بعد انتهاكاتها ضدهم.. الداخلية التونسية ترفض التصالح مع من ظلمتهم عقودًا!

بعد انتهاكاتها ضدهم.. الداخلية التونسية ترفض التصالح مع من ظلمتهم عقودًا!

تظاهرة لذوي ضحايا التعذيب في تونس (محمد مدالله/الأناضول)

"أنا تعذبت على يد أجهزة الداخلية، ولكنني سأصفح على شرط الاعتراف والاعتذار الرسمي لما تعرّضت له"، هذا هو لسان حال آلاف ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في تونس، الذين قدّموا ملفات لهيئة الحقيقة والكرامة، التي تتولّى تنفيذ مسار العدالة الانتقالية.

لا يطالب هؤلاء الضحايا بالمحاسبة أو بمساءلة من ارتكبوا الجرائم بحقّهم، وذلك فيما يعتبرونه تأكيدًا منهم على عدم التشفي والانتقام، وإنما يطالبون بأن تعترف وزارة الداخلية بمسؤوليتها عن جرائمها زمن الاستبداد، وأن تعتذر لهم، وذلك لتحقيق المصالحة، بيد أن وزارة الداخلية ترفض هذه الطلبات، إذ كشفت هيئة الحقيقة والكرامة، أن الوزارة رفضت جميع المطالب دون تقديم تبريرات.

تلقت هيئة الحقيقة والكرامة نحو 5600 طلبًا للتحكيم والمصالحة، بينها حوالي 3 آلاف تخص انتهاكات حقوق الإنسان

في البداية.. كيف يطلب الضحية المصالحة مع الداخلية؟

كما يمكن للضحية التي تعرضت لانتهاك زمن الاستبداد أن تقدم طلبًا لتتبّع المنسوب إليه هذا الانتهاك، وغالبًا هي أجهزة وزارة الداخلية أو مصالح السجون؛ يمكن أيضًا للضحية أن تقدم طلبًا للمصالحة، وذلك عبر آلية التحكيم والمصالحة، التي نصّ عليها قانون العدالة الانتقالية في تونس، إذ يمكن للضحية أو المنسوب إليك الانتهاك، أن يطلب فضّ النزاع بطريقة مرنة عبر قواعد الإنصاف والعدالة، من خلال تحكيم تؤمنه لجنة خاصّة بهيئة الحقيقة والكرامة.

اقرأ/ي أيضًا: هل أتاكم حديث عدالة انتقالية محاصرة؟

وإن ما كانت هذه الآلية تهمّ أساسًا ملفات الفساد المالي، لضمان معالجة ناجعة وسريعة لها، فإنها تهمّ كذلك انتهاكات حقوق الإنسان، إذ تلقت هيئة الحقيقة والكرامة نحو 5600 طلب في التحكيم والمصالحة لديها، منها قرابة 3000 تخصّ انتهاكات حقوق الإنسان.

ويُلزم القانون إن كان طالب التحكيم هو مرتكب الانتهاك، أن يتحصّل مسبقًا على موافقة الضحيّة، كما يُعتبر إقرار مرتكب الانتهاك بما اقترفه واعتذاره الصّريح شرطًا لقبول مطلبه. وفي صورة إمضاء اتفاقية أولية بين طرفي النزاع، تنعقد جلسات تحكيمية حتى يتمّ التوصّل بشكلٍ ودي لحل توافقي ينهي النزاع الحاصل، في هيئة قرار يتضمّن الأضرار الحاصلة وطرق جبرها.

ويفرض القانون ألا يمتنع أطراف النزاع عن المشاركة في جلسات استماع عمومية، يعتذر فيها مرتكب الانتهاك علانية للضحية. وتشجيعًا لمرتكبي الانتهاكات لتقديم مطالبهم، اعتبر قانون العدالة الانتقالية القيام أمام لجنة التحكيم والمصالحة بهيئة الحقيقة والكرامة، سببًا يوقف نظر الهيئات القضائية في النزاع.

وقد قدم آلاف الضحايا التونسيين ممّن تعرضوا لانتهاكات حقوق الإنسان، ومنها التعذيب والاختفاء القسري وغيرها، طلبات للمصالحة مع الداخلية التي رفضت في النهاية هذه المطالب، لتكون الصورة النهائية أن الظالم يرفص صفح المظلوم عنه باعتذار لا تليه محاسبة! 

لا غطاء سياسي للعدالة الانتقالية

ولا تُقدم وزارة الداخلية تبريرات لرفضها قبول مطالب الصلح المقدّمة من قبل الضحايا، فهي ترفض دون تعليل، وهو ما يؤكد رفض الوزارة أو المسؤول الأساسي عن انتهاكات حقوق الإنسان في تونس، الانخراط في مسار العدالة الانتقالية، وهو ما يؤكد تتابعًا غياب الغطاء السياسي عن هذا المسار، وتلك إحدى نقائص تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، وهي نقيصة قد تعصف بالمسار من حيث عدم تحقيق العدالة الانتقالية لأهدافها، ومنها تحديدًا كشف الحقيقة وإصلاح المؤسسات والمصالحة الوطنية.

