بعد سقوط أول قتيل في تطاوين.. هل ستشهد تونس ثورة جديدة؟

بعد سقوط أول قتيل في تطاوين.. هل ستشهد تونس ثورة جديدة؟

اشتباكات بين قوات الأمن والمحتجين في تطاوين (فتحي نصري/ أ.ف.ب)

أخذت الأزمة في مدينة تطاوين، أكبر المحافظات التونسية مساحة والواقعة جنوب البلاد، منعرجًا خطيرًا على خلفية فضّ قوات الأمن لاعتصام شباب عاطلين عن العمل في منطقة الكامور بالقوة، ممّا أدى إلى اندلاع مواجهات بين آلاف المحتجين وقوات الأمن في مختلف مناطق المحافظة. وقد أدت هذه المواجهات لسقوط قتيل والعديد من المصابين، ولحرق المحتجين الغاضبين لمقرات قوات الحرس (الدرك) والشرطة، فيما تولّى الجيش تأمين بقية المناطق الحيوية بالمحافظة.

وبالتوازي مع ذلك اندلعت احتجاجات بعديد المحافظات المجاورة وانتظمت مسيرة احتجاجية حاشدة بالعاصمة تضامنًا مع المحتجين في تطاوين، وسط حالة حذر وترقب في المشهد السياسي، خشية مزيد من انفلات الأوضاع وتأزم الوضع بالبلاد.

يُحذّر مراقبون من تطور الاحتجاجات إلى موجة ثورية ثانية في البلاد

فما هو شريط الأحداث لاحتجاجات تطاوين، التي لا يُخفي مراقبون إمكانية إنذارها بموجة احتجاجية ثانية في البلاد بعد زهاء 6 سنوات من اندلاع الثورة التونسية، ومع استفحال الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد وفشل الطبقة السياسية في التعامل معها؟

اعتصام الكامور والمطالبة بالحق في العائدات النفطية

تشهد عديد المحافظات التونسية احتجاجات شعبية بين الحين والآخر للمطالبة بالتنمية والتشغيل، وعادة ما تنتهي هذه الاحتجاجات بالتوافق مع الحكومة على حزمة إجراءات لصالح الجهة المحتجة. وفي هذا السياق، اندلعت منذ شهر آذار/مارس الماضي احتجاجات في محافظة تطاوين، جنوبي البلاد، وإضافة للمطالب المعتادة بالتنمية والتشغيل؛ طالب المحتجون بتخصيص نسبة مئوية من العائدات النفطية وذلك تفعيلًا للمبدأ الدستوري بالتمييز الإيجابي للجهات المهمشة. هذا وتستأثر تطاوين بأغلبية مناطق الإنتاج النفطية، حيث تنتج تونس حاليًا 40 ألف برميل نفط يوميًا فيما بلغ سقف الإنتاج قبل الثورة 110 ألف برميل.

اقرأ/ي أيضًا: توافقات تونسية هشة.. في انتظار انفجار الشارع

وتأتي هذه المطالب في ظل تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمحافظة تطاوين الصحراوية، والتي تضمّ 150 ألف ساكن فقط لتكون من أقل المحافظات سكانًا. ورغم ذلك، حقّقت المحافظة أعلى نسبة بطالة في تونس لتبلغ 32% سنة 2016، أكثر من ثلثهم من أصحاب الشهادات العليا. وقد عانت المحافظة من تهميش طيلة عقود الاستبداد، على غرار بقية محافظات الجنوب، إذ تنحصر مواردها في الفلاحة الرعوية أساسًا، في ظل غياب المصانع والاستثمارات وضعف الحضور الاقتصادي للدولة.

ومع عدم تجاوب الحكومة معهم، أعلن المحتجون بعد أسابيع من انطلاق تحركاتهم، البدء باعتصام في منطقة "الكامور" النائية في تطاوين والتي تمثل نقطة عبور الشاحنات النفطية، وذلك تحت شعار "الرخ لا" (لا تراجع).

وفي هذه الأثناء، اندلعت احتجاجات بجهة صفاقس، ثاني أكبر مدن البلاد، وتصاعدت الاحتجاجات بمدينة الكاف، شمالي غرب البلاد، لتعرف البلاد خلال شهر نيسان/أبريل المنقضي موجات احتجاجية متزامنة بعديد المحافظات. ومع تزايد الضغط على السلطات، توجه وفد يقوده رئيس الحكومة يوسف الشاهد لمحافظة تطاوين، بتاريخ 27 نيسان/أبريل الماضي، لحلّ الأزمة مع فشل جميع المفاوضات السابقة.

