بعد حيي الأشرفية والشيخ مقصود: دير حافر على خط النار
14 يناير 2026
بعد انتهاء معركة حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب، والتي انتهت بدخول قوات وزارتي الدفاع والداخلية في الحكومة السورية إلى الحيين وإنهاء سيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد" عليهما بعد نحو 12 عامًا، أعلنت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري اعتبار مناطق جديدة "منطقة عسكرية مغلقة" اعتبارًا من تاريخه.
وبحسب ما أعلنت الهيئة، تشمل المنطقة المغلقة التي حددتها باللون الأحمر، المساحة الممتدة من دير حافر إلى مسكنة وبابيري قوص، الواقعة في الريف الشرقي لمحافظة حلب، داعية المدنيين إلى الابتعاد عن مواقع انتشار "قسد" داخل هذه المنطقة، حرصًا على سلامتهم.
كما وجّهت الهيئة نداءً إلى جميع المجموعات المسلحة الموجودة في المنطقة بضرورة الانسحاب إلى شرق نهر الفرات، محذّرة من مخاطر البقاء، ومشددة على أن الجيش العربي السوري "سيقوم بكل ما يلزم" لمنع استخدام هذه المنطقة كنقطة انطلاق لما وصفته بـ"العمليات الإجرامية".
ويأتي هذا الإعلان في سياق يُشبه، من حيث الشكل، ما سبق معركة حيي الأشرفية والشيخ مقصود، غير أن ثمة اختلافات جوهرية بين الحالتين. ففي حين لم يكن للحيين أي خطوط إمداد أو اتصال مباشر بمناطق سيطرة "قسد" شمال شرقي نهر الفرات، ولم تكن "قسد" تعترف بوجود عسكري لها داخلهما، مؤكدة أن التواجد يقتصر على قوات الأمن الداخلي "الآسايش" التابعة لها، فإن المناطق الجديدة التي أعلنتها هيئة العمليات منطقة عسكرية تتمتع بامتداد جغرافي متصل بالمناطق الخاضعة لسيطرة "قسد"، إضافة إلى اعتراف الأخيرة بشكل رسمي بوجودها العسكري فيها.
تُعد معركة دير حافر أكثر تعقيدًا من معركة حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، ما يضع كامل خطوط التماس بين قوات "قسد" والقوات الحكومية على شفا مواجهة شاملة
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن الحكومة السورية تتبع أسلوب "القضم المتدرج" في التعامل مع مناطق سيطرة "قسد" غرب نهر الفرات، ولا سيما المناطق التي سيطرت عليها "قسد" عقب سقوط نظام الأسد، وتشمل دير حافر وبابيري ومسكنة في محافظة حلب، إضافة إلى المنصورة والطبقة والسبخة غربي محافظة الرقة.
وبناءً على ذلك، يبدو أن الاستراتيجية الحكومية تهدف إلى إجبار "قسد" على الانسحاب من كامل مناطق سيطرتها الواقعة غرب نهر الفرات، وحصر وجودها شرق النهر. ومع ذلك، لا يُعتقد حتى الآن أن "قسد" ستنسحب من هذه المناطق بسهولة، لا سيما في ظل التحشيد العسكري الذي عززت من خلاله جبهة دير حافر خلال الأيام السابقة، إضافة إلى تفجير جسر قرية أم تينة في محيط دير حافر، وهو الجسر الفاصل بين مناطق سيطرة "قسد" والقوات الحكومية، في أول رد على إعلان هيئة العمليات السورية، ما يعني أن خيار المواجهة حاضر لدى "قسد".
استراتيجيات القضم المتدرج واحتمالات المواجهة
وتُعد هذه المعركة أكثر تعقيدًا من معركة حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، ما يضع كامل خطوط التماس بين قوات "قسد" والقوات الحكومية على شفا مواجهة شاملة، وهو سيناريو مرجّح، في مقابل سيناريو آخر يتمثل في تكرار ما جرى في الحيين، عبر اندلاع أيام قتالية محدودة تنتهي بانسحاب "قسد" إلى شمال شرقي نهر الفرات.
كما أن هذه المعارك تضع اتفاق "10 آذار" الموقع بين الحكومة السورية و"قسد"، والذي يقضي بدمج جميع المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، أمام اختبار حقيقي.
بين الضغط الكردي والضغط الدولي
وفي السياق نفسه، حمّلت عدد من الأوساط الكردية قائد "قسد" مظلوم عبدي مسؤولية ما جرى في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، معتبرين أن المعركة انتهت بخسارة الحيين بعد مواجهات عسكرية أسفرت عن مقتل عشرات المدنيين والعسكريين، إضافة إلى تهجير عدد من سكان الحيين ذوي الغالبية الكردية. ويرى هؤلاء أنه في "حال كان هناك قرار بالانسحاب ضمن إطار اتفاق دولي، كان ينبغي إما القتال حتى النهاية بدعم من مناطق سيطرة "قسد"، أو الانسحاب قبل اندلاع المعركة، تجنبًا لخسارة معركة وسقوط ضحايا من مختلف الأطراف".
وبالتالي، فإن المعركة القادمة، إذا أفضت إلى السيناريو نفسه الذي شهدته معركة الحيين، ستكون لها تبعات كبيرة على شعبية "قسد" داخل بيئتها، وتضع قيادتها في موقف محرج.
وعلى المستوى الدولي، دعت أطراف عدة إلى وقف كامل الأعمال القتالية، محذّرة من توسيع رقعة الاشتباكات، ولا سيما مبعوث الرئيس الأميركي إلى سوريا، توماس باراك، خلال زيارته إلى دمشق ولقائه الرئيس أحمد الشرع عقب معركة الحيين. واعتبر بارك أن معركة الحيين أثارت قلقًا بالغًا، داعيًا إلى الوقف الفوري للأعمال القتالية والعودة إلى الحوار، بما يتوافق مع اتفاقي 10 آذار.
لذلك إعادة فتح أي معركة من هذا النوع تستدعي موقفًا دوليًا، ولا سيما أميركيًا، لتحديد المسار الذي قد تؤول إليه التطورات.
في ضوء التطورات الميدانية المتسارعة غرب نهر الفرات، تبدو معركة دير حافر إحدى المحطات المفصلية في مسار الصراع بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، ليس فقط من حيث البعد العسكري، بل أيضًا على مستوى التفاهمات السياسية والاصطفافات الإقليمية والدولية. وبين سيناريو الانسحاب المحدود وسيناريو المواجهة المفتوحة، تبقى المنطقة على صفيح ساخن، فيما تتجه الأنظار إلى قدرة الأطراف المعنية على تفادي تكرار كلفة معركة الأشرفية والشيخ مقصود، سواء على المستوى الإنساني أو على مستوى توازنات النفوذ، في مرحلة تبدو فيها خرائط السيطرة في سوريا أكثر هشاشة من أي وقت مضى.