اقرأ/ي أيضًا: تونس.. رؤية في قانون المصالحة

ولا يقف رفض وزارة الداخلية الانخراط في مسار العدالة الانتقالية عند رفضها مطالب المصالحة فقط، بل كذلك عدم التجاوب فيما يخص النفاذ إلى أرشيفها، إذ إنّه رغم منح قانون العدالة الانتقالية لهيئة الحقيقة والكرامة صلاحيات استثنائية للنفاذ لأرشيف الدولة، بهدف البحث والتحقيق في الانتهاكات، إضافة لاستغلال هذا الأرشيف للأنشطة الهادفة لحفظ الذاكرة الوطنية، إلا أن وزارة الداخلية ترفض السماح بذلك!

وفي تشرين الأول/أكتوبر الماضي، انعقد اجتماع بين هيئة الحقيقة والكرامة ووزير الداخلية، تم خلاله "التباحث حول أوجه التعاون"، وفق بلاغ للوزارة حينها، كما أنه دائمًا ما ينفي الوزير عدم تعاونه، ولكن رغم ذلك ترفض وزارته التجاوب مع مطالب النفاذ لأرشيفها، وهو ما أكدته علا بن نجمة رئيسة لجنة البحث والتقصي في هيئة الحقيقة والكرامة بقولها إنّ "الوزارة لا تقول رسميًا إنها ترفض مدنا بالأرشيف، ولكن عمليًا لا تعطينا إياه".

ترفض وزارة الداخلية بشكل غير رسمي التعاون مع هيئة الحقيقة والكرامة، سواءً برفض قبول طلبات الصلح، أو بعدم السماح بالنفاذ إلى أرشيفها

ويأتي رفض الداخلية في ظل تصاعد حملة تستهدف هيئة الحقيقة والكرامة، بخاصة بعد تنظيمها لجلسات الاستماع العلنية لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، فبقدر ما حققت هذه الجلسات اختراقًا في الوعي الشعبي التونسي بكشف حقيقة الانتهاكات عبر عرض الضحايا وعائلاتهم لمعاناتهم زمن الاستبداد، فإنها لقيت تحفظًا من حزب نداء تونس الحاكم والقوى المحسوبة على النظام القديم، حينما وُصفت هذه الجلسات بأنها "تصفية حسابات".

ودائمًا ما تشير هيئة الحقيقة والكرامة إلى تعرضها لصعوبات وعراقيل من أجهزة الدولة للقيام بمهامها، رغم أن دستور البلاد يُلزم الدولة بتطبيق مسار العدالة الانتقالية، وبذلك يمثل رفض الداخلية لمطالب المصالحة مع ضحاياها، إحدى صور استنكاف الدولة عن لعب دور إيجابي في هذا المسار.

ماذا بعد رفض الداخلية للمصالحة؟

يحول رفض وزارة الداخلية لمطالب الضحايا للمصالحة، دون بت هيئة الحقيقة والكرامة في النزاع عبر التحكيم، وبالتالي يُحال الملفّ للتقصي والتحقيق عبر مسار شبه قضائي، وفي هذا الإطار قد يُحال الملف لدائرة قضائية متخصّصة في قضايا العدالة الانتقالية.

يمثل عدم انخراط وزارة الداخلية -بتأييد من الطبقة الحاكمة- في مسار العدالة الانتقالية، إحدى النقاط السوداء في الانتقال الديمقراطي بتونس

وإن ما كان هذا مآل الرفض، فلماذا لا تتجاوب الداخلية إذن مع مطالب ضحاياها بدل الذهاب للقضاء الذي قد يصدر أحكامًا بالسّجن ضد المتورطين في جرائم القتل والتعذيب؟ الإجابة بسيطة، وهي أن وزارة الداخلية تعلم عدم جدوى هذه القضايا، ولو في إطار العدالة الانتقالية، بما أنه لم يصدر القضاء المدني والعسكري طيلة 6 سنوات منذ الثورة، أي أحكام تذكر ضد مسؤولي الداخلية زمن بن علي، حيث تم الإفراج عن القيادات العليا بما فيها آخر وزير داخلية زمن بن علي، رفيق بالحاج قاسم.

اقرأ/ي أيضًا: تونس.. العدالة بوصفها سؤال الثورة

وفي النهاية، يُمثّل عدم انخراط وزارة الداخلية، بإسناد من الطبقة الحاكمة، في مسار العدالة الانتقالية، إحدى النقاط السوداء للانتقال الديمقراطي في تونس، ليظل السؤال حول كلفة الإفلات من العقاب وعدم ردّ الاعتبار للضحايا وجبر ضررهم، على الوحدة الوطنية وسيادة القانون في بلد لا زالت ديمقراطيته ناشئة ومهدّدة في آن واحد.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

شباب تونس يهتفون: لا للإفلات من العقاب

مكافحة الفساد أو الحرب الكاذبة في تونس