وأعلن رئيس الحكومة خلال هذه الزيارة جملة من الإجراءات لفائدة محافظة تطاوين، رفضها المحتجون لعدم بلوغها مطالبهم، سواء ما يتعلق بطاقة التشغيل أو بملف العائدات النفطية. ولم يستكمل يومها يوسف الشاهد برنامج زيارته مع انفلات الأوضاع، ليعلن بعد عودته للعاصمة إقالة المحافظ وعدد من المسؤولين الأمنيين.

أمّا من جهتهم، فقد واصل المحتجون اعتصامهم بمنطقة الكامور، ناصبين مئات الخيام في قلب الصحراء، ما عطّل الإنتاج النفطي في المحافظة، بالتوازي مع فشل المفاوضات مع الوفود الحكومية.

خيار فض الاعتصام بالقوة

مع تواصل تأزم الوضع، أعلن رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي في خطابٍ وصفه الإعلام الرسمي بـ"التاريخي"، في 10 آيار/مايو الجاري، تكليف الجيش التونسي بحماية مناطق الإنتاج. وتحدث السبسي عن اعتصام الكامور بالتحديد، مشككًا في نوايا المحتجين. حيث قرأ خلال خطابه مقتطفًا من بيان لهم أشاروا فيه إلى أنّهم "أحفاد علي بن غذاهم"، وهو زعيم قاد انتفاضة شعبية ضد حكم الباي في العاصمة خلال القرن التاسع عشر.

إثر ذلك، أعلن المعتصمون في الكامور رفضهم المطلق لما ورد في خطاب رئيس الجمهورية، مؤكدين استمرار تحركاتهم واعتصامهم حتى تحقيق مطالبهم، فيما اعتبرت المعارضة أن خطاب السبسي وإقحامه للجيش التونسي في ملف الاحتجاجات الشعبية يعكس فشل الائتلاف الحكومي في التعامل معها، محذرةً من خيار استعمال القوة.

بالتوازي مع ذلك دخلت الحكومة في مفاوضات جديدة مع تنسيقية المعتصمين، وقدّمت عددًا من المقترحات تمثّلت أساسًا في انتداب 3500 شاب بالشركات البترولية وشركة البيئة، إضافة إلى تخصيص 50 مليون دينار (21 مليون دولار) سنويًا للتنمية بالجهة. وقد قبل أغلبية المعتصمين، وفق رواية الحكومة، هذه المقترحات فيما رفضتها أقلية. وهو ما تنفيه التنسيقية المسؤولة عن الاعتصام بتأكيد وحدة صفها.

وفي خطوة تصعيدية لاحقًا للضغط على الحكومة، قام آلاف المحتجين يوم 20 آيار/مايو بالتوجه لمحطة ضخ البترول بالصحراء بهدف إغلاقها، فيما مثل امتحانًا للجيش الذي أطلق في مرحلة أولى الرصاص في الهواء غير أن المحتجين لم يتفرقوا. وفيما اعتبر تأكيدًا على عدم توجيه الجيش للرصاص نحو المحتجين، سمحت القيادات العسكرية الميدانية في مرحلة ثانية بدخول بعض المحتجين للمحطة وإشرافهم على إيقاف عمليات تدفق البترول. وقد تبيّن لاحقًا أنه تم تخفيض التدفق دون إيقافه بالكامل، وليجتاز الجيش التونسي والمحتجون سيناريو الصدام يومها.

استطاع كل من الجيش والمحتجين تجاوز عقبة الصدام، إلا أنّ الحكومة أصرت على استخدام القوة ضد المعتصمين

ومع هذا التجاوز لخيار الصدام بين الجيش والمحتجين، إلا أنّ الحكومة التونسية، متمثلة في رئيسها يوسف الشاهد، أصرت على استخدام القوة ضد المعتصمين، إثر اجتماعٍ عقده الشاهد مع قيادات أمنية وعسكرية.

انفجار الوضع وسقوط قتيل

بدأت قوات الدرك والأمن إجراءات فض الاعتصام باقتلاع الخيام في الكامور، وحرقها في ساعة متأخرة من يوم 21 آيار/مايو، ليبدأ تجمع المواطنين وسط المدينة تضامنًا مع المحتجين، إذ أعلنت تنسيقية شباب الاعتصام الإضراب العام في اليوم الموالي، ردًا على التعامل الأمني.

