بعد

بعد "تأنيب" ترامب رقميًّا.. من يجب أن يملك الحقّ برقابة الإنترنت؟

حظر ترامب على تويتر وحرم من منصّته الأكثر تأثيرًا (فايننشال تايمز(

شهدنا مؤخرًا محاولة "انقلابية" في عقر دار الديمقراطية الأمريكية، بعد اقتحام مجموعة من المتطرفين البيض المناصرين لترامب، بتحريض مباشر منه، مبنى الكابتيول هيل في العاصمة واشنطن، ما أدى إلى حالة من الهلع والفوضى، إضافة إلى مقتل ستة أشخاص، واستنفار أمنيّ متأخرّ للتعامل مع عمليات التخريب والنهب، في واحدة من أحلك الليالي التي شهدتها ديمقراطية واشنطن، التي بدت هشّة  لساعات معدودة طويلة، حتّى تحوّلت إلى مادة للسخرية والتندّر من خصوم الإمبراطورية وضحاياها.

شهدت واشنطن واحدة من أحلك الليالي التي هددت ديمقراطيتها التي بدت هشّة  لساعات معدودة طويلة، حتّى تحوّلت إلى مادة للسخرية والتندّر من خصوم الإمبراطورية وضحاياها

في أعقاب احتواء تلك المحاولة الانقلابية وإلقاء القبض على عشرات ممن شاركوا فيها من المتطرفين المؤمنين بالنظرية "التسارعيّة" الهادفة إلى تدمير الوضع الراهن وإقامة عالمهم الموعود المتوهّم حسب تصوراتهم البيضاء التفوقيّة وشبه النازيّة، سعى مجلس النواب الأمريكي إلى محاسبة ترامب على فعلته والمسارعة في التحضير لإجراءات عزله ومساءلته أمام الكونغرس، وصوت 232 نائبًا لصالح هذه المساءلة مقابل 197، فيما لا يبدو من الواضح ما إذا كانت هذه الإجراءات ستخلق إمكانًا حقيقيًا هذه المرّة لعزل ترامب من منصبه وتفعيل التعديل الدستوري الخامس والعشرين الذي يقضي بتنحية الرئيس من طرف نائبه في حال ثبت عدم قدرة الرئيس على الاضطلاع بالواجبات التي يمليها عليه منصبه.

اقرأ/ي أيضًا: مساءلة تاريخية لترامب: وصحف أمريكية تصفه بـ"الوحيد" و"الخاسر الأكبر"

المشهد برمّته يعد نقطة تحوّل جديدة في "التجربة الأمريكية" وأحد عناصر هذا المشهد الأساسية هي دور شركات الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي والجدل الدائر حول دورها وصلاحياتها في إدارة ما يحدث على الشبكة.

فقد أقدمت كل من تويتر وفيسبوك على حظر ترامب، بشكل نهائي تقريبًا، إضافة إلى تقييد نشاط قناته على يوتيوب، وكذلك فعلت منصات عديدة أخرى أقل شأنًا، مثل تيك توك وريديت وسترايب وبينتريست وغيرها. بل وقد وصل الأمر إلى حرمان تطبيق "بارلر"، وهي المنصّة التي كان يعتقد أن يلجأ إليها ترامب كبديل عن تويتر، من مساحة على الإنترنت بعد أن حذف من على متجري جوجل وأبل، إضافة إلى منع استضافته على خدمات أمازون.

كل ذلك حصل ويحصل ضمن سياق من الجدل المحتدم حول صلاحية التحكم بالمحتوى على الإنترنت، وهو النقاش الأبرز الذي لم يخل من الاستعراضيّة في المجال السياسي والصحفيّ، ولكنّه احتل مساحة جدّية ومعقّدة في الحقول الأكاديمية المعنيّة بالأمر. فالمسألة قد برزت إلى الواجهة في المقام الأول بدفع من ترامب نفسه، والذي سعى غير مرّة إلى إلغاء الفصل 230 من قانون الاتصالات الأمريكي، والذي يقضي بعدم مسؤولية منصات التواصل على الإنترنت على ما ينشره المستخدمون فيها من محتوى، وهو موقف يتبناه بعض الديمقراطيين كذلك، ومن بينهم للمفارقة جو بايدن نفسه، والذي أثار هذه المسألة وأعرب عن قناعته بضرورة مراجعة هذا الفصل.

