بعد جنوب الليطاني.. إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت يوسّع التهجير ويضع لبنان أمام تصعيد خطير
5 مارس 2026
يشهد لبنان تصعيدًا غير مسبوق بعد إصدار جيش الاحتلال الإسرائيلي قرارات إخلاء واسعة شملت مناطق تعد من أبرز معاقل البيئة الاجتماعية لحزب الله، في خطوة يراها مراقبون تحولًا نوعيًّا في طبيعة المواجهة. فقد طلب الجيش الإسرائيلي إخلاء غالبية الضاحية الجنوبية لبيروت تمهيدًا لقصفها، بعد يوم واحد فقط من إصدار قرار مماثل يقضي بإخلاء كامل منطقة جنوب الليطاني.
وتشير هذه القرارات إلى مرحلة جديدة من التصعيد العسكري، إذ إن إصدار أوامر إخلاء لمدن وقرى كاملة بهذا الحجم لم يسبق أن حدث خلال الحروب السابقة بين إسرائيل وحزب الله، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة على المستويين العسكري والإنساني داخل لبنان.
استراتيجية الضغط على حزب الله
إن قرارات الإخلاء الإسرائيلية لا تقتصر على البعد العسكري المباشر، بل تحمل أهدافًا سياسية واجتماعية أوسع. إذ تهدف، إلى رفع الكلفة على حزب الله نتيجة قرار الانخراط في المواجهة إلى جانب إيران، من خلال تحميله تبعات التدمير والتهجير في المناطق التي تُعدّ حاضنته الاجتماعية الأساسية.
كما يُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها محاولة لتأليب البيئة الاجتماعية للحزب عليه، عبر إظهار أن المواجهة مع إسرائيل تؤدي إلى دفع السكان ثمنًا باهظًا من أمنهم واستقرارهم، بما قد يضعف شعبيته داخل مناطقه التقليدية.
إخلاء هذه المناطق قد يؤدي إلى نزوح ما يقارب مليون ونصف المليون شخص، ما يضع البلاد أمام تحديات إنسانية كبيرة تتعلق بتوفير المأوى والغذاء والخدمات الأساسية للنازحين
وفي السياق نفسه، يرى بعض المراقبين أن تفريغ المناطق ذات الغالبية الشيعية من سكانها يهدف أيضًا إلى خلق واقع ميداني جديد، بحيث يصبح أي وجود أو تحرك داخل هذه المناطق قابلًا للتوصيف على أنه نشاط عسكري تابع لحزب الله، ما يتيح لإسرائيل توسيع نطاق عملياتها العسكرية دون قيود.
جنوب الليطاني بين الأمن والاحتلال
يكتسب قرار إخلاء منطقة جنوب الليطاني أهمية خاصة في الحسابات العسكرية والسياسية، إذ تعد هذه المنطقة خط تماس تقليدي بين حزب الله وإسرائيل منذ سنوات طويلة. ويعتبر إفراغ هذه المنطقة من سكانها قد يمهد لمحاولة إسرائيلية لفرض واقع ميداني جديد عبر السيطرة عليها أو إقامة منطقة عازلة تربطها مباشرة بالأراضي الفلسطينية المحتلة.
في المقابل، تختلف دلالات قرار إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت، التي لا تمتلك تواصلًا جغرافيًا مباشرًا مع جنوب الليطاني. إذ يُقرأ هذا القرار في إطار محاولة إسرائيل رفع مستوى الضغط العسكري والنفسي على حزب الله عبر استهداف مركزه السياسي والاجتماعي داخل العاصمة اللبنانية.
وتُعد الضاحية الجنوبية أحد أبرز معاقل الحزب في لبنان، كما تمثل مركزًا سياسيًّا وإداريًّا له، ما يجعل استهدافها يحمل رسائل تتجاوز البعد العسكري المباشر إلى الضغط السياسي والمعنوي.
