بعد داعش وكركوك.. المليشيات الشيعية تستحوذ على القرار السيادي في العراق

بعد داعش وكركوك.. المليشيات الشيعية تستحوذ على القرار السيادي في العراق

تمثل معركة كركوك تجليًا هامًا لاستحواذ المليشيات الشيعية على القرار في العراق (أحمد الربيعي/ أ.ف.ب)

سيطرت المليشيات الشيعية المدعومة من إيران في العراق، على محافظة كركوك، وطردت منها قوات البيشمركة الكردية. لكن المليشيات الشيعية لم تنتظر قرارًا من حكومة بغداد، وتقريبًا أنهت المعركة قبل وصول القوات الحكومية إلى كركوك. يكشف ذلك عن النفوذ الذي باتت تتمتع به المليشيات الشيعية في العراق. وقد نشرت مجلة "فورين بوليسي" تقريرًا يوضح كيف أن معركة كركوك بمثابة التجلي الأكبر لاستحواذ هذه المليشيات على القرار في العراق، في السطور التالية نعرض لكم هذا التقرير مترجمًا بتصرف.


"سنُقاتِل الليلة"، هكذا قال زكي كمال، وهو شيعي تُركماني بشعرِ مُجعد. كان ذلك في 15 تشرين الأول/أكتوبر، وكان يكتسي السواد إحياءً لذكرى مقتل الحسين. وكان يتحدث بثقة وهدوء.

ظلت كركوك محل خلاف بين بغداد وأربيل، ثم أصبحت محور النزاع بعد استفتاء انفصال إقليم كردستان 

وزكي كمال هو أحد قادة منظمة بدر، المليشيا الشيعية العراقية المسلحة المدعومة من إيران بشكل مباشر. وقد شاركت بدر مع غيرها من المليشيات الشيعية في طرد قوات البيشمركة الكردية من كركوك المتنازع عليها. وفي اليوم الذي تحدثنا معه، كان هو وستة آخرين من زملائه المسلحين، في منتصف العمر، يلعبون بعض الألعاب الحربية، وفي الخلفية صورة كبيرة لعلي السيستاني رجل الدين الشيعي العراقي، وأكبر المراجع الشيعية في العالم. واجتماع هؤلاء المسلحين كان بغرض مناقشة إقناع مقاتليهم بمحاولة ضبط النفس والصبر حتى يتخلى البيشمركة عن مواقعهم دون مقاومة.

اقرأ/ي أيضًا: تقدير موقف: استفتاء إقليم كردستان.. بين الإصرار الكردي والمعارضة الإقليمية

كانوا محقين، فقد حققوا الانتصار يوم الإثنين الماضي، ورأوا بأعينهم علم إقليم كرستان ينخفض من على ساري مبنى محافظة كركوك، ويرتفع مكانه العلم العراقي.

وظلّت كركوك موضع خلاف منذ فترة طويلة بين الحكومة المركزية العراقية والأكراد، ثمّ أصبحت محور النزاع  بعد الاستفتاء الداخلي الذي أجراه إقليم كردستان في 25  أيلول/سبتمبر للاستقلال، والذي شمل تلك المنطقة.

واعتُبرَ هذا الاستفتاء محاولة من قبل رئيس حكومة إقليم كردستان، مسعود بارزاني، لتعزيز موقفه السياسي في كردستان العراق. لكن الاعتبارات الانتخابية في بقية البلاد، لا سيما المُجاوِرة لها، شكلت تداعيات هذا الاستفتاء. إذ سيتوجه السياسيون العراقيون إلى صناديق الاقتراع في العام المقبل لإجراء الانتخابات الوطنية. كما يعتبر السماح بإجراء الاستفتاء دون جدال، بمثابة انتحار سياسي لرئيس الوزراء حيدر العبادي.

وقد برزت قوات الحشد الشعبي -هي المنظمة الجامعة التي تنتمي إليها العديد من المليشيات والكتائب المسلحة الشيعية، بينها مجموعة زكي كمال وغيرها- كفاعلٍ سياسي قوي في السنوات القليلة الماضية. بعد فتوى السيستاني عام 2014، التي دعت العراقيين إلى حمل السلاح ضد تنظيم الدولة الإسلامية، (داعش)، ليحاربوه بالفعل، لكن بحماس متعصب يصل للتطرف أحيانًا في التعامل مع المدنيين السنة. ودُعموا بقوة من قبل إيران سواءً بالتدريب أو التسليح.

وتمكنت تلك المليشيات الشيعية من تحقيق انتصار على داعش، وأصبحت لهم كلمة عليا في البلاد. وهم الآن يضغطون بقوة على المسؤولين في بغداد لاتخاذ مواقف لا هوادة فيها فيما يخص العديد من القضايا، من بينها إنهاء تطلعات الأكراد نحو الانفصال، وإن أدّى ذلك للحد من العلاقات الأمريكية العراقية. 

في المقابل يُحاول العبادي السير على ذلك الحبل المشدود، موازنًا بين تلك المطالب، وبين رغبته الشخصية في تعزيز علاقة الحكومة المركزية في العراق بواشنطن، بالإضافة إلى التعامل مع مطالب الطوائف والأعراق المختلفة في العراق.