في هذا الحوار الذي أجراه نيلاي باتل من موقع "ذا فيرج" الأمريكي مع الأستاذة دافني كيلر، مديرة برنامج "تنظيم المنصّات" في مركز السياسات السيبرانية في جامعة ستانفورد الأمريكية والمستشارة العامة السابقة في جوجل لشؤون التحكم بنتائج البحث، تطرق الحديث إلى الأطر التي تحيط بعمليات اتخاذ القرارات الخاصة بإدارة المحتوى وضبطه، والقيود التي تواجهها الشركات الكبرى على هذا الصعيد، والأطر الأخرى الممكنة لإدارة هذه العمليات.


الأستاذة دافني كيلر (ستانفورد)

تعترف كيلر ابتداء بوجود فجوة كبيرة بين النقاش السياسي الدائر في واشنطن، وبين ما يدور في أروقة المؤسسات الأكاديمية المختصة بالقضية. فالحال في واشنطن أشبه ما تكون بمشهدية استعراضية، يقدم بها المشرعون مقترحًا وراء الآخر من أجل تعديل الفصل 230 من قانون الاتصالات الأمريكي، وهي مقترحات نافت عن عشرين مقترحًا في العام المنصرم وحسب، ومعظمها لا طائل من ورائها سوى الاستعراض والمزاودات الكلامية على حد تعبير كيلر. أما خارج الولايات المتحدة، ولاسيما في أوروبا، فثمّة حالة مختلفة تمامًا، حيث يجري العمل على أعلى المستويات وأكثرها تخصصًا على تطوير حزمٍ تشريعية، تعرف الآن باسم "مرسوم الخدمة الرقمية" (Digital Services Act)، حيث تلقى الإجراءات اللوجستية العملية لضبط المحتوى على الإنترنت اهتمامًا مخصوصًا، وتطرح الأسئلة المباشرة الكبرى، إذ كيف يمكن ضبط ذلك القدر الهائل من المحتوى على الإنترنت، وهل بالإمكان التوصّل إلى قواعد أساسية يمكن فرضها وتطبيقها على هذا الحجم الضخم والمتنوع من الخطاب؟

من بين المقترحات المتداولة في أوروبا مثلًا إشراك القضاء ومنحه دورًا في اتخاذ القرارات حول مدى قانونيّة محتوى معين من عدمه، بدل أن يكون الأمر محصورًا بيد الشركات الخاصة. كما اقتُرح اعتماد عمليات مثل إرسال إشعار للمستخدم عند حذف المحتوى المنشور، ومنحه فرصة للردّ وبيان ما إذا كان الاتهام المسنود إلى محتواه باطلًا. أما إذا كان الحديث عن حق المنصّة وصلاحيتها بحظر محتوى ما، فترى بعض المقترحات التي جرى النقاش حولها في أوروبا، وفي أمريكا أيضًا، أن على هذه المنصة أن تراعي أعلى مستويات الوضوح في صياغة قواعدها وتحديدها، وبيان بروتوكولات تطبيقها، وإتاحة المجال للمستخدمين للاعتراض على القرارات ومراجعتها، بحيث يفهم المستخدم بلا لبس نطاق الحرية المتاحة له على المنصّة، ويكون قادرًا على اتخاذ قرار حول ما إذا كانت هذه القواعد لا تناسبه وأنه يفضّل تجربة منصّة أخرى.

القضاء على المنافسين

عند التدقيق في تفاصيل خطوات "التأنيب" الجماعية من طرف عمالقة الإنترنت ضد ترامب وأنصاره، يرى نيلاي باتل أنه لا يمكن لمراقب إهمال مسألة المنافسة والتحكّم بها، خاصة حين أقدمت أمازون على وقف تطبيق "بارلر" وحرمانه من حق الاستضافة على الإنترنت، كما أعلنت كل من آبل وجوجل حذف التطبيق عن متجريهما، وذلك بحجّة أن التطبيق لا يفرض معايير على محتوى المستخدمين. فلو كان بيد هذه الشركات أن تطرد منصّة مثل "بارلر" لأن معايير مراقبة المحتوى لديها مختلفة، فكيف يمكن أن تنشأ منصّة منافسة لتويتر، وتختلف عنها بسياسات الاستخدام وتفرض قواعد أقل تشدّدًا مع المستخدمين.

