجديدة تحتاج إلى ري منتظم ورعاية مستمرة لسنوات طويلة

الحكومة تتحرك

بعد ساعات من توجيهات السيسي، عقد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي اجتماعًا لمتابعة تنفيذ التكليفات الرئاسية، موجّهًا بالبدء الفوري في مشروع "تخضير القاهرة"، على أن تنطلق الأعمال من الطريق الدائري وعدد من المحاور والطرق الرئيسية.

كما كلف بإعداد نموذج موحد لتشجير الطرق، بالتنسيق مع استشاريين متخصصين لتحديد أنواع الأشجار والزراعات المناسبة لكل موقع، إلى جانب تشكيل مجموعة عمل تضم الوزارات والجهات المعنية لمتابعة التنفيذ، إضافة إلى التوجيه بحصر الأراضي الحكومية الفضاء وتحويلها إلى متنزهات ومسطحات خضراء، مع الاستفادة من مياه الصرف الصحي المعالجة ثلاثيًا في أعمال الري.

وفي السياق نفسه، أكدت وزيرة الإسكان راندة المنشاوي العمل على زيادة الرقعة الخضراء في المدن الجديدة، فيما أشار محافظ القاهرة إبراهيم صابر إلى بدء تنفيذ نماذج لتشجير عدد من المحاور والطرق الرئيسية تنفيذًا للتوجيهات الرئاسية.

مؤتمر مكافحة التصحر

وربط عدد من الخبراء بين التحول اللافت في الخطاب الرسمي، من سياسات ارتبطت لسنوات بإزالة الأشجار وتقليص المساحات الخضراء إلى الحديث عن "تخضير القاهرة"، وبين استعداد مصر لاستضافة الدورة الثامنة عشرة من مؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر عام 2028.

ويرى هؤلاء أن استضافة القاهرة مؤتمرًا دوليًا بهذا الحجم، يتصدر مكافحة التصحر واستدامة الموارد البيئية جدول أعماله، تفرض على الدولة إعادة النظر في أوضاع العاصمة بيئيًا وعمرانيًا، خاصة في ظل الانتقادات المتعلقة بتراجع الغطاء الأخضر، ومن ثم، فإن استمرار المشهد القائم كان من شأنه أن يضع مصر أمام مفارقة لافتة وحرج دولي بين الرسالة التي يسعى المؤتمر إلى ترسيخها والواقع البيئي للعاصمة المستضيفة.

السير عكس الاتجاه

والمفارقة اللافتة أن موجة إزالة الأشجار وتقليص المساحات الخضراء في القاهرة تزامنت مع تنفيذ الدولة مبادرة "100 مليون شجرة"، التي أُطلقت عام 2022 وتمتد على مدار سبع سنوات، بهدف زيادة الرقعة الخضراء، ومضاعفة نصيب الفرد من المساحات المزروعة، وتحسين جودة الهواء، والحد من الانبعاثات والتداعيات البيئية الناجمة عن التوسع العمراني والتغيرات المناخية؛ وهو ما أوجد تناقضًا واضحًا بين الأهداف المعلنة للمبادرة وما شهدته العاصمة على الأرض من عمليات قطع وإزالة للأشجار.

وتستهدف المبادرة، كما يشير اسمها، زراعة نحو 100 مليون شجرة بحلول العام المالي 2028/2029، من خلال نحو 9900 موقع موزعة على مختلف محافظات الجمهورية، بإجمالي مساحات تصل إلى نحو 6600 فدان.

وتؤكد وزارة البيئة أن نجاح المبادرة لا يُقاس بعدد الأشجار المزروعة فحسب، وإنما يرتبط أيضًا باختيار الأنواع الملائمة لطبيعة كل منطقة وظروفها المناخية والبيئية، بما يضمن استدامة الغطاء الأخضر وتحقيق العائد البيئي المستهدف.

التخضير.. هل تصلح الأشجار الجديدة؟

يحذر خبراء البيئة والموارد المائية من التعامل مع إزالة الأشجار المعمّرة باعتبارها إجراءً يمكن تعويضه ببساطة من خلال زراعة شتلات جديدة؛ إذ تختلف القيمة البيئية والبيولوجية للشجرة القديمة جذريًا عن الشجرة حديثة الزراعة.

وفي هذا السياق، يشير خبير الموارد المائية نادر نور الدين إلى أن كثيرًا من الأشجار التي أزيلت من مناطق مثل شارع جامعة الدول العربية والدقي والمهندسين يزيد عمرها على عشرات السنين، ما سمح لجذورها بالتعمق داخل التربة والوصول إلى طبقات المياه الجوفية السطحية الموجودة على أعماق محدودة في بعض مناطق التربة الطينية، فأصبحت قادرة على الحصول على جانب كبير من احتياجاتها المائية والغذائية بصورة شبه ذاتية.

ويرى نور الدين أن تعويض هذه الأشجار بزراعة شتلات صغيرة لا يمثل بديلًا مكافئًا على المدى القريب؛ فالجذور السطحية للشتلات الجديدة تحتاج إلى ري منتظم ورعاية مستمرة لسنوات طويلة حتى تتمكن من التعمق والوصول إلى مصادر المياه الطبيعية، فضلًا عن احتمالات تعرض نسبة منها للموت نتيجة ضعف الرعاية أو عدم ملاءمة ظروف الزراعة.

كما أن نقل أشجار كبيرة من مناطق أخرى لا يحل المشكلة بالضرورة، لأنه يعني في كثير من الحالات اقتلاع أشجار قائمة من مواقعها الأصلية. ومن ثم، يشدد على أهمية استخدام تقنيات نقل الأشجار المعمّرة التي تسمح باقتلاع الشجرة بجذورها والكتلة الترابية المحيطة بها، ونقلها مؤقتًا ثم إعادة زراعتها، بدلًا من فقدان ثروة نباتية استغرق تكوينها عشرات السنين.