أزمة إنسانية محتملة
يأتي هذا التصعيد في وقت يواجه فيه لبنان خطر أزمة إنسانية واسعة النطاق. فالمناطق التي صدرت بحقها أوامر الإخلاء تضم كثافة سكانية كبيرة، وتشير تقديرات إلى أن عدد الشيعة في لبنان يشكل نحو ثلث سكان البلاد تقريبًا، ويتمركز معظمهم في الجنوب، ولا سيما في النبطية وصور وبنت جبيل والقرى الحدودية، إضافة إلى البقاع (بعلبك والهرمل)، والضاحية الجنوبية لبيروت.
وبحسب هذه التقديرات، فإن إخلاء هذه المناطق قد يؤدي إلى نزوح ما يقارب مليون ونصف المليون شخص، ما يضع البلاد أمام تحديات إنسانية كبيرة تتعلق بتوفير المأوى والغذاء والخدمات الأساسية للنازحين، في ظل الأزمة الاقتصادية العميقة التي يعاني منها لبنان منذ سنوات.
بداية التصعيد وسياقه الإقليمي
جاءت التطورات الحالية بعد إطلاق حزب الله ستة صواريخ باتجاه إسرائيل مساء اليوم التالي لبدء العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران واغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي. وقال الحزب حينها إن الصواريخ جاءت "ثأرًا لاغتيال خامنئي ودفاعًا عن لبنان"، الأمر الذي أعقبه تصعيد عسكري إسرائيلي واسع شمل سلسلة غارات مكثفة على الأراضي اللبنانية، إضافة إلى عمليات اغتيال وعمليات تهجير للسكان.
ويأتي هذا التصعيد أيضًا في سياق التوتر القائم منذ اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 27 من تشرين الثاني/نوفمبر 2024، الذي نصّ على تسليم منطقة جنوب الليطاني إلى الجيش اللبناني والحكومة اللبنانية. غير أن إسرائيل اتهمت لبنان بعدم الالتزام الكامل بالاتفاق، فيما اعتبرت بيروت أن إسرائيل لم تلتزم به بسبب آلاف الخروقات التي استمرت طوال 15 شهرًا من انتشار الجيش اللبناني جنوب النهر.
ومع إعلان الحرب الإسرائيلية على لبنان، انسحب الجيش اللبناني من عدد من النقاط في الجنوب، في حين عاد حزب الله إلى تنفيذ عمليات عسكرية ضد إسرائيل في تلك المناطق.
تحركات حكومية لاحتواء الأزمة
في موازاة التصعيد العسكري، تحاول الدولة اللبنانية احتواء التداعيات السياسية والأمنية للحرب. فقد اتخذت الحكومة اللبنانية إجراءات حازمة تجاه حزب الله، إذ أعلنت حظر نشاطه العسكري والأمني بعد إطلاق الصواريخ، معتبرة أن ما حدث أدخل لبنان في "حرب الآخرين"، في إشارة إلى الصراع المرتبط بإيران.
كما طلبت الحكومة اللبنانية من جميع عناصر الحرس الثوري الإيراني مغادرة الأراضي اللبنانية. وقال وزير الإعلام اللبناني إن السلطات ستعتقل أي عنصر من الحرس الثوري يوجد داخل البلاد، مشيرًا إلى أن رئيس الوزراء طلب اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي نشاط عسكري أو أمني لعناصر الحرس الثوري تمهيدًا لترحيلهم.
وفي خطوة إضافية، قرر مجلس الوزراء اللبناني إعادة فرض تأشيرة دخول على المواطنين الإيرانيين الراغبين في دخول لبنان.
وبين التصعيد العسكري والضغوط السياسية، تسعى الرئاسات الثلاث في لبنان، أي رئاسة الجمهورية والحكومة ومجلس النواب، إلى إيجاد مخرج للأزمة الحالية، في ظل مخاوف متزايدة من أن تتحول المواجهة إلى حرب واسعة قد تعيد رسم المشهد الأمني والسياسي في البلاد.