بعد زيارته جزر كوريل.. بوتين يتسبب بأزمة دبلوماسية مع اليابان
13 أغسطس 2026
أثار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أزمة دبلوماسية جديدة مع اليابان بعد زيارته جزيرة إيتوروفو، إحدى الجزر الأربع المتنازع عليها بين البلدين، في أول زيارة لرئيس روسي إلى المنطقة منذ 16 عامًا، في خطوة سارعت طوكيو إلى الاحتجاج عليها والتأكيد مجددًا على سيادتها على الجزر.
ووصل بوتين إلى إيتوروفو، التي تسميها اليابان "إيتوروفو" وتعرف في روسيا باسم "إيتوروب"، وهي تقع في الطرف الجنوبي من سلسلة جزر الكوريل قبالة جزيرة هوكايدو اليابانية. ونقلت وكالة "تاس" الروسية أن الزيارة تضمنت جولة في منشآت اقتصادية ومصانع محلية، في وقت تواصل فيه موسكو تعزيز حضورها العسكري والاقتصادي في المنطقة.
وقال وزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيغي، في بيان نشره الخميس، إن بلاده "تحتج بشدة" على زيارة بوتين، مشددًا على أن "الأقاليم الشمالية، بما فيها جزيرة إيتوروفو، هي أراضٍ يابانية أصيلة، تاريخيًا وبموجب القانون الدولي".
نزاع يعود إلى الحرب العالمية الثانية
تعود جذور الخلاف إلى الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، عندما أعلن الاتحاد السوفييتي الحرب على اليابان في 8 آب/أغسطس 1945، بعد يومين من إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما، وقبل نحو أسبوع من استسلام اليابان.
تعود جذور الخلاف إلى الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، عندما أعلن الاتحاد السوفييتي الحرب على اليابان في 8 آب/أغسطس 1945
وبعد دخول القوات السوفييتية جزر الكوريل، سيطرت موسكو على الجزر الأربع التي تشكل محور النزاع الحالي، وهي إيتوروفو وكوناشيري وشيكوتان ومجموعة جزر هابوماي. وتقول اليابان إن هذه الجزر جزء من أراضيها، بينما تعتبرها روسيا جزءًا من أراضيها في جزر الكوريل.
وعقب الاحتلال السوفييتي، جرى ترحيل نحو 17 ألف ياباني كانوا يعيشون في الجزر، لتبدأ واحدة من أطول النزاعات الإقليمية المستمرة في شرق آسيا.
ولم يتمكن البلدان، بسبب الخلاف على الجزر، من توقيع معاهدة سلام رسمية تنهي حالة الحرب بينهما منذ عام 1945، ما يجعل النزاع الإقليمي أحد آخر الملفات غير المحسومة من إرث الحرب العالمية الثانية.
عودة بوتين إلى الجزر
تمثل زيارة بوتين تطورًا لافتًا، فهي أول زيارة لرئيس روسي إلى الجزر المتنازع عليها منذ زيارة الرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف إلى جزيرة كوناشيري في تشرين الثاني/نوفمبر 2010.
كما أنها أول زيارة لبوتين شخصيًا إلى المنطقة منذ أكثر من ربع قرن في السلطة، في إشارة إلى الأهمية التي توليها موسكو للمنطقة الواقعة في أقصى الشرق الروسي.
وحسب تقرير لصحيفة ذا إنديبيندنت، فخلال وجوده في إيتوروفو، زار بوتين مصنع "ياسني" لمعالجة الأسماك، وظهر في لقطات بثها التلفزيون الروسي وهو يتفقد سمكة تونة كبيرة وسمكة هلبوت، بينما كان مسؤولون يشرحون له أوضاع قطاع الصيد وحركة الأسماك في المنطقة. كما تذوق بوتين بطارخ الأسماك، وتبادل حديثًا مع سكان الجزيرة، قائلاً عن الطقس: "يا له من طقس جميل لديكم هناك، كأنه منتجع!" وردت عليه إحدى النساء قائلة، في مزاح واضح: "وكنا نظن أنك أنت من رتّب لذلك!"