ومنذ الساعات الأولى لصباح 22 آيار/مايو، انطلقت المواجهات بمنطقة الكامور ووسط تطاوين بين المحتجين والأمن، ليقع حرق مقرات قوات الدرك والشرطة، ولينفلت الوضع بشكل كبير، ما اضطرّ قوات الأمن للانسحاب، ليتصدّر الجيش المشهد وسط احتفاء من المواطنين. وقد لقي الشاب أنور السكرافي مصرعه بدهس سيارة أمن له أثناء المطاردات، فيما أفادت وزارة الداخلية بإصابة 20 من أفراد الأمن، وحرق أكثر من 20 سيارة أمنية.

اقرأ/ي أيضًا: الاحتجاجات الاجتماعية في تونس.. عود على بدء؟

كما اندلعت عمليات حرق ونهب أعلنت تنسيقية اعتصام الكامور عدم مسؤوليتها عنها، حيث دعت لتكوين لجان لحماية الأحياء وإسناد قوات الجيش على غرار أحداث الثورة قبل زهاء 6 سنوات.

ردود الأفعال

سارعت الحكومة لتوجيه اتهامات لأطراف لم تسمّها بالوقوف وراء انفجار الوضع في تطاوين، حيث اعتبر وزير التشغيل والمكلف بملّف التفاوض مع المحتجين، عماد الحمامي، أن أحد الأشخاص بالمنطقة قام بتمويل المحتجين.

من جهتها، حملت تنسيقية المعتصمين قوات التدخل السريع التابعة للأمن مسؤولية انفجار الوضع، وأكدت بأن هذه القوات بادرت بتوجيه القنابل المسيلة للدموع نحو المواطنين المحتجين سلميًا أمام مقرّ المحافظة، للمطالبة بحماية الشباب في منطقة الكامور. وعتبرت التنسيقية بأن الحاصل هي "مؤامرة لإجهاض السلمية".

كما حملت المعارضة الائتلاف الحكومي مسؤولية انفجار الوضع بسبب خيار استعمال القوة، ودعت لمسيرة بالعاصمة رفضًا للتعامل الأمني مع احتجاجات تطاوين. واعتبر حمة الهمامي زعيم الجبهة الشعبية أن خطاب السبسي يوم 10 آيار/مايو، هوّ الذي زاد من تأجيج الأوضاع، داعيًا إياه للاستقالة. فيما طالب عماد الدايمي، أمين عام حزب حراك تونس الإرادة، وزارة الداخلية بالاعتذار لاستخدامها المفرط للقوّة. ومن جانبه دعا اتحاد الشغل، أكبر المنظمات النقابية بالبلاد، للتهدئة ''من جانب الحكومة أوّلًا''، معتبرًا أنّ القوة "لا تؤدي إلا إلى مزيد تعقيد الأوضاع".

اعتبرت تنسيقية المعتصمين في تطاوين، أن استخدام القوة من قبل الحكومة هدفه "إجهاض سلمية الاحتجاجات"

وفي نفس السياق، اندلعت مواجهات محدودة بين محتجين وقوات الأمن بعدد من المحافظات المجاورة على غرار مدنين وقبلي، تضامنًا مع المحتجين في تطاوين.

هدوء حذر وضبابية لحل الأزمة

عرفت تطاوين هدوءًا أمنيًا حذرًا بعد تعاون المواطنين مع قوات الجيش لتوفير الأمن وتأمين المناطق الحيوية. فيما انتظمت صباح الثلاثاء 23 آيار/مايو جنازة حاشدة للشاب القتيل، شارك فيها الآلاف من المواطنين وغاب عنها المسؤولون الحكوميون.

اقرأ/ي أيضًا: تونس.. وكأنه استئناف حراكٍ لم ينته

وبخصوص مآل الوضع المتفجر في تطاوين، أعلن إياد الدهماني الناطق الرسمي باسم الحكومة، بأن المشكل سيتم حله عن "طريق تطبيق القانون والحوار مع المحتجين بشكل سلمي". حيث لا زالت تسود حالة من الضبابية والترقب مع تأكيد تنسيقية المعتصمين تشبثها بمطالبها، وسط حالة احتقان في المحافظة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مشاريع تونس الكبرى.. الوعود المنتظرة

الحقيقة غير الجذابة عن إفشال الربيع العربي