هنا توضّح الأستاذة كيلر أن هذا أمر كان يفترض بقواعد "حياد الإنترنت" أن تضبطه، وهي قواعد تنص بشكل أساسي على أن الإنترنت مساحة عامة، وأن الشركات المزودة لخدمات الانترنت واستضافة المواقع ملزمة بتقديم خدماتها للجميع، وأنه لا يمكنها أن تلعب دور الرقيب وتحديد نوعية الآراء التي يمكن أن تظهر على الشبكة. وعلى الرغم من إلغاء هذه القواعد عام 2017، إلا أن إرثها ما يزال حاضرًا لدى بعض الشركات التي يمكن اعتبارها "بنية تحتية" لنشاط الإنترنت، مثل شركة "كلاودفير"، وهي شركة "حيويّة" للمواقع الإلكترونية وسرعتها واستقرارها. فلو قررت هذه الشركة يومًا أن تحجب خدماتها عن منصّة ما، فإن ذلك سيكون بمثابة حكم بالقضاء عليها وطردها من فردوس الإنترنت. إلا أن رئيسها التنفيذي ماثيو برينس في مقال نشر مؤخرًا معلقًا فيه على نفوذ شركات الإنترنت الكبرى يقول: "يجب أن لا تكون بيدي مثل هذه السلطة، وقرارات مثل هذه لا بدّ أن تتخذ على نحو ديمقراطي، وأن نتفق جميعًا على الكيفية الأسلم لتطبيقها، بحيث لا يكون الأمر موكولًا إلى رئيس تنفيذي ما ينصّب نفسه وصيًا على ما يمكن أن يتداول على الإنترنت".

على مستوى منصات التواصل الاجتماعي، يغدو الحديث عن "الحيادية" إزاء المحتوى مسألة مستحيلة وغير عملية

أما على مستوى منصات التواصل الاجتماعي، فترى كيلر أن الحديث عن "الحيادية" إزاء المحتوى يغدو مسألة مستحيلة وغير عملية. فلو أتاحت منصات مثل تويتر وفيسبوك حرية نشر أي شيء، حتى وإن كان قانونيًا بموجب التعديل الأول للدستور الأمريكي، فإننا سنكون أمام فوضى عادمة. قد يروق الأمر لبعض المتطرفين من البيض وغيرهم ربما، إلا أن الآخرين سيفرون منها. وتلك معضلة أساسية، ذلك أن هذه المنصات بالمحصّلة ستفقد إمكاناتها كمواقع قادرة على تعزيز الحوار المدني، وهي معضلة أيضًا لأنها طاردة للمعلنين، ما يعني خسارة قدرة المنصات على جني الأموال. وهكذا تنقطع الجدوى العملية لإتاحة نشر أي شيء أيًا كان على المنصّة. فمعظم الناس بطبيعة الحال يؤيدون وجود قيود على المحتوى النازيّ والمواد الإباحية والتنمّر وغير ذلك، وهذا يمكن ضبطه إلى حدّ ما، لكن السؤال هو هل يمكن أن تبقى هذه المنصات الكبرى الحَكم الفعلي على المحتوى والمخوّل الوحيد بضبطه والتقرير بشأنه وجودًا أم عدمًا، أم يلزم أن تكون هذه المنصّات هي الأخرى خاضعة لقواعد توافقية محددة تسري على الجميع؟ هذا هو السؤال الذي يتقاطع مع سؤال المنافسة ومع مبادئ حريّة التعبير، وهي قضايا ما تزال بحاجة ملحّة إلى مراجعة شاملة وإجابات واضحة.

 

يمكن الاستماع إلى الحوار كاملًا بالإنجليزية على هذا الرابط في موقع "ذا فيرج". 

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

في خطوة جديدة لعزل الرئيس المنصرف رقميًا.. يوتيوب يعلّق نشاط قناة ترامب

فايننشال تايمز: هل يصبح فيسبوك "تويتر" ترامب الجديد؟