أصبحت للمليشيات الشيعية كلمة عليا في العراق وباتت تضغط بقوة على الحكومة لتتخذ مواقف معينة من بينها إنهاء تطلعات الأكراد للانفصال

ويدِّعي زكي كمال أن قوات الحشد الشعبي تأخذ أوامرها من العبادي، لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك، فالواقع أن تلك القوات تُمثِّل كُتلة انتخابية قوية تستطيع الضغط على رئيس الوزراء للرضوخ لمطالبهم والتكيُف مع جدول أعمالهم، بل يمكنهم أيضًا أن يتصرفوا بمفردهم إذا لم تدعمهم الحكومة، فعلى سبيل المثال، قرار منظمة بدر والمليشيات الأخرى لمحاربة البيشمركة، سبق تعليمات العبادي بإرسال قوات مكافحة الإرهاب لتأمين المؤسسات ومواقع البنية التحتية في كركوك.

اقرأ/ي أيضًا: مليشيات القتل الطائفي.. تقسيم "داعشي" للعراق

وكانت الخلافات بين العبادي والحشد الشعبي واضحة حتى قبل الهجوم على كركوك، ففي الوقت الذي كانت تحشد فيه قوات الحشد الشعبي للهجوم على البيشمركة في كركوك لمعركة قال لنا مقاتلو الحشد الشعبي قبل بدئها، إنها لن تستغرق يوم أو يومين على الأكثر، وقد كان. في نفس الوقت كان مصدر في وزارة الدفاع العراقية يتفاخر باستراتيچية العبادي لحل الأزمة، وهي الإجراءات التي شملت فرض قيود على المجال الجوي لحكومة إقليم كردستان وحشد المساعدة الدبلوماسية من إيران وتركيا. لكن حكومة العبادي لم تفكر في القيام بأي عمل عسكري. 

وحينها، سألنا أحد المسؤولين -طلب عدم الكشف عن هويته- عن احتمالية استخدام القوة، فأجاب: "لا توجد هناك فرصة لذلك"، مُضيفًا: يضع العبادي قائمة بالأشياء التي يمكن من خلالها إعطاء درس قاسٍ لبارازاني"، لم يكن من بينها الحرب، رغم أنها كانت الأقسى على البرازاني.

لكن في الحقيقة أيضًا، حُصر العبادي في زاوية ضيقة، ما بين أن تركيا لم تقطع خط الأنابيب الذي تستخدمه حكومة إقليم كردستان لتصدير النفط، وبين ضغط المليشيات الشيعية على العبادي لاتخاذ قرار سياسي سريع أو السماح لهم بالتعامل مع القضية.

وكان زكي كمال قد قال: "سنتحرك في حالة ما إذا فشل الحوار"، فيما بدا أنه توضيح لطبيعة دور المليشيات الشيعية في السياسة العراقية.

وبعد معاركها ضد داعش، وانتصاراتها عليه، لم تعد تخفي المليشيات الشيعية المدعومة من إيران، شعورها الكبير بالثقة في قدرتها، مُعرِبةً عن تصميمها التمسُك بالسلطة التي من أجلها خاض أعضاؤها معارك وماتوا من أجلها، ويرغبون أن يُنظَر إليهم على أنهم قوةٌ شرعية، وليس مجرد مجموعة غير منظمة من المتعصبين.

ويتعلق الأمر أيضًا في جُزءٍ كبير منه، بمسألة قابليتهم على الاستمرار من الناحية الاقتصادية. لم يَعُد هناك حاجة ملحة إلى أحمد -أحد مُقاتلي منظمة بدر (22 سنة)، والذي يعمل أيضًا سائق سيارة أجرة- بعد انحسار التهديد الذي كانت يشكله داعش. والآن لا يشارك أحمد في القتال إلا 15 يومًا في الشهر، لكن مع ذلك، يمكنه في هذه الفترة كسب 400 دولار، في حين لا يجني خلال النصف الآخر من الشهر أثناء عمله كسائق تاكسي سوى 80 دولارًا. يقول عن ذلك: "قد تقتلني الحرب. لكن المال جيد جدًا".

بعد انتصاراتها على داعش لم تعد تخفي المليشيات الشيعية العراقية ثقتها الكبيرة بنفسها، وتصميمها على تمسكها بالسلطة

ومن خلال بناء قوتها السياسية في بغداد، تأمل مليشيا الحشد الشعبي في زيادة حصتها من المناصب داخل شبكات الرعاية في العراق، أي الحصول -بالنسبة لأشخاص مثل أحمد- على وظائف في الأجهزة الأمنية أو في وزارات حكومية.

ويتضح أنه لم يكن من الممكن وقوع الحرب في كركوك، لولا إعطاء إيران الضوء الأخضر للمليشيا الشيعية لذلك. وبسط سيطرة هذه المليشيات على الأرض، ليست إلا حلقة ضمن سلسلة طويلة من انتصارات طهران في المنطقة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الحشد الشعبي.. المليشيا في مواجهة الدولة من الداخل

9 حقائق هامة ينبغي ألا ننساها عن الغزو الأمريكي للعراق