بعد النشيد.. هل

بعد النشيد.. هل "كلنا للوطن"؟

النشيد مسروق! (صلاح ملكاوي/Getty)

أن تستيقظ فجأة على أنغام النّشيد الوطني، في جزءٍ من بروباغندا ترويجية للدّولة بمناسبة عيد الاستقلال، هو بمثابة النّوم على فكرة وطنٍ منهار، للاستيقاظ على وطنٍ تغلّب على كل مشاكله، متحوّلًا إلى سويسرا الشّرق التي يحتار حاكموها في إظهار تقدّم البلد وازدهاره، سياحةً وزراعةً وصناعة.

مبادرة وزارة الاتصالات ومعها شركتيّ "Alfa" و"Touch"، بتثبيت نغمة إجبارية، عبارة عن مطلع النّشيد الوطني، في الفترة الزّمنية الفاصلة بين دخول حركة الاتصالات إلى الشّبكات وتفعيل عملها، كانت خطوة ممتازة إذا ما أردنا أن نفصل أنفسنا كلبنانيين عن الواقع اليومي المعتاش. ولكن جل ما يهمّ اللبنانيين والمقيمين على الأرض اللبنانيّة هو إيجادُ حلٍّ نافعٍ لأزمة النّفايات، انتخاب رئيسٍ للجمهورية واستعادة جزءٍ من الحياة الدّيمقراطية "الظّاهرية"، طبعًا بالإضافة للتحدّيات الأمنية التّي تواجه لبنان، في ظلّ جنون التّنظيمات الإسلامية الراديكالية الجهادية، كتنظيم "داعش" ومن يدور في فلكه. أما إذا قرّرنا العودة إلى واقعنا، فالدّولة تجبرنا على النّفور من النّشيد الوطني، وتحويله من رمزٍ لشكل الدّولة، إلى مادةٍ للسخرية واختلاق النّكات، نكاتٌ من صلب المعاناة اليومية اللبنانية.

المضحك المبكي أن شركات الاتصالات المشغلة لقطاع الخلوي في لبنان هي أفرعٌ لشركات أجنبية

المضحك المبكي، أن شركات الاتصالات المشغلة لقطاع الخلوي، هي أفرعٌ للشركات الأم الأجنبية، "Alfa" هي وليدة "Orascom" المصرية، و"Touch" وليدة شركة "زين". لا ضير في الاستثمارات الخارجية، لكن الخلل يكمن في غياب الشّركات اللبنانية، أو التّابعة رسميًا للدولة اللبنانية صاحبة النّشيد. بدل أن تتغنّى الدّولة بنشيدها، عليها أن تبادر في تحسين خدماتها بالحدّ الأدنى، وتأسيس شركاتٍ راعية، أو فتح السّوق أمام شركاتٍ أخرى لخلق طبيعة تنافسية يستفيد منها المشتركون، كأي بلدٍ في العالم، لكن حسابات البيدر اللبناني تختلف عن حسابات المشرفين عليه، مصلحة صاحب القرار تتغلّب على مصالح المواطنين، والمكاسب الضّيقة تأتي دومًا أولًا، على حساب الشّعب.

النّشيد الذي كتبه رشيد نخلة، ولحّنه وديع صبرا، وُلد في العام 1927، كنسخةٍ في الوزن الشّعري، عن نشيد جمهورية الرّيف المغربية المستوحاة من قصيدة "بطل الرّيف" والتّي ألفّها الشّاعر إبراهيم طوقان في العام 1924. مهزلة النّشيد هذه، بطلها الملحن وديع صبرا، الذي وبحسب كتاب "شاعران معاصران" للكاتب عمر فرّوخ الصادر في العام 1954، اشترى لحن النّشيد من ملحّن قصيدة "بطل الرّيف"، محمّد فليفل، سرًا، وتقدّم به إلى مسابقة اختيار النّشيد الوطني التي فاز بها، ويقول الكتاب في معرض حديثه عن قصيدة طوقان، أنه وفي أحد أيام الشتاء من عام 1924 اجتمع إبراهيم طوقان وعبد الرحيم قليلات ومحمد فليفل في مقهى الكاريون، كانت البلاد العربية تعصف يومذاك بأخبار انتصارات العرب في شمالي أفريقيا على الجيوش الفرنسية والجيوش الإسبانية. 

وخطر لإبراهيم أن يضع في هذا الاجتماع نشيدًا لهذه الثورة ويدون صدى هذه الحرب في نفوس العرب المتوثبة إلى التحرر، فكان هذا النشيد الذي وضعه إبراهيم في تلك الجلسة التاريخية. لكن فعليًا، لا دليل حسّي على مزاعم فليفل ببيعه اللحن لصبرا، فصبرا فاز بمسابقة اختيار النّشيد في وقت حلّ الأخوين فليفل في المركز الثّاني، مما ولّد ولا يزال، التباسًا في معرفة أصل لحن النّشيد الوطني الذي تروّج له اليوم وزارة الاتصالات وشركتا الخليوي.

مهزلة النّشيد الوطني اللبناني بطلها الملحن وديع صبرا الذي اشترى اللحن من الملحن محمّد فليفل

بغضّ النّظر عن مصدر النّشيد، نحن اليوم أمام تحطيمٍ لفكرة مقومات الوطن، ولو الشّكلية، ومنها النّشيد كما العلم. لا يلام المعترضون على مفاجأة شركات الاتصالات، ما اجتهدت الأحزاب على فعله، والنّهج الذي سلكته في تحويل الوطن إلى أوطان مصغّرة، قائمةٍ على المحاصصة والمحسوبيات، مع تقسيمٍ مناطقي طائفي، جعل من شكل الوطن، إطارًا كبيرًا لدويلاتٍ لها اقتصادها الخاص، جيوشها الصّغيرة، وحتّى "كونسرفتواراتها" الموسيقية، كيف للبناني أن يؤمن بالنّشيد، بينما مضى على اختطاف عسكره، أي حماة النّشيد أشهر دون تحريك أي ساكن، أو أن يتأثّر به بينما يحاول قدر المستطاع الهروب من الطّاعون والكوليرا القادمة بفعل أزمة النّفايات، حتّى بات التّذمر من هذه الأزمات شيئًا مملًا، مع التّسليم بقضاء سياسة السّلطة وقدر المواطن كسلعةٍ في بازار الفساد المستشري، والتّبعية العمياء.

أما إجبار المواطن على سماع النّشيد الوطني، فيعدّ انتهاكًا لحريته ومساحته الشّخصية، على خطوط اتصالات اشتراها هو، أي أصبحت جزءًا من ممتلكاته الشّخصية. لا يحق للشركات ومعها الوزارة فرض نغمة ولو لثلاثة أيام، ولو أن المهلة انقضت "بسلام". كان الأجدى بالوزير بطرس حرب، المهلل لإنجازه الوحيد والفرح به، أن يترك للمواطن حقّ الاختيار، لا الفرض والإجبار، فأنا اليوم، كمواطنٍ لا يؤمن بفكرة الاستقلال لأني لم أعشها يومًا، أجد نفسي غير معني بعيد الاستقلال الذي يجبرني الوزير حرب على الاحتفال به غصبًا. استقلالٌ شكلي، يظهر نقيضه في كلّ يوم، أحزابنا كلّها تابعةٌ وممولةٌ من دولٍ خارجية، سياساتنا تحدّدها المحاور، استمرارية نظامنا مرهونةٌ باتفاقاتٍ نجبر على اتباعها، تضمن استمرارية النّظام الفاشل عديم المقومات.

مشكور الوزير حرب، على أمل أن تبقى الأفراح في دياره عامرة، من استقلالٍ إلى إنماء وغيرها، حاولت كما عديدين، التّواصل مع الشّركات بهدف إلغاء النّغمة لكنهم رفضوا، "إنّها بمناسبة عيد الاستقلال!"، لم يفهم الموظف غايتي، أريد إلغاءها، لا لأحتقر النّشيد ولا لأسخر منه، بل رفضًا لفكرة الوطن التي يصدّقها. حتّى النّشيد الوطني، تجهد السّلطة على تنفيرنا منه. والآن، بعدما انتهت "موضة" النشيد، ماذا يتبقى من الوطن؟

اقرأ/ي أيضًا:
العسّكر تحرّر.. بكاميرا النّصرة
كيف تموّل داعش؟