جزر غنية بالموارد وموقع عسكري حساس
لا تقتصر أهمية الجزر الأربع على بعدها التاريخي والسياسي، إذ تتمتع المنطقة بثروات طبيعية ومصائد بحرية تعد من الأغنى في شمال المحيط الهادئ.
ويعيش في الجزر نحو 20 ألف روسي حاليًا، بينما تحتوي المنطقة على رواسب من الذهب والفضة، إلى جانب موارد بحرية كبيرة جعلت الصيد أحد الأنشطة الاقتصادية الرئيسية فيها.
لكن الموقع الجغرافي للجزر يمنحها أهمية استراتيجية أكبر. فقد أقام الاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة قواعد جوية وبحرية في المنطقة، كانت موجهة بصورة أساسية لمراقبة الولايات المتحدة واليابان، واستمرت روسيا في الحفاظ على وجود عسكري فيها حتى اليوم.
وتأتي زيارة بوتين في وقت تتزايد فيه أهمية الجناح الشرقي لروسيا في حساباتها الأمنية، بالتزامن مع تنامي التعاون العسكري بين موسكو وبكين وبيونغ يانغ، وتصاعد التوتر بين روسيا والولايات المتحدة وحلفائها في منطقة المحيطين الهادئ والهندي.
رسالة عسكرية وسياسية
وقبل زيارته إيتوروفو، كان بوتين قد حضر، الأربعاء، مناورة عسكرية للأسطول الروسي في المحيط الهادئ في منطقة سخالين الواقعة في أقصى الشرق الروسي. وأفادت "تاس" بأن بوتين تابع التدريبات من على متن الطراد الصاروخي "فارياغ"، في استعراض للقدرات البحرية الروسية في منطقة استراتيجية قريبة من اليابان وشبه الجزيرة الكورية.
وجاءت هذه التحركات في توقيت حساس، إذ أطلقت كوريا الشمالية، الحليفة لروسيا، صاروخًا باليستيًا باتجاه المياه الواقعة قبالة الساحل الشرقي لشبه الجزيرة الكورية، قبل أيام من مناورات عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية ترفضها بيونغ يانغ بشدة.
وبذلك تضع زيارة بوتين إلى الجزر المتنازع عليها نفسها في سياق إقليمي أوسع، تتقاطع فيه النزاعات التاريخية مع التنافس العسكري والتحالفات الجديدة في شرق آسيا.
خلاف يتجاوز الجزر
لطالما شكلت قضية "الأقاليم الشمالية" عقبة رئيسية أمام تطبيع العلاقات الروسية اليابانية بشكل كامل. وعلى الرغم من محاولات متكررة للتوصل إلى تسوية، بقيت السيادة على الجزر الأربع دون حل.
وتؤكد طوكيو أن موقفها يستند إلى التاريخ والقانون الدولي، بينما تعتبر موسكو أن سيادتها على الجزر جاءت نتيجة مباشرة لنتائج الحرب العالمية الثانية ولا ترى أساسًا لإعادة فتح الملف على النحو الذي تطالب به اليابان.
وتعكس احتجاجات طوكيو الأخيرة أن زيارة بوتين لا تُنظر إليها في اليابان باعتبارها مجرد جولة داخلية للرئيس الروسي، بل باعتبارها تأكيدًا روسيًا على السيادة على أراضٍ تعتبرها اليابان جزءًا من أراضيها.
ومع استمرار الوجود العسكري الروسي في الجزر، وتزايد النشاط العسكري في شمال المحيط الهادئ، تبدو القضية أبعد من مجرد نزاع حدودي؛ فهي أصبحت جزءًا من شبكة أوسع من التوترات الأمنية التي تعيد رسم موازين القوى في شرق آسيا.