ولا تقتصر أهمية الأشجار داخل المدن  -بحسب خبير الموارد المائية- على قيمتها الجمالية، بل تؤدي دورًا مباشرًا في تحسين البيئة الحضرية؛ إذ تسهم في توفير الظل، وخفض درجات حرارة الأسطح والمناطق المحيطة، وامتصاص ثاني أكسيد الكربون، وإطلاق الأكسجين، ودعم التنوع الحيوي وتحسين جودة الهواء.

ولذلك يرى نور الدين أن حماية الأشجار المعمّرة يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من أي عملية تطوير عمراني، معتبرًا أن التعامل معها بوصفها عنصرًا يمكن استبداله سريعًا يتجاهل قيمتها البيئية المتراكمة، خصوصًا في المدن الواقعة ضمن مناخات حارة وجافة تحتاج إلى كل مساحة خضراء متاحة للحد من آثار الحرارة والتصحر الحضري.

استجابة للتعليمات أم تغير في السياسات؟

ومع التحرك الحكومي الواسع، والموجة الإعلامية التي تبناها عدد من الإعلاميين الداعمين للسلطة في إدانة قطع الأشجار والدفاع عن مبادرة "تخضير القاهرة"، برزت تساؤلات عديدة بشأن طبيعة هذا التحول المفاجئ، لا سيما أن جانبًا من هؤلاء الإعلاميين لم يبدِ في السابق الموقف نفسه من سياسات إزالة الأشجار وتقليص المساحات الخضراء.

ويطرح هذا المشهد سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام استجابة مباشرة لتوجيهات السيسي فحسب، أم أمام مراجعة حقيقية للمنهج السابق واعتراف ضمني بأخطاء السياسات التي اتُّبعت خلال السنوات الماضية؟ وتتزايد هذه التساؤلات مع مخاوف من أن تخفت حدة الحملة الداعمة للتخضير بمرور الوقت، خصوصًا إذا غاب الملف مجددًا عن الخطاب الرئاسي أو فقد زخمه الإعلامي.

ومن هنا، يرى منتقدون أن اختبار جدية التحول لا يكمن في سرعة الاستجابة الحالية، وإنما في تحويله إلى سياسة مؤسسية واضحة ومعلنة، تبدأ بمراجعة ما جرى وأسبابه، وتحديد المسؤوليات عنه، ثم وضع خطط قابلة للقياس والمتابعة، مع ضمانات بعدم العودة إلى سياسات إزالة الأشجار على النحو السابق، أيًّا كانت مبررات التطوير أو التوسع العمراني.

تقرون المزيد في الترا صوت: المواكب الرسمية في مصر.. حماية المسؤولين أم تعطيل حياة المواطنين؟

كلمات مفتاحية

جريمة بددت أحلام آلاف المزارعين.. جنود النظام السابق اقتلعوا الأشجار من جذورها

عند وصول محمد ووالده إلى البلدة، شهدا كارثة حقيقية لم تكن في الحسبان، إذ كانت قريتهم مدمّرة بالكامل، بعد أن قام جنود النظام المخلوع بنهب الحديد من أسقف المنازل المهدّمة وقلع آلاف أشجار الزيتون

لم تمت الحقول

سمعتُ بكاء الشجرة/ وعلمتُ أن الشرفة تضرب أغصانها/ في حين أنها تنحني إليها عن قصدٍ دائمًا!/ ماذا يعني أن تصير أغنية/ أو شرفةً/ ماذا يعني أنه كلما لامسكَ أحدهم ستنطفئ

صوتي الذي نزفتُهُ

أينَ صوتي الذي نزفتُهُ في الطريقِ إليك؟/ أين الذينَ غرَّرْتَ بهمْ قبلي؟/ كي يصدّقوا روايةَ العشبِ المسالمِ/ عن شجرٍ عظيم/ يغطّيه حين تحرقُ الشمس/ ذاكرةَ البستاني الأبله

كأس أمم أفريقيا
رياضة

نهائي أمم أفريقيا أمام "كاس".. هل يبقى اللقب في المغرب أم يعود إلى السنغال؟

النتيجة النهائية ستحدد ما إذا كان لقب أمم أفريقيا سيبقى للمغرب استنادًا إلى قرار "كاف"، أم أن "كاس" ستلغي القرار وتعيد الاعتبار إلى النتيجة التي انتهى إليها النهائي على أرض الملعب

النفط
أعمال

هامش الأمان يتقلّص.. العالم يقترب من استنزاف مخزونه النفطي الاحتياطي

أقل من 6 مليارات برميل من المخزونات التجارية النفطية لا تزال موجودة عالميًا، والجزء الأكبر منها غير متاح عمليًا للاستخدام الفوري

نوبل
علوم

جائزة نوبل للكيمياء.. عالمان يحلان لغزًا عمره أكثر من قرن

فاز العالمان الفرنسي هنري كاغان والياباني كينسو سواي بجائزة نوبل للكيمياء لعام 2026، تقديرًا لاكتشافاتهما المتعلقة بالتأثيرات غير الخطية والتحفيز الذاتي في التخليق العضوي غير المتناظر

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

تصاعد مقلق.. الذكاء الاصطناعي يوسّع إنتاج مواد الاعتداء على الأطفال

لا تكمن المشكلة في كمية المحتوى وحدها، بل في سهولة إنتاجه وتعديله باستخدام أدوات أصبحت متاحة على نطاق